...جزاكِ الله خيراً-أختي الكريمة الأصيلة صمت النبلاء-على هذا الإلمام الجامع بهذا الخلق الكريم،الرفيع،السامي الذي لن نخطئ أبداً إذا قلنا ؛ إنه شعارُ المؤمنين وتاجُ نفوسهم وأمارَة ُدينهم وسِمة معدنهم الإنساني النبيل...( خــلــقُ الحياءِ )...
وَيْ أختي الكريمة...وهل يا ترى سيبقى لِحاءٌ في عُودٍ إذا غاضَ ماءُ الحياء في وَرقِـــهِ...؟؟!!!
ماذا يا تـُرى سيتبقى من معالم الآدمية والإنسانية إذ انطلقَ الإنسانُ في أعماء دنياه،يُصيبُ ويُخطئُ،يجدُّ ويَهزَل،يتعاملُ ويُخالط،يصادق ويُفارق،وقد نضبَتْ في فيْحاء روحه ونفسهِ تلكَ النبعة الكوثرية الرقراقة التي يرتدُّ صدى صوتِها-بين الحين والحين-في جنبَاتِ كِيَانه،فيظهرُ أثرُها على شكل شعور فياضٍ غامر،تتسارعُ معه نبضاتُ قلبه الحي،وعلى شكل حُمرةٍ من أقحوانٍ،تعلو مُحيَّاهُ ووجنتيه،وقد يتفصَّدُ معها الجبين عرَقاً...؟؟!!!
الإنسانُ السويُّ لن يكونَ إنساناً-فضلاً عن أن يكون مؤمناً كاملَ الإيمان-إذا أفرَغَ محتواهُ من ( خلق الحياء ) واستبدلَ ذلكَ بصفاقةِ الوجه ومُيوعةِ التصرفِ ووقاحةِ التعامل...إنه-في هذه الحالة-يتختلط عنده أخماسُ الحق في أسداس الباطل،فينطلقُ-كالسائمة-لا يلوي على شيء...!!!
وصدقَ شاعرنا الحكيم حيث قال :
وما انتفاعُ أخ الدنيا بناظره ** إذا استوتْ عندهُ الأنوارُ والظـُّلـَـــمُ...؟؟!!!
وأحب هنا سريعاً-أختي-أن نفرقَ بين شيئيْن ؛ بين ( الحياء ) و ( الخجل )...
فإن الحياءَ شعورٌ إيجابيٌّ،يجعلُ الإنسانَ-خصوصاً المؤمنَ-شديدَ الحساسية تجاهَ الأشخاص والمواقف،بحيث تؤثرُ فيه الحادثاتُ،إيجاباً أو سلباً،فعندَ الإطراء مثلاً،نجده في حَرَج من أمره،لأن أريحية التواضع في أخلاقه،لا تأبى إلا أن يستحي تواضعاً لإخوانه،وعند اقتراف شيءٍ مَّا-ولو كان لمَماً-فإن حساسية إيمانه تجعله في حياءٍ من ربه،فيتمعر وجهه،ويخشع قلبُه...وكل ذلكَ دليلُ حياةٍ وإيمان في قلبه،ولعل هذا هو المعنى الذي وردَ في الحديث الحسن : (( إذا أسرتكَ حسنتكَ وساءتكَ سيئتُكَ،فأنتَ مؤمنٌ ))...
أما ( الخجل ) فهو في الحقيقة انكفاءٌ في النفس،وضعفٌ في شخصية الإنسان،وهو-يقيناً-دليلٌ على ثغرةٍ نفسيةٍ وعقدةٍ ( بسيكولوجيةٍ ) في كيانه المعنوي،لأن هناكَ مواقفَ في حياة الإنسان،تستدعي نوعاً من الجراءة والعنفوان والقوة في عرْض الآراء..نجد ذلكَ مثلاً في حوارات العلم..والصدع بكلمة الحق...والاستماتة في الدفاع عن الرأي الاجتهادي الخيِّر...وهكذا....
فانكفاء الطالب مثلاً على نفسهِ،في وقتٍ يجب أن يُظهرَ فيه نبوغـَـهُ العلمي وعبقريته الفكرية في مناقشة زملائه أو محاورة أساتذته وشيوخه-بأدب واحترام وتواضع-أو في عرْض ومناقشةِ رسالة تخرُّجه أمام لجنة التحكيم وبمحضر حشدٍ من الطلبة والأساتذة،فيرتد خجـِلاً مهزوزاً،هنا -في الحقيقة-هــو يعاني مأزقاً نفسيًّا،واصطراباً ما في توازنه النفسي والعقلي ويخطئ أبداً من يظن أنه الحياء...!!
فالفارق إذن واضحٌ بين هذا وذاك....
إنَّ الحياءَ ؛ مظهرٌ نورانيٌّ شفيفٌ،يجعل من الإنسان المؤمن يرفٌّ كالملائكةِ-في غير عصمةٍ من الخطأ-ويتسامى عن الحيوان والسوائم من غير إحساس بالتسفل والدونيةِ أو الوقوع في شرَكِ الضَّــعَةِ وعُقـَدِ النقص المختلفة...!!!
فاللهَ نسال-أختي الكريمة-أن يرزقَ أخلاقنا وذواتنا ثوبَ الحياءِ في دنيانا وأخرانا،وأن يقي وجوهَنا سوادَ الصفاقةِ،وأن يهدي أمتنا المسكينة-وقد قتكتْ بها أورامُ البلادة والضياع أو تكاد-إلى أنوار الإيمان...فما أشدَّ حاجتها لهذا الخلق الرباني المحمدي الرفيع.....