عرض مشاركة واحدة
قديم 14-09-2011, 10:04 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحباً بكل المتابعين الأوفياء

وأتمنى أن لاتكون قصتي ثقيلة على قلوبكم

أرحب بالتعليقات الناقدة

والآن مع الفصل الخامس من رواية آدم


(الفصل الخامس)
عزم المحقق على سن مُثل جديد مذ ألقي في مسؤوليته هلاك الرجلين الحارسين في نزل الشيخ. لقد تحدثوا في مركز الشرطة عن تساهله وشرود باله عن الحقائق التي كانت خلف هذه الوقائع والأحداث ،وعذله المدير على تهاونه مع رجاله الذين كلفهم بحراسة المنزل. وقال المدير ولون سمرته المحمر من الغضب يتلاشى شيئاً فشيئاً:"إنك رجل جيد ،وأنا لا أرغب أن أسمعك هذه الكلمات." "إن القضية تجاوزت حدودها المرسومة لها..وبالنظر للمعلومات التي وردتني..فإني ختمت ملفها بهذا الشكل البسيط..إني أجدك غير أمين في نقل ما تتوصل إليه بعقلك وأبحاثك معي". ولم يذبّ المحقق عن نفسه بكلمة ،ولم يأتِ جسده بأي حركة ملل أو كظم غيظ ،ولم يرغب أبداً في تحطيم رؤوس أولئك الذين حدقوا فيه شامتين على طول الطريق إلى الخارج ،فقط كان دماغه يعمل على تحليل جريمة القتل الشنيعة ،و الوسيلة الأفضل لحصر المشتبه بتورط أيديهم في إزهاق الروحين. كان يعاتب الشيخ في مهجعه بصوت مرهق:"أيها الشيخ..لقد اصطبغت دارك بالأحمر ليلة أمس الأول..لقد ذبح أتباع علمك الذي تزعمه اثنين من رجالي..فإن كان هديك يحض على قتل الناس فبئس الهدي المضل جئت به بين يديك..وبئس الضياء المعتم تريد أخذ الناس إليه " وتحدث فقال بلهجة صارمة:"أيها الرجل المسن إنني أنوي جمع الأسماء المتوارية التي كانت تسمع كلامك..فضلاً عن استجواب لكل الأشخاص الذين نعرفهم من يدعونك بالشيخ الجليل..وسواء إخباري بجحورهم وإخفاء هذا..فإنني سأكشفهم قريباً". لم يبد على صوت الشيخ أي تأثر بالحادثة التي يرويها رجل الشرطة حين قال"إنه علم مهيب ذلك الذي جعلكم تخافون من رجل مسن مسجون ،تقدمون بين يديه فتنشدون بعض المساعدة في البحث عن الجاني..إن الكتاب الذي بين يدي يأمر لساني أن لا ينطق بغير الحق وإن كنت سأقتل لو نطقت به..فأي حكم ذاك الذي يعظم شأن الكذب إلى هذا الحد ويتهاون بروح إنسان بريء!..أيها الشرطي في أي قضية قمت عليها هل كنت تأخذ كلام الناس على محمل الجد؟..لقد كنت تمحص الأقوال لتعرف الحقيقة من الخيال..لكنك أتيتني وسألتني وتعلم أني سأصدقك القول..كما أن جوابي فقط هو الذي سيجعل تحرياتك تسير..وبطريق الصواب..لأنك لا تعرف أي نوع من الناس يمكن أن يجالس رجلاً هرماً..ولم تكن هناك عيون تراقب بيتي فتعلم من دخل إليه ومن خرج. إن الصبية الذين يرافقهم رجل في منتصف العمر قد تعهدوا لديكم بالتوبة من ذنبهم ذاك..ولا أدري لأي سبب اتسعت رقعة أبحاثك وصرت تعتقد بوجود غيرهم!". وتحرك المحقق صوب الباب ففتحه له جندي يحمل مدفعاً آلياً أدى التحية العسكرية ثم أغلق الباب.
لقد توجه المحقق إلى دار الشيخ مباشرة عقب مقابلته القصيرة معه ،ولم يكن رجال المختبر قد انتهوا من جمع الآثار التي تركها الجناة خلفهم ،وقال كبيرهم للمحقق:"لقد رفعنا آثار الأقدام الدامية ،ووجدنا من النظرة الأولى أنها لطفل وشخص بالغ..سنوافيك بالنتائج بعد مطابقتها ببصمات المشتبه بهم" وأكمل وهو يشير للمحقق على الشقوق في الحائط:"يتبدى لنا أنهم عبثوا بشيء ما هنا..ولم نعثر على سلاح الجريمة" ثم قال وقد بان الضجر على وجه المحقق:"سيفحص الطبيب الشرعي جثث القتلى وسيحدد أي سلاح أراق دمائهم..وأنا يظهر لي أنها شفرة صغيرة كرر الجاني هجومه بها ليؤذي الرجلين..إن خطوطها ليست غويطة وطعنتها ليست بذلك العمق. يعن لي أن أقول أنهما دخلا من النافذة فآثار الأقدام في الفناء الموحل تصرخ بذلك..". "سأستمع إلى تقريرك لاحقاً ،شكراً لك". قال المحقق قاطعاً استنتاج الرجل الذي بدأه للتو. راح المحقق يفحص المكان وفق منهجه الخاص وارتاح كثيراً حين ودعه رجال المختبر. كان من الطبيعي ألا يلقى الرجال شيئاً ليرفعوا البصمات من على سطحه ،إذ أن المكان خواء إلا من الجدار المتصدع الخرب. وقد فحصوا بعض بصمات مبعثرة لأنامل تنبش في الجدار وتستند إليه ،وقد أدرك المحقق أن فحص البصمات لن يجود بشيء ،لذا كان عليه أن يستحضر المشاعر التي كانت حاضرة الغرفة وقت حدوث الجريمة ،وكان رفاقه يسخرون من أسلوبه التأملي الحالم الذي لا يمكن أن يأتي بدليل مادي يحيل مجرماً إلى العدالة. غير أنه أكثر من مرة استطاع أن يودع سارقاً إلى السجن أو يسوق قاتلاً إلى حبل المشنقة باعتماده على عاطفته الحية.
لقد تحسس براحته شقوق الحائط الكبيرة وأدخل سبابته في ثقوبه الصغيرة ،وأغمض جفنيه مستسلماً للقصة الوهمية التي راحت ترويها مشاعره التي تسلمت معطيات القضية من أصابع كفه الخمسة. غير أن إحساسه المرهف لم يجد بشيء هذه المرة ،لقد أيقن في قرارة نفسه أن جريمة القتل في هذه الغرفة حدثت مجردة من أية مشاعر. فلا نظر القاتل إلى وجه ضحيته ،ولا المقتول نظر إلى عيني قاتله ،ولم تكن تتكون المشاعر التي يذرها الأفراد في موقع الجريمة ،إلا باتصال حواسهم المادية التي تصنع جواً من الحزن أو الفرح أو الغضب. إن المحقق دخل كل الحجرات في بيت الشيخ وانتهى إلى حجرة نومه والنافذة التي تسلل منها المجرمون ،وخرج من الباب الذي يحرسه رجاله الثلاثة ،فألقوا إليه تحية عسكرية طويلة ،وتمنوا له التوفيق.
كان يستقبل الكهل في غرفة صغيرة وقد حضر نفسه لتحقيق دقيق غير رفيق. قال للرجل الذي تهدلت أكتافه من الأسى:
- أين كنت وقت الجريمة؟ لقد قدرت بالثامنة من ليلة أمس الأول.
- لقد كنت في بيتي ،وإلى جواري زوجتي فقط..أحسب أنكم لن تأخذوا بشهادتها.
- حسن..وممن علمت بحدوث الجريمة؟
- من رجالكم ،لقد أخبروني أني أحد المشتبه بهم وطلبوا مني أن أصحبهم.
- أنت متأكد أنك لم تتلق اتصالاً من أحدهم..أو رسالة على بريدك الإلكتروني؟
- لم يحدث ،ويمكنكم أن تراجعوا ذلك..فأنتم تراقبون كل شيء.
- أنا لم أعن خطاباً يخبرك بالواقعة ،إنما محادثة من شخص قد انقطع عنك منذ أمد ،أو شخص لا يتصل كثيراً.
- لم يحدث.
- شكراً لك..أرجو أن تسمح لنا بمقابلة مع زوجتك على انفراد.
- لكم ذلك. ثم أدبر بجسده المترنح ذات اليمين والشمال ،وأقبلت زوجته عابسة المحيا. سألها المحقق بلطف محاولاً أن يشتت الخطوط الصغيرة بين حاجبيها الدقيقين. قال:
- لقد كنت مع زوجك في الثامنة من تلك الليلة ,هل هذا صحيح؟
- ليس من عادتي أن أنظر للساعة إن لم يكن لدي موعد.
- إذن..دعيني استفسر عما كنت تصنعين في ذلك اليوم.
- لقد كنت أقبّل زوجي.
- عفواً أنا لا أقصد هذا ،إني....
- لقد كنت أطهو الطعام..كيف لي أن أذكر كل شيء! لقد أخبرتك بالأعمال التي آتي بها كل يوم..نعم..إني أقبله قبل خروجه إلى العمل..وأقدم له الطعام عند عودته إلى المنزل.
- إنني ممتن لك ،هل كنت تعلمين أين يولي زوجك في الصباح؟
- لم يخبرني..لكن مشرفه في العمل اتصل أكثر من مرة يسألني عن غيابه..أيها السائل اللحوح هل تعلم أين كان يذهب؟..لقد كان يأتيني بعلم غريب..وأحسب أنه يخفي به عبثه مع بعض النساء..
- ولكن ،ألا ترين أن وقت البكور غير مناسب لهذه النشاطات؟
- إنه يسلو بهذا عن ذكرى وفاة ابنه الوحيد ،إنه يحبني ،ولا يريد تركي وحيدة في الليل ،و لربما وجد إحداهن تفتح أبوابها في هذا الوقت.
- لقد قلت أنه يحبك ،فهل يعقل أن يخون المحب حبيبته!
وسيطر على المرأة ضحك هستيري صاخب ،وأجابت وهي تقهقه ساخرة:
- أيها اللحوح لا تتصنع اللطف ،كلكم هكذا ،معشر الرجال ،لا تنظرون لامرأة واحدة.
- يمكنك أن تغادري..إني آسف..لقد أطلت عليك. ونهض من مقعدة وشرب كأس الماء أمامه دفعة واحدة ،وقال لمن عنده من الرجال:"أسوأ شيء أن تحقق مع زوجة غيورة ،أو رجل كبير عاشق". ودخل المتهم الثاني وجلس ،ووضع المحقق كأس الماء ونظر في وجه الصبي البليد أمامه مطولاً ثم بدأ الحديث:
- ما اسمك أيها الشاب؟ وهل تتمنى رؤية الشيخ؟
- سعيد..وأنا سأسعد برؤية سيدي.
- كيف قابلت الشيخ؟ وكيف دعاك إلى داره؟
- لقد كنت أشتري دمية لأختي الصغيرة ذات نهار ،ورآها الشيخ بين يدي ،فسألني ماذا أحمل ،فقلت له إنها دمية بهيئة طير صغير ،فقال متحسراً"إنما أضل أقواما قبلكم تماثيل نصبها آبائهم ليبقى ذكرهم ،فاتخذها أبناؤهم آلهة يعبدونها من بعدهم". فأجبته بالنفي ،فدعاني لمنزله لأعلم أكثر ،أن أعلم عنه ،إلهي الذي فطرني ،ومنحني الحياة.
- جيد ،أخبرني هل تؤمن بإله الشيخ؟ هل تراه موجوداً؟
- إني مؤمن به. ويعتري قلبي ضعف الإيمان من حين لآخر. إن شيخي على دراية بعلل القلوب ولقد بشرني دائماً أن ربي سيثبت وجوده في قلبي.
- أنت تذهب للمدرسة وتلتقي بأولاد آخرين ،هل تنوي دعوتهم إلى معتقدك؟
أطرق الفتى برأسه مفكراً ،ثم أجاب بحذر:"أريد ذلك ،ولكن بعد عهدي لديكم فإني لا أقوى على نقضه".
دخل الصبي الثاني ،ورقمه الثالث بين المتهمين ،كان هادئاً لا يبدو على وجهه أي تعبير. أجاب المفتش باسمه وكيف التقى بالشيخ:
- لقد ساعدت الشيخ في حمل متاعه إلى داره ،فشكرني وقبض على كفي وسألني"هل تريد أجراً على هذا العمل؟" فأجبته بالنفي ،فقال لي:"ما لذي يجعلك تقدم المساعدة للناس دون أن تكسب مقابلها شيئاً؟" ،فلم أتفوه بشيء ،وأجاب على سؤاله بنفسه بسرعة:"ألا أدلك على أحد يجزيك ثواب عملك..إنه ما تعمل مثقال حبة من خير أو شر إلا ويسجله في صحيفة عنده ،معرفة باسمك (غسان) ،محفوظة في حفظه ،لا يضل ربي ولا ينسى" "إني أدعوك إليه ،فهل ستجيبني؟" فكنت طالباً في حلقته التي ينشأها كل صباح.
ودخل الصبي الثالث وكان فارع الطول ،يلقي نظرات على كل شيء بطريقة حذر حيوانية. قال له المحقق بلطف وكان لاحظ جلسته الوجلة وأنفاسه المتوترة:
- ماذا أحببت في الشيخ؟ وهل ستنشر ما جاء به؟
- إني شغوف بالخوارق يا سيدي..وتشتاق أذنيّ إلى سماع لغة كتابه الفخمة.
- إذن أنت تراه كاهناً..ولا تؤمن بربه؟
- تستطيع أن تقول ذلك..إني غير جدير بمعرفة من خلف الكون والحياة..أحب شعور الغموض فقط.
- كم تبلغ من العمر أيها الشاب؟
- إني جاوزت الخامسة عشر..قبل يومين يا سيدي.
- هل ترغب بمتابعة غموض هذه القضية؟
- لا يا سيدي..لأنها ليست غامضة..فأنا أعرف القاتل.
- أنت تشك بأحدهم..ما اسمه أيها الشاب؟
- إنه الفتى الذي يلزم الشيخ ولا يفارقه أبداً ،إن بينهما من الود الشيء الكثير ،والفتى يحب الشيخ بطريقة مريبة. إنه إلياس.
- ماذا تعني بمريبة؟.
- أعني أن إلياس لا يحب الشيخ ،ولكن يريد شيئاً كامناً في داخله.
- شكرا لتجاوبك ،يمكنك أن تنصرف.
خط المفتش في مفكرته بعض الملاحظات ،وكان يحط يراعه جانباً حين دخل عليه المتهم قبل الأخير. سأله كيف التقى بالشيخ فأجاب بأنه لم يلتق به ولكن أحداً قدمه إليه.
- لقد سألت غسان عما يفعله صباح أيام العطلة فأخبرني عن شيخه ودعاني إليه ،ولم أحضر يا سيدي غير المجلس الأخير الذي قبض بعده على الشيخ.
- أراغب أنت بسماع علم الكتاب الذي يحمله الشيخ؟
- نعم يا سيدي ،فلم أكتف بمعرفة الثقلين وممن خلقوا ،أريد أن أعلم لأي شيء لا نرى الجن؟ وما هو النور الذي خلق منه الملائكة؟ إني أريد أن أرحل للجنة ،وأنا لا أريد أن أذوق شجرة الزقوم ،لدي مسائل كثيرة لن يجيب عنها غير شيخي الجليل.
- سأبدد حيرتك ،نحن لا نرى الجن ولا الملائكة لأنه لا وجود لهم ،وما أخبرك به الشيخ كذب وافتراء. دعني أرشدك إلى الوضوح ،إن الرجل المسن فقد اجتماع الناس حوله في عمره هذا ،فابتكر حيلة يجمعهم فيها إليه. وما كتابه وما حديثه إليكم إلا ليجذبكم إليه.
- أنت مخطئ يا سيدي ،إن الشيخ رجل صادق.
- قد أسرني ببعض الكلام ،مثلك تماما ،وكاد يخطفني بريق عينيه ونبل خلقه. أشكر لك تعاونك ،ولا تنس عهدك لدينا أن لا تعود لمثل ما قلت وفعلت.
- لقد سمعت أن شخصين كانا في منزل الشيخ ليلة الجريمة ،تمنيت أن أدلي بأقوال تساعدكم. إني حديث معرفة بالشيخ وليس باستطاعتي الشك بأي أحد.
- سؤال أخير أيها الشاب الطيب ،كم تبلغ من العمر؟
- إنه في الوثيقة أمامك يا سيدي ،إني عشت أربعة عشر سنة من الجهل.
سأل أحد الضباط المحقق بتردد لما أن غادر المتهم فقال:"أنت لم تسأل أحداً غير الرجل وزوجته عن حجة الغياب ،هل لديك خطة ما يا سيدي؟" أجاب المحقق بعدما أخذ رشفة من كوب الشاي الذي وضعه رجل قبيل لحظة:"لا أحب أن أكون رجلاً فضولياً ،إني لا أسأل إلا من أعرف بتلوث يده في الجريمة". وأقبل المتهم الأخير الذي أرجأه المحقق بإرادته المطلقة ،كرر النظر إلى وجهه الجميل ،وأرسل نظرات تحد نحو مقلتيه رداً على نظرات مثلها أصابه بها الصبي. وأفصح فقال:
- لقد التقينا من قبل ،وأحسب أنك مسرور با للقيا مرة ثانية.
- ..............................................
- من كان معك في منزل الشيخ ؟ وهل ساعدك في التخلص من حرسي؟
- لم أكن هناك.
وهم أحد الضباط المرافقين للمحقق أن ينطق منبهاً ،بيد أنه أعرض وراح ينظر إلى معركته الحامية. وعلا صوت المحقق وهو يقول:
- لقد قتلتهم لأنهم رأوك ،أين أخفيت الشيء الذي سرقته؟
نظر الصبي بغضب إلى المحقق ،وشعر المحقق بلظى نظرته يكوي كل جزء في بدنه.
- أسمع ،أنت القاتل دون شك. لقد جعلتك حبيس المنزل يوم أمس لأني لم أرد أن تهرب. إن هذه قضيتي الأولى التي أحكم على أحدهم خلالها دون الرجوع إلى أدلة مادية ،ليقيني التام أنك القاتل. ليس لدي أسئلة أخرى ،سأنتظر نتائج البصمات وسأدخلك إصلاحية المراهقين قريباً. نهض الفتى وخرج ولم ينبس ببنت شفة. وأعرض المحقق عن استجواب أمه وأولياء أمور الأولاد الآخرين ،وآب إلى مكتبه وراجع أعماله الرتيبة.
لقد تصفح بعض عشرات من ملفات قضايا القتل التي تسلمها منذ سنتين ،كان الجناة فيها أطفالاً لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من أعمارهم. كان يشعر بقليل من التعاطف معهم ،ولكنه يريد قتل المتهم الصغير هذه المرة ،وهو قد جعله نداً خطيراً يتهدده ،رغم فارق السنوات والخبرة بينه وبينه. وبينما أخذ فكره في التأمل إذ بشرطي مبتدئ يقترب إليه ،وقبل أن يعلن عن بغيته بادره المحقق فقال:"إني آتٍ ،شكراً لك". ثم شد قوامه وعدل من هندامه ،واصطحب مفكرته معه. كانت الممرضة تتحين وصوله بهدوء ،وكان رجلان ينظران إليها ويتناجيان ثم يتبسمان ،كان أحدهما يخبر الآخر عن ميل المحقق لهذه الفتاة الصغيرة ،وأخبره صاحبه أنه استمع لحديث بينهما ذات مرة ،وأن الفتاة كادت للضابط ورحب صدره بكيدها. وحين أطل المحقق بقامته المربوعة أمام الباب ،حياه كل منهما بطريقة الشرطة ،وتلهفا للحوار الفريد الذي سيجري الآن أمام ناظريهما مباشرة. قال المحقق بلطف متكلف وهو يستقر على كرسيه مقابل الفتاة:
- أرجو أن لا نكون أثقلنا عليك بالحضور..بعد ساعات العمل المضني.
- لا يا سيدي..أنا التي أقدر لكم إقامة التحقيق في وقت يناسبني.
فابتسم بخبث وسألها:
- هل نلت حاجتك من الشيخ؟
- لم يتسن لي ذلك ،شكراً لاهتمامك.
فاتسعت ابتسامته وهو يقول:
- وهل ستطلبين مني زيارته مرة ثانية؟
- ربما.
قال وهو يرخي رباط عنقه ببعض الصرامة:
- تعلمين طبعاً عن القارعة التي حلت في نزل الشيخ ،أين كنت في ذلك الوقت؟
- إني على بينة منها ،لقد كنت خارجاً في ذلك الوقت.
- هل لديك شهود؟
- لا أعتقد قبول شهادتهم لديكم.
- هل الشاهد صديق..أو حبيب؟
- شيء من هذا.
- حسن ،إني أشك بتورط يديك في هذه القتلة ،فماذا تقولين؟
- لن أنكر هذا.
- إذن أنت تعترفين؟ّ!
- قلت بأني لا أنكر لكن هذا لا يعني مطلقاً أني أصرح بذلك. إن الحكم يستند على أدلتكم التي تجدون.
- كيف كانت علاقتك بالشيخ؟
- تماماً كعلاقتي بك.
- إني لا أعرفك.
- كذلك كان لي الشيخ.
- هل تشوهين الحقائق.
- لا يكذب سوى الجبناء ،ولا أعد نفسي فرداً منهم.
- والصفحة من ذلك الكتاب؟
- لقد أذهلني ما جاء فيها ،فأنشأت علاقة معها وليس مع الشيخ.
- مازلت تنكرين!
- لقد سلبتونا إياه قبل أن نشرع في عقد صداقة معه.
نظر المحقق في وجهها كثيراً ثم أزجى ضحكة قصيرة:"إن التحقيق معك ممتع للغاية ،ولو أومأ وقتك إلي لاستنفدته كله". ثم تخلص من أثر ضحكته المنفعلة قبل قليل فتنهد بقوة وشكرها وشكرته. صاح الشرطي الصغير الذي كان ينبه المحقق لساعته مع الفتاة وهو يهرول صوبهم:" قفوها..إن الفحص كان إيجابياً..قفوها إنها المسؤولة..". تضايق المحقق من صخب الشرطي فهب إليه وأبلغه أنه مخطئ وأن الأمر لا يتم بهذا الأسلوب ،وحانت منه التفاتة إلى حيث غرفة الاستجواب فوجد الفتاة قائمة ترقبهم بشيء من توتر ،فخاطبها قائلاً:"هل تريدين أن نتحدث الآن؟ أم أهبك ليلة تودعين خلالها منزلك؟". قالت بابتسامة ترتعد بوضوح:"أصنع ما شئت يا سيدي". "أذهبي ،قد آتي لاصطحابك في الغد".قال لها ثم نظر إلى جسدها المنتفض وهو يخطو خارجاً وقال للشرطي الذي سقط فكه من صدمة الموقف:"أما تلاحظ ساعة راحتي أقبلت! أذهب وتمدد في سريرك أيضاً!".
نظر المحقق في هاتفه النقال للحظة ثم حطه في جيب سترته ،وتوقف عند بيت يعرفه. فتحت له الباب المرأة الأم وسألته بخوف عن سبب مجيئه. قال لها وهو يتباطأ في سيره إلى المكان حيث دعته:"ليس وراء زيارتي فأل سيء ،لقد مررت بمنزلك بعد العمل ،فخطر لي أن أشد من عضدك بعد الذي حصل". أطرقت برأسها وشكرته بحذر ،وعلم..ما في شكرها من روح ،وأقر بثقل حضوره على نفسها ،وتحدث بعد فترة من الصمت فقال:"ما يفعل إلياس؟". أجابت بنفاد طاقة:"إنه يدرس في غرفته". رد عليها بفعل هذه المرة ،وكان أبصر دمعة تومئ بالنزول من جفنها الأدنى ،فنهض وقعد جانبها وأقر يده على كتفها ،فلم ترد بشيء. وهمس إليها قائلاً:"أريدك أم إلياس..لنفسي..خالصة لي من دون الرجال". لم تعطه إشارة بالإيجاب أو الرفض فتابع حديثه بنفس الصوت الهامس:"أراهن أنك تفكرين بابنك..هذه اللحظة..سأنقذه من سنوات السجن ،إن أكرمتني بسنوات الهيام". حركت رقبتها ونظرت ليده على كتفها ولم تجترئ أن ترفع عينها إلى وجهه القريب ،وأرادت الحديث ،لكن ذراعاً قوية جذبتها من يدها وصوت ثائر قال:"ابتعد عن أمي أيها السافل ،أخرج ولا تقربن هذا المكان ثانية". تحرك الضابط إلى الباب وما يفتأ يتابع عيونها الناظرة إليه ،قال بحزم:"استمعي إلي ،إن شئت فاتخذيني خليلاً وإن شئت لا تفعلي ،لن أعلق ابنك في عذاب لم تجنه يده ،إني لست واطياً حتى أفعل هذا". وقال قبل أن يغلق الباب:"سينجو ابنك لأنه قاصر ،وستنجو حينها روحك التي أحببت". نزل الدرجتين المنخفضتين عند الباب بتثاقل ،وكان يستخف بهما قبلاً ,وخطرت على قلبه صورة الصبي وهو يشد أمه من خصرها إلى جسده الذي يبلغ نصف قامتها ،وتعجب ما لوجهه من هيمنة ،إن له قلب أسد ،وعيني ثعلب ،وريش طير.
إن الشمس أشرقت على المدينة كالمعتاد ،وكان لها أناس منتظرون ومعادون كالمعتاد أيضاً ،فلم تكسف لحزن حزين ،ولم تزد من نورها لتوافي حفلة سعيد."إن الشمس كائن عادل". قال أحد الحراس لزميله وهو يتثاءب في كسل. أجابه الشيخ قائلاً:"وخالقها أعدل منها ،وهو من ألهمها ألا تبغي على أحد". التفت الحارس إلى الشيخ وتمنى أن يسمع المزيد لكنه استنكف وصد عنه. ولحق بهم موكب من الشرطة أُبلغ بوجود الشيخ في ساحة راحة المرضى ،فأوقفهم. حيا الرجال بعضهم بطريقتهم ،وأمر كبير فيهم أن يجهز الشيخ للذهاب إلى المحكمة. وتم لهم ما أرادوا وتحدث الشيخ جاهراً بصوته في المحكمة:"أقسم بربي الذي خلقني ،وإليه مردي أن العلم بين يدي وأن الحق ما تنظرون إليه أنه الباطل". وأذن القاضي للصبي الذي استأذنه الحديث فقال ساخراً:"وكيف تأخذون بكلام شيخي العاقل وأنتم صنفتموه ضمن من فقد لبه؟!". وارتبك القاضي في مقعده المشرف على المتهمَين ،وتنحنح فتحدث المدعي بنبرة وثوق:"إنا لن نأخذ ما يقوله في الحسبان ،فقط أحضرناه ليراه القاضي". ولم يقتنع إلياس بالتبرير الواهي ومط شفتيه في تكذيب. وأومأ القاضي للممرضة أن تدافع عن نفسها فتحدثت بصوت هادئ مستقر:"إن الدليل في أيديهم يا سيدي ،لقد كنت هناك لكني لم أقتل أحداً". وعاجلها القاضي بالسؤال فقال:"فمن قتل الرجلين؟ ولماذا لم تخبري الشرطة باسمه؟".قالت بكبرياء:
- لأني لا أريد.
- أليس الصبي بجانبك؟
فتدخل جالس في القاعة قائلاً:"أجزم أنه هو يا سيدي...".فقاطعه القاضي صائحاً:"ومن أذن لك أنت بالحديث؟ إني أسأل المتهمة".
- أعذرني ،لن أخبرك يا سيادة القاضي.
- وهنا توقف القاضي عن الكلام ،ومضت فترة قبل أن يتلو أحدهم حكم القاضي:
"تسجن المرأة حتى تعترف بالفاعل ،ويطلق صراح الصبي لحين إشعار آخر.
يتم فحص الرجل المسن في المستشفى ،ويحال إلى المحاكمة إن كان صحيح العقل ،أو يعاد إلى المصحة النفسية إن ثبت العكس.
يحدد تاريخ اليوم بعد سنة لجلسة آخيرة يحكم فيها بالإعدام على المرأة إن لم تعترف بقاتل الرجلين.
رفعت الجلسة."
لقد تم الأمر ،وتفرق الجمع ،وولوا الدبر ،وسمع بكاء نساء وأطفال كانت اعتنت بهم الممرضة ،وصد جنود القاعة هجوماً من بعض المرضى الذكور ،وتم توقيف بعضهم ،وخرج الصبي حراً يقبض على كف أمه ،ولم يبادل الممرضة بأية نظرة. وأقبل رجلان فأعدا الأغلال بين يديهما ،ولم تتراجع الممرضة إلى الوراء وشدت جسدها في اعتداد ،وصفق لها أتباعها من البعيد ،واستوقف المحقق الرجلين لحظة وسأل المرأة الممرضة:"هل تصافحيني؟". فمدت يدها إليه ،وقبض عليها بشدة ونظر إلى حدقتيها الصغيرتين فقال:"إنني صديق لك برغم كل ما حصل". أجابته وهي تبتسم :"إنك كذلك". ثم ألقى الرجال سلاسلهم في رسغيها الصغيرين وقادوها إلى خارج القاعة. قال المحقق لضابط مر إلى جواره:"إن الجوارب لتخفي كثيراً من ملامح القدمين ،ليت الصبي خلعها ذلك اليوم". سأله صديقه في حيرة:"أما زلت مصراً أن الصبي هو القاتل؟". "نعم ،إنه مجرم حمته جواربه!". قال الضابط بخيبة أمل.
لقد غادر المحقق إلى قضية أخرى لن يلقى فيها الصبي الخبيث ولا أمه الطيبة ولا الممرضة المشاكسة ،وسيترك ملف القضية معلقاً حتى تعترف الممرضة بعد أن تيأس من عذاب السجن. سار الرجال بها إلى المدير الذي رحب بها هاتفاً:"مازلت جميلة كما عهدتك" أجابته بمرح أكثر:"وأنت ظلت أسمراً على ما أرى". وثق المدير بعض الأوراق ،واستأذن رجل ضخم بالدخول. أذن له المدير ،وما كاد يبصر المرأة إلا وقال بظفر:"ألم تنسني ! لسوء الحظ سأصحبك إلى السجن". أجابته وهي توجه نظرات جريئة إلى وجهه العالي:"كلا لم أنسك ،أنت من علمتني أن الضباط رجال حقيرون!". وتبسم المدير من قولها ،وصر الضخم على أسنانه يريد أن يبرحها ضرباً ،ونصحها المدير قبل أن تغادر ،أن لا تتحمل العذاب في السجن وأن تعترف بالجاني ،فأجابته في صوت مهيب اقشعر له جلده:"سأتحمل العذاب ،حتى يشع الكون نوراً على يد غلام صغير". ثم ولت برفقة جلاديها الثلاثة.

إلى الفصل السادس بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس