...كثيرون-مبدعتي الكريمة سارة-همُ الذين راحتْ ملكَاتـُهُم،تنسِجُ لنا من الحقيقةِ السماويةِ التي أثبتها الوحيُ الأعلى أو من الواقعةِ التاريخيةِ التي دَوَّنها المؤرخون في بطون الآثار والمخطوطات المُحققة أو من الملاحم الإنسانية التي تواترتْ بين الأجيال...راحتْ مَلكَاتـُهم الذاتية ومواهبُهُمْ الفنية تعيدُ صياغة تلك الحقائق أو الوقائع أو الملاحم في قالبٍ ( دراماتيكي ) جذاب،ويُضفون عليه لمسة ًمن جمالياتِ الأداء وبراعة التصوير وجزالةِ اللغةِ ورونقةِ الأسلوب،تزيدُ المادة الخام الأصلية إغراءً لذائقةِ القارئ من غير أن تخدش فيه الحقيقة الثابتة والجانب الإيماني العَقـَدي الذي يؤمن به....
خذي-سيدتي-على سبيل المثال لا الحصر ما قام به الشاعر الإغريقي الأعمى ( هوميروس ) حين راحَ يقتنص ملاحم الصراع المرير الذي دار بين أوصال الإغريق ( اليونان والطرواديين ) ليُخرجَ هذا الصراع من سرده التاريخي ويُلبسُه ثوباً قشيباً من الأداء الفني في ملحمتيْه ( الإلياذة ) ثم ( الأوديسة ) نقلَ الوقائعَ إلى ذِرْوَةٍ من الجمال القصصي والأسلوب الأدائي، جعلتْ من ( آخـــــيلْ )-وهو مفصل الملحمة-وهيلين زوجة ميلانوس و هيكتور وباريس وبريام ملك طروادة و (( حصان طروادة الشهير ))...جعلتْ من هذه الشخصيات الحقيقيةِ مضنــة ًجميلة ً لإبداع فنيٍّ خارق..وأذكر في دراساتنا،أننا درسنا جانباً من تاريخ الصراعات الإغريقية،ولكن الصراع انتقلَ في حِسِّي من طور إلى طور ومن مجرد معلوماتٍ تلقينيةٍ إلى استذاقةٍ فنيةٍ رائقةٍ حين رحنا ندرس-وبالتفصيل الممل-الأدب الإغريقي من خلال ( إلياذة هوميروس ) و( الأوديسه )،سواءٌ في نصهما الأصلي عن الفرنسية أو النص المترجم للعربية ( ترجمة الأديب اللبناني سليمان البستاني أو ترجمة أستاذنا الكبير الدكتور أحمد عثمان )....
خذي مثلاً-سيدتي الكريمة-التحفة الأدبية الرائعة الرائدة ( رسالة الغفران ) لشاعر اللزوميات ورهين المحبسيْن أبي العلاء المعري،والرسالة-وإن كانتْ في الأصل كما هو معروفٌ رَدٌّ على رسالةٍ أخرى كان قد بعث بها علي بن منصور الحلبي الملقب بـ ( ابن القارح ) لتلميذه أبي العلاء،يستعرض بها مقدرته الأسلوبية واللغوية في تجاربه الحياتية وتنقلاته ورحلاته ليستقز بذلكَ مَلكَة أبي العلاء الذي كان أدبُه يفتقر إلى هذا النوع من الكتابات النثرية-الرسالة كانتْ رحلة تخييلية مشوقة ً لعالم البعث والغيب والجزاء،اتكاءً على حقائق قرآنيةٍ وحديثيةٍ،قطعيةِ الدلالة،قطعية الثبوت،فنحى أبو العلاء فيها منحًى لم يُسبَق إليه في ما نسميه بـ ( الأدب الإسلامي )،وراح بمقدرته الفنية وموهبته الأدبية يحلق بنا في أكثر من ثلاثين مقطعاً،يستشرف ببصيرته مآل الكثيرين حسب أعمالهم وإنجازاتهم ( كالأعشى وزهير والنابغة والقرامطة والزنادقة وغيرهم من الفرق الكلامية...)..فكانت رسالة الغفران تحقيقاً لغرضين أساسين : دفع القارئ المتذوق لجمال الحرف العربي إلى صقل موهبته من خلال السرد التخييلي واستعبار القلب والمشاعر لأحوال أهل الآخرة اتكاءً على إيماننا الراسخ بما أقره القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة بخصوص البعث والجزاء وعالم الغيْب….
خذي مثلاً-سيدتي الكريمة-التحفة الأخرى الموازية لرسالة أبي العلاء وهي ( الكوميديا الإلهية divine Comédie ) للأديب والشاعر الإيطالي المعروف ( دانتي أليغييري Dante Alighieri )،وهي التي استقى فكرتها-كما هو معلومٌ-من رسالة الغفران للمعري...وهي الأخرى-إنسانيا-لا تبتعد كثيراً عما قلناه عن رسالة الغفران....
بل خذي مثلاً-سيدتي-رحلة الروح البشرية المؤمنة المطمئنة،حين ترجع إلى ربها راضية مرضية ً،من خلال ما كتبَ إمامٌ من أئمةِ سلفنا الكبار الراسخين أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية-عليه من الله الرضوان-في كتابه التحفة ( حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح )،فراحَ يرفرف بأرواحنا كحواصل الطير،لنتعشقَ دارَ الأبرار هناك في درجات الفردوس الأعلى ونسعى لها بالعمل الصالح والقـُرُبَات..ومَن منا لا يقرأ هذه الرحلة النورانية-بأسلوبه العذب الرصين الجزل-ولا يتذكر قوله في ( ميميته ) الشامخة :
فحَيَّا على جناتِ عَـــــدْنٍ ** فإنها منازلكَ الأولى وفيها المُخيَّــمُ...!!!
ــ إذن سيدتي البديعة سارة،أن ينسابَ الخيالُ الأدبي الرائقُ في ذائقتِكِ الفنية،فتنتفض في أعماقِكِ بوارقٌ،تلِحُّ عليكِ أن تعودي مرة أخرى إلى ( قصة الصراع الأزلي الأبدي) بين الخير والشر...بين الحق والباطل...بين الحب والُكره...بين آدم وإبليس...وربما بين هابيل وقابيل بعد ذلك....وأن تبدئي رحلتكِ الملحمية هذه-التي قررتِ أنها مُبوّضبَة ٌإلى خمسة أبواب-بتوطئةٍ مناسبةٍ،كمدخل دراماتيكي،تبررين به أصلَ ما ستقومين بسرده،من خلال اختلاق خيالكِ القصصي الجميل لعنصر الواسطة المعرفية ( وهي تلك الباحثة الفلكية،أو الفتاة المفترضة والتي تقررتْ عندكِ أنها ستكون النافذة التواصلية التي انفتحتْ ( في البُعد الرابع )،وما الرحلة الفلكية إلا تبريراً مقبولاً لذاك التواصل الذي سيتم في رحابه استعراض القصة الكاملة للصراع بين الخير والشر منذ البدايات....)...قلتُ ؛ أن ينسابَ الخيال الأدبي في ذائقتكِ بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب،فهو ليسَ بـِدَعاً من القول ولا شذوذاً في الإبداع...
إنكِ-سيدتي الكريمة-تضعين بذلكَ أيقوناتِ ملكتِكِ في أول مسار الإبداع الحقيقي-إن شاء الله-تيمنا بهوميروس والمعري ودانتي وابن القيم...وكثيرون جدا من أرباب هذا الاتجاه في النسج والكتابة النثرية...ولكِ أن تقرئي-لصقل موهبتك وتفعيل قلمك-من كتابات المعاصرين ؛ كتابات أستاذنا المبدع الكبير أنيس منصور،وهي من أروع وأرقى وأجمل ما كُتِبَ-في تقديري المتواضع-في هذا المجال القصصي،الفني المشابه...مثل : ( بلادُ الله...خلـْقُ اللهِ – الذين هبطوا من السماء – في صالون العقاد كانتْ لنا أيام – القِوَى الخفية – أعجب الرحلات في التاريخ - ....)
ــ فقط سيدتي الكريمة سارة،أعتذر لقلمِك الجميل حين راح يكشف برجاءٍ كريم لطيف دافئ أن لا ( نقصفَ ) فيه الملـَكَة والإبداع...وأسارع بالقول-سيدتي-بأنه لن يكون هناك قصفٌ أو قمع أو مصادرة إن شاء الله لأي عمل ينتج عن موهبتكِ التي تستحق منا كل الإحاطة والسند والتشجيع والتحفيز...فأنتِ في هذه المرحلة نوذجٌ بديع لكاتبةٍ ناشئةٍ،بدأت تقطعُ مسارَها في خطىً ثابتةٍ وكتابةٍ لافتةٍ....
صحيحٌ-أختي-قد تكون هناك بعض الهنات..بعض الرتوشات...بعض الملاحظات...بعض الهفوات الفنية البسيطة ، إن في الأسلوب..إن في نسيج العرض...إن في بعض العناصر الفنية في امتداد العمل السردي والوصفي والإخباري....وهذا البعض لا يَكاد يُذكر مقارنة ًمع الانطباع الجميل الذي نخرج به حين قراءة العمل ككل...
قلتُ صحيحٌ أن تكون هناك بعض الهِنات،وهذا شيءٌ طبيعي لكاتبة ناشئةٍ...ولكنَّ إحساسي ويقيني بأن اللاحقَ من كتاباتك المستقبلية سترى نقلة ًنوعية ً رائدة في الكتابة إن شاء الله تعالى،وستكون-وهذا إحساسي الأدبي والفني-في مرحلةٍ متقدمةٍ من السموق والجمال والكمال الأدبي والدراماتيكي الباهر.....
ـــ كانتْ هذه-سيدتي الكريمة-تقدِمة ًبسيطة ً-تعليقاً ابتدائيا على مقدمتِكِ هذه-أحببت من خلالها وضعَ تصنيفٍ بسيطٍ لعملكِ الجميل هذا الذي يبدو لي أنه أقرب إلى ( السرد الملحمي القصصي الافتراضي Répondre par défaut romancier épique ) منه إلى ( الخاطرة ) الأدبية الرومانسية الهادئة....
وأكيد...أكيد-سيدتي-لنا عوْداتٌ في صميم الأبواب اللاحقة الأخرى لـ ( معاركِكِ الأزلية ) الرائقة...فقط ؛ اتجدعني إنتي كده...وشدي حيلكْ...واظهري لنا إبداعاتِك الجميلة دي....والله المستعان....