نقطة التحول ( مِـــنْ...إلى )-أختي الكريمة العف-تزحَفُ في حياة الإنسان،شاءَ أو أبَى ولا حِيلــه...!!
فإن تسارُعَ الزمن نحو الآتي،يحمِلُ في حد ذاتِه دِلاَلاتِ التحول التي تنتابُ الإنسانَ،فإذ به-غصباً عن أنفه-طفلاً،وإذ به بعد لأيٍ غلاماً يافعاً وشابا،وإذ به بعد كذا من العُمُر كهلاً وشيخاً..وإذ به أثراً بعدَ عيْن..وإذ به تاريخاً بعد أن كان حاضراً ومستقبلاً...!!!
لعلَّ المؤرخ الاجتماعي الكبير،العلاَّمة عبد الرحمان بن خلدونَ-رحمه الله-لم يَحِــدْ عن الصواب عندما أشارَ بهذه الحقيقةِ الوجوديةِ في سَنن الله تعالى،بقوله في ( المقدمة ) : (( الحاضر غرْسُ الماضي،والمستقبلُ جَنـْيُ الحاضر..والتاريخ سِجلُّ الزمن لحياة الأفراد والأقوام والأمم...))...
فولادة الحاضر من رَحِم الماضي،وامتدادُ المستقبل من واقع الحاضر،هو شكلٌ قاهرٌ من أشكال ( التحول ) في حياةِ المرء،لا سبيلَ إلى إيقافِ عجلتِها ولا خيَارَ للإنسان في الاستدراك أو العوْدِ على بَدْء..!!! وهذا بالضبط ما عناه الأثر الكريم : (( إذا ذهبَ يومُكَ،ذهبَ بعضـُــكَ..!!! ))،وهو نفسُه الذي نبهنا لمعناهُ الإمامُ حَسَنُ البصري رحمه الله : (( ما من يوم،ينشق فجرُه،إلا وينادي منادٍ من السماء ؛ يا ابن آدمَ،أنا خلـْقٌ جديدٌ،وعلى عمَلِكَ شهيدٌ،فاغتنمني،لأني لا أعود إلى يوم القيامة...!!! ))...
ولما كانتْ نقاط التحول قسْرية ً في حياة الإنسان من هذه الناحية،فإنه من باب الوعي الأرشد أن يختار لنفسه ما يُمكنُ أن يملأ به نقاط التحول في كل مرحلةٍ آتيةٍ منها...
دائماً أقول-أختي-من الناس مَنْ يظهرُ في هذه الحياة،ويمضي في دروبها لا يلوي على شيء..يظهَر كالرغوة العابرة الصامتة التي تضطرمُ بارتعاش فوقَ سيْل جارفٍ،ثم سرعان ما تختفي-بذات الصمت الذي بدأتْ به-لأنها غثاءٌ لا طائل منه...!!
إنه يظهر في الحياة على نحو مَّا..وليسَ له من هَمٍّ إلا الإكراعُ من الحِسِّ القريب...
أكلٌ..شُرْبٌ...غطيط طويلٌ في نوم...تناكُحٌ وتناسُلٌ...مُتـَعٌ هنا وهناك...
وتبقى الأجهزة العضوية هكذا شغالة ًٌإلى أن تـُصابَ بعطبٍ مَرضيٍّ أو تقهرُها الشيخوخة،لينتهي بعد ذلكَ بالموتِ الحَتميِّ،ثم يندسُّ في التراب ليقضِمَه الدودُ والثرى،ويذهبُ غيْرَ مأسوفٍ عليه...!!!
بالله علينا،ما الفرقُ بين هذه الحياة البائسة وأيةِ حياةٍ أخرى لأيةِ سائمةٍ أخرى من سوائم البهائم التي تعيشُ عمْرَها الافتراضي في نطاق حاجاتِها ( البيولوجية ) ثم تنتهي بالموتِ جيفة ًبعد أن تـُنفـَقَ...؟؟!!!!
أنا واللهِ لا أكادُ أجد فارقاً،غيْرَ أن السوائمَ هنا أرقى درجة ًلأنها لم تتمردْ بغريزتها عن طبعِها المحصور في تلبيةِ تلك الحاجاتِ..!!!
بيْدَ أن هناكَ ناساً،يظهرون في هذه الحياةِ على نـُدرة وسطَ ذلك الغثاء الممتد،لأنهم كالمعادن النفيسةِ وسط الركام من التراب التافه الحقير..
إنهم أولئكَ الصفوة البشرية المنتقاة،الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : (( الناس كمائةِ إبل،لا تكاد تجد بينها راحلة ))..!!!
يظهرون وهم يُدركون تماماً لماذا ظهروا،وينطلقون في أعماء الحياةِ ودروبها،فيملؤونها بنقاط التحول الإيجابيةِ من غير كلل أو ملل..
كلُّ حياتهم نقاط ُتحولٍ،تثيرُ الإعجابَ والإكبارَ والدهشة َمعاً..
حتى ما يبدو أنه مَثارٌ للمعاناةِ والقساوةِ والضيق،يعرفون كيفَ يستسيغونه ويحولونَ خسائرَه لمكاسب..!!!
ألاَ تنحني مشاعِرُنا وأفكارُنا إجلالاً وإكباراً ونحن نستمعُ إلى تلكَ الكلمةِ الشامخةِ التي قالها يوماً واحدٌ من هذا الطراز النادر النفيس في تاريخنا ؛ الإمام الكبير تقي الدين أحمد بن تيْمية-عليه من الله الرضوان-حينما استهانَ بخصومه،وكان قدْ سُجن في سجن القلعةِ بدمشق،فقال : (( جنتي وبستاني في صدري..إن حبسوني فحبْسي خـَلوة..وإن أخرجوني فخروجي سياحة..وإن قتلوني فقتلي شهادة في سبيل الله..إن في صدري كتابَ اللهِ وسُنة رسوله..!!! ))...
هل رأينا كيف يقلبُ الرجالُ العظامُ أرزاءَ وبلايا حياتهم إلى نِقاطِ تحول كبيرة...؟؟!!!
نعَــمْ..المثل الصيني المأثور يقول : (( حاولْ أن تصنعَ من الليْمونةِ الحامضةِ شراباً حُلواً..!! ))...
لا شك-أختي-أني كأيها من الناس،أسعى للتحول الإيجابي في كل طوْر من أطوار حياتي..ولن أكذبَ أبداً إن قلتُ إن طموحاتي-مذ كنت شابا ناشئا-كانتْ ترهِقني كثيراً،لأنه ليسَ عيْباً أن نطمح دائماً للأفضل والأحسن والأجمل والأكمل،ومع إيماني الراسخ الدائم أن لكل منا قدراً مسطوراً،يستحيلُ تغييرُه أو التحايُلُ فيه،إلا أننا دائما نحب أن (( نفرَّ من قدر الله السيء إلى قدَر الله الحَسَن ))،وقطعاً إذا خيرنا بين قدريْن سنختارُ الأفضل،ويَسَعنا في نقاط تحولنا ما وَسِعَ النبي صلى الله عليه وسلم،حينما دَعَا دُعَاءَ ( الطائف )،فجاء فيه : ((...إن لم يكن بكَ غضبٌ عليَّ،فلا أبالي،ولكنَّ عافيَتـَكَ أوسَعُ لي...))...
فتحَمُّــلُ البلاءِ قدَرٌ..ولكنَّ العافية َ-وهي قدَرٌ أيضاً-كانتْ مطلباً طبيعيًّا،يجأرُ به قلبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم في غيْر غضاضة....
إن استعذابَ نكهة الحياةِ،لا يتم أبداً-أختي الكريمة-إلا إذا أحسنا مراسيمَ التحول،من غير استعجال أو تسريع في قطف الثمرة،وأجملُ وأروعُ ما في التحول أن تكونَ دائماً عيننا على ( الكَيْف ) لاَ ( الكَمّ )،لإنه من سوء التقدير أن أركز دائماً في تحولاتي الإيجابية على السؤال : ( كَمْ هي عدد نقاط التحول في حياتي..؟؟ )،وإنما السؤال المهم : ( كيف هو أثرُ نقاط التحول في حياتي..؟؟ )...
فلربَّ تحوُّل واحدٍ فعَّال،يُحدثُ تغييراً في حياة الإنسان ما يجعلُ النقاط الأخرى تتحقق تِبَاعاً،وبشكل تلقائي..ورحمَ الله أبا الطيب حينما همَسَ لنا :
وترْكُكَ في الدنيا دويًّا كأنما ** تداوَلَ سمعَ المرْءِ أنمُلـُه العشْرُ..!!
وبوركتِ-أختي العف-على الفكرةِ وإتاحةِ المجال في إثرائها...