عرض مشاركة واحدة
قديم 03-12-2011, 09:48 PM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

الفصل الحادي عشر
سار المحقق في الجادة التي يحفظها عن ظهر قلب وأشار مساعده إلى مجمع سكني قريب ،فابتسم قائلاً:"أعرف المكان أيها الرفيق ،قد أتيته مراراً فاسترح في مقعدك ولا تتكلم". وغاص الرجل في مكانه بحرج إذ هزأ به رجل غير هين في ذكر رجال الشرطة ،ونظر إلى سحنته التي بينتها شمس الصباح الجالسة في شيء من الفضول. ولكن المحقق لم يتركه لإكمال متعته فستر عينيه بنظارته السوداء وقال منزعجاً:"هل تعتقد يا ضياء أن الشمس أنثى؟ إنها تجذبك بجلوسها الهادئ بعد الفجر وتصدك إن أنت اقتربت منها في وقت الظهيرة". وتحرى المساعد الحذر في إجابته وعرف أن رئيسه لابد يختبر فطنته بطريقة غير مباشرة ،وتجلى له بعد حديث المحقق الأخير أن الرجل أتاه شاكياً لا ممتحناً فقد صرح بقول عجيب:"كل رجل لطيف ،وكل امرأة تسوقه إلى وحشيته". وضغط مكابح السيارة فجأة فتوقفا أمام منزل صغير. واستبقا الباب فطرقه المحقق عوضاً عن الجرس. وأجابته امرأة من البعيد وفتحته بعد أن جلس على عتبته بعض الوقت. وعرفت فيه وجه الملاحِق فرجعت ببعض الخيبة وأظهرتها واضحة في هيئتها المنكسرة بثوب طويل. جلس المحقق في غرفة المعيشة التي أتاها ذات أصيل بعيد واستمر مرافقه واقفاً يتبصر في السقف وجدران المكان الفاتحة. وأراد المحقق الحديث لكنه لمح صورة كبيرة للشقي الذي طرده من البيت فانزعج وتوتر ،ووجد نفسه يقف ويقول واضعاً كفه على إطارها السميك:"ندرك عظم مصيبتك أيتها الأم ،ولكنا مكرهون للتفتيش في أثر ابنك راجين الحظوة ببعض الإجابة" ثم أراها مذكرة التفتيش فقالت بصوتها الضعيف:"غرفة ابني بهذا الاتجاه". وتبع الرجلان جسدها الذي يترنح من الهم أمامهم ولاحظ المحقق أرض البيت التي علاها الغبار وكانت تلمع من قبل بشدة. وأصابه شيء من الحماسة الطفولية لرؤية متاع حجرة الولد الصغير وفضول عجيب. ودخل ،ودخل رفيقه وانتظرت المرأة بالباب ناظرة إليهما بغير ما اهتمام. قلب المحقق كتباً مدرسية مرتبة على المكتب وأقلاماً بعثرها بيديه ،ثم اطلع إلى خزانة الثياب وأدخل كفه في بعض أدغالها وبسط أنسجة مطوية ونفضها بقوة. وأطل مساعده تحت السرير ورفع مرتبته فوجد صورة لطفل رضيع. وتساءل الرجلان وهما يرقبان الأشخاص الثلاثة ،فقالت المرأة"إنه إلياس ووالده ،وأنا قبل سنين مضت". فسأل مرافق المحقق المرأة بصوت جاد:"هل أخفاها هنا متعمداً أم كنت تعلمين بذلك؟" فأجاب المحقق بغير حرص وهو يفحص النافذة:"الأطفال دائماً يفعلون هذا". وتلمس الرجلان ألواح الأرضية فلم يجدا متحركاً أو ناتئاً ،واستفسرا عن قطع الأثاث إن كانت نقلت أو غيرت ،فردت الأم أن القطع لم تتحرك خلال خمس سنوات مضت. واكتفى الباحثان من الشك فرحلا من الغرفة بعد أن أخذا جهاز الكمبيوتر للولد وعدداً من الأقراص الممغنطة وقال المحقق للمرأة:"نحتاج أن يفحصه الخبراء عندنا ،استئذنك في أخذه" ثم سألها بسرعة:
- ألم يتصل بك أحد خلال غياب ابنك؟ رجل يعمل في الجيش مثلاً؟
- لا يا سيدي...انتظر...أحدهم قدم لسؤالي عنه بعد ذهابه بيوم..
- ما اسم ذلك الرجل؟
- لم يخبرني ،لكنه أجابني أنه شرطي.
فنظر المحقق إلى وجهها الذي عاد إليه النور ثم إلى سطوع الشمس المتمايل على الجدار ،فقال بصوت خفيض:"أنتما متشابهتان". وأطلق تفكيره عميقاً وهو يرمق الرجل المساعد بنظره حين كان يخط ملاحظاته بحرص في مفكرة يحملها في راحته. ثم وجه حديثه للمرأة فقال وهو يعدل ياقته ويتقدم في كرسيه استعداداً للنهوض:"إن البحث ما زال جارياً في أثر ابنك ،وأرسل الرجال إلى البحر كمكان أخير. لا تقلقي أيتها الأم أعرف كثيراً من الصبية يرحلون إليه" "وأما زائرك إذ لم يرسل المركز برجل إليك في ذلك اليوم فسوف نحصر وجوه المشتبه بهم ثم نطلعك عليها..أتعرفينه إن رأيتيه؟" أجابت بسرعة:"من غير شك يا سيدي ،وجه الرجل عميق الوديان رفيع هضابها على رأسه كتلة من شعر أحمر كأنه علم في رأسه نار". وترك الرجلان الدار وردا إلى مركز الشرطة. وتحدث المحقق إلى رفيقه في بهو المبنى المليء بالمراجعين فقال وصوت حذائه على الأرضية الملمعة ينافس صوت حنجرته العالي:"لدي زيارة في المساء ،سأتركك مع البصمات وصور الرجال" "سألتقيك في مثل هذا الوقت من صباح الغد". وأومأ الرجلان لبعضهما ،وافترقا ولكل منهما جهة هو موليها. ووصل المحقق إلى موعده مع المدير فدخل مكتبه بعد أن نظرت إليه امرأة شقراء طويلة تجلس إلى شاشة في ركن قريب الباب. ورحب المدير الأسمر بالمحقق وسحب له كرسياً فجلس ،وارتاح الرجل أمامه وقدم له الشاي. تحدث المحقق قبل أن يأذن له المدير فقال بصوت محبط:"تبدو القضية أعقد من تصورنا عنها ،يشترك في الدم كثيرون" "وليست رغبتي في الحضور هنا لإطلاعك على نتائجها ،ولكني أتيتك أطلبك أن تجد غيري يلخصها لك". فتغير وجه المدير وحرك شفتيه يريد الحديث غير أنه أطبقهما وحرك ملعقته في كوبٍ سكره ذائب. ومرت بالرجلين فترة من السكون الكئيب فأعاد المحقق سؤله مجدداً:"أيها المدير ،كنتُ أغلقت القضية ورفعت يدي عنها وما أعادني إليها إلا هروب المسن مع زمرة من أهل المدينة الذين آمنوا بربه. أيها المدير هل هي قضية قتل؟ أم هروب مشتبه لطفل صغير؟ أم تآلف من أهل هذه المدينة على إقامة معتقد يقلب النظام ويبعد الأمن؟ إن المجموعة التي اتخذت من دار الشيخ مكاناً قصياً لم تكن العاصية وحدها ،فثمة عشرات المجموعات التي شقت عصا الطاعة" "وبرغم وضوح الحوادث بين يدي ،فإني لا أحب أن أطارد الطير في الظلام ،وأبلغك أن يومي هذا هو الأخير لي تحت إمرتك في هذه القضية أو أستقيل من عملي بين ظهرانيكم" فغضب المدير واحمر وجهه كدأبه بشدة ،واسترقت المرأة النظر إليه ولزائره في تحفز. وقال المدير وعينه لا تنظر لمحدثه طوال حديثه:"هل تعني أن الجهد عليك ثقيل؟ أم أنك أدركت مثلي عراقيل هذه القضية؟ أيها الرجل الرشيد لقد مررنا هذه القضية برتابة كأختها وأختها ،ولكنا أدركنا الآن أنها معضلة حقيقية ترتفع عن قدرة هذا الجهاز وجنده من الرجال. يلزم أن يبرز العلماء ويناظرون حكمة الرجل المعمر ،وأن يستأمن الذين آمنوا في أموالهم وأنفسهم وحتى يظهر الحق تبقى السيوف منكسة في أغمادها" ثم قال وهو يرخي صوته:"بعيداً عن هذا المكان ،أخبرني أيها المحقق برأيك في علم الشيخ" رد المحقق بسرعة:"إنما نحن طاقات لها مدى معين ،تحول بعده إلى الركود ولن يسألنا عما جرحنا أحد" وقبل أن يخرج عجل له المدير الخطاب فقال:"اتفقنا إذن..إن علاء مشغول حالياً لكني سألحقه بك فور فراغه". وابتعد المحقق يجر خطاه بإحباط وودعته المرأة بنظراتها الطويلة. ووافه لدى الباب رجل ذو رتبة دانية شديد الأدب قدم له فتاة قصيرة ترتدي ملابس أنيقة. قال:"هذه الفتاة من صحيفة الأخبار سألتني أن أرشدها لك" فتأمل المحقق في وجهها الذي يلقي ابتسامة مرحبة إليه بنظرات واصبة ووضع كفه على رأسه ثم قال:"لابد استلمتِ إذنا في التحقيق معنا" وقال بانزعاج وهو يمط لهجته:"يا للمفارقة العجيبة نُستجوب الآن ومن قبل كنا نستجوِب" فأجابت الفتاة بتهذيب:"لا يا سيدي ،نحن لا نستجوب أحداً ،نحن نريد أن نجعل القارئ على علم بمجريات عالمه ،ولكن لا نجبر لذلك أي شخص" فرد المحقق بنفس اللهجة المنزعجة:"تملكين لساناً يُزلق بعسله. قد أصاب من وظفك هناك" فشكرته وهي تنحني له ،وحياها في مكتبه بفتور ومن قبل كان يتلهف لهذه اللقاءات ويتمعن في وجه مخاطبته بنفس الشغف الذي يخالجه حين يعزم أن يلتهم فطيرة اللحم التي يحبها. وأحست الفتاة نفوره منها فحزنت أن كانت مصدر إزعاج له وختمت لقاءها بسرعة ،وشكرته بانحناءة أطول من سابقتها ورحلت وهي لم تكتب كلمة ،أو عبارة واحدة مجدية.
وأقر المحقق أن سبب ثورته وجنوحه كان الأسى الذي بعثه مشهد وجه حبيبته المظلم ،وعجزه عن إيتاء الفعل الذي يعيد له حبوره. وليس الضيق الذي وجده في نفسه بعد أن خرج من عندها ،ببعيد ،حين سمع ملعقتها تطرق فنجان الزجاج ،وحدها تتحرك وكل شيء وحيد ساكن من حولها. ونظر المحقق إلى أوراق القضية واستخرج من بينها صوراً لرجل في منتصف العمر ،لازم الشيخ مع الفتية قبل القبض عليه والآن هو مفقود لم يترك رسالة لزوجته. وشد نظارة القراءة أمام عينيه ودقق في هيئة الرجل البلهاء ،وذكر المحقق زوجة الرجل ،عرف فيها امرأة غيورة ضعيفة العقل لم يكتمل جبران قلبها بُعيد فقدها ابنها الوحيد ،حتى فتته الزوج تارة أخرى. وإنها تجد ما يهدئ(1) صرخاتها في الليل فتنام ،ولا مطَمئن لنواحها آخره وأطراف النهار. تلك الأم ضبطت نفسها حين فقد الولد جزعت حين فقد والده ،ولا يجتمع في المرأة صبران. ثم اطلع إلى ملف منفصل أعده مساعده قبل أيام ،وبقي له القليل ليكتمل ،رجل مجهول هجم في الصباح على منزل الطبيب الذي قرر دخول الشيخ مصحة نفسية ،فأجبره أن يعدله. مواصفات المهاجم التي جاء بها الطبيب تتوافق مع جندي موقوف سابقاً تأكد أنه تابع للشيخ. نهض المحقق ومغط ذراعيه بإرهاق وأغلق شاشته على المكتب فخلت الغرفة الصغيرة من النور الذي كان فيها إذ أدبر قرص الشمس ورحل. ورحل المحقق إلى عمله في التحقيق مع جند يستيقظون في جنح الليل. قارب موقف سيارته الجيب فأومضت أضوائها بضغطة زر على الشيء في يده ،ثم ثوى فيها وأشعل المحرك وغادر صخب الأحرار وضجيجهم.
كانت أعمدة الإنارة في حصن السجن وطرقه كثيرة ولاحظ المفتش آلات التصوير التي تراقبه زادت عن أول مرة أتى بها المكان. توجه إلى مكتب المدير في مبنى الإدارة الكبير ،ففتح الباب أمامه تلقائياً وألفى أمام ناظره مصعداً ينتظر. وعلا به المصعد طوابقاً سبعة ثم فتح بابه في الطابق الثامن. خطا المحقق بحسب لوحة إرشادية سبيل المدير ولاحظ المكاتب عن جانبيه شاغرة تعوي بها الريح. وبعكس الفناء الواضح بالنور كانت الأروقة غارقة في الظلام وكل منعطف يضيئه ضوء صغير ،ورائحة السجائر تملأ المكان. وقرب من الباب المطلوب فأصغى سمعه إلى الرجل المدير وامرأة خلفه يتضاحكان ويتمتمان بكلام ليس يتضح من خلف الحجاب الخشبي العريض. ضغط مفتاحاً إلى شق الباب الأيسر ،فرن جرس هادئ سكتا به فجأة عن ما كانا يفعلان ،وخرجت المرأة وهي ترفع جيب قميصها. ودخل المحقق فحياه المدير بحرارة وقال:"كنت انتظر قدومك أيها المحقق ،تفضل سيجارة"
- شكراً لك ،لا أدخن.
فأشعل المدير سيجارة بقداحته ونفث دخانها في غير جهة جلوس المحقق ،ثم قال:"سأتحدث عن الذي أتيت تريده مباشرة" ثم أخرج صوراً ورقية من مظروف كبير لوجه رجل من جميع الجهات ،فقال:"هذا ضالتك الذي تريد ،هذا رجلك الذي تبحث عنه" كان المحقق يطالع الصورة باهتمام ،فقال المدير:"اسمه هادي ،جندي خدم عندنا بشكل جيد لأربع سنوات. تجد بين الأوراق معك تقرير عن خدمته في السنة الأخيرة" "لقد أوقفته لاشتباهنا بتورطه في تدبير هروب الشيخ مع ثلاثة من رجالنا ،وأشارت العيون والأسماع إليه دون غيره فحبسناه. أما الثلاثة الآخرون وهم هؤلاء هنا(وحط إصبعه على صورة تجمعهم في شاشة مكتبه) فقد سرحناهم من الجيش وتم الختم على سيرهم من قبل مكتب الحكومة أن يرفضوا في كل الوظائف التابعة لها. لقد مررناها بالشكل الطبيعي تماماً"
- أولئك الثلاثة ألم تحققوا معهم بشأن علاقتهم بالشيخ؟
- ليست الدلائل تشير إلى اشتراكهم في المعارك التي قضاها الجيش على الحدود. ولقد أخبرتنا العيون أنهم لم يغادروا شوارع المدينة حتى هذه اللحظة.
- إذن أنت لا تشتبه بهم. وماذا تعرفون من أخبار الرجل؟
- تقصد هادي. رجلك قطع يده وذهب إلى صاحبه في الصحراء ،ولا نعلم من أخباره غير ناره يصلينا إياها في الحرب. ومما أكد ظني السيء فيه أنه قد زار ممرضة الشيخ بإذن غير مقصود ذات مرة ،ولا يعلم أحد ماذا كانا يقولان.
- لقد نشر الرجل العجوز علمه بين جلاديه أولاً ،فدخل قلوبهم من أوسع أبوابها ،ولا نعلم ما يصنع علمه بأهل المدينة آنفاً.
- إن الجيش على أهبة الاستعداد دائماً ،ربما يأتي يوم يحارب فيه أهل المدينة أهلها.
ثم حرك فأرة جهازه فتبدلت الصور بصور أخرى لجنود ببزاتهم العسكرية. قال للمحقق وهو يحدد بظفره على كل منها:"هذه صور للجنود المفقودين ،إنهم ستة مع رجلك حتى الآن وهناك أنباء عن اختفاء جندي سابع في نفس الفيلق الذي ينتمي إليه هادي ،منذ بضعة أيام" وبدل بين الصور ببطء ناطقاً بعنوان كل وجه فيها ،ثم غمرت الشاشة بوجه امرأة في الثلاثينات من عمرها ،قال المدير يعقب على الوجه الأنثوي الصارم:"هذه كما ترى امرأة جندية ،اسمها رفيقة وهي تعمل في سجن النساء قبل حضور رجلك إلينا. إنا وجدناها مرتبطة بالرجل" "لقد كان لنا مطاردة فلول الهاربين بين تلال الصحراء ،وما فتئنا نفعل هذا. ولكم يا صاحبي التحقيق في أمر الجناة حتى يذل شأنهم" رد المحقق وهو يجمع السجلات والأوراق ببطء شديد:"ومتى تبدأ حملتكم التالية؟"
- حين ينتهي تخطيط ملاذ عدو المدينة. فقد شردت رمالها بالجنود وخسرنا كثيراً منهم ،ربما تكون فرصة للهاربين أن يبتعدوا ولكنهم الهالكون إن فعلوا هذا.
وقبل أن يخرج المحقق سلمه المدير مجلداً كبيراً وقال:"هذه نسخة من ملفات جنودنا المفقودين ،ستجد الدليل الذي سيثبت تورط أحدهم في جريمة السطو على المدني في بيته" رد المحقق شاكراً وصافحا بعضهما ووعدا أن يتصلا بشكل جيد وفارقا مكانهما. وعرج المحقق على سجن النساء وقدم إثبات هويته ودخل. ولم يعترضه أحد في طريقه إلى الزنزانة التي يعرفها غير سيقان الحارسات مدت في خدر ،أو حارسة تعاكسه مشياً في جهته التي يطلبها. وألقي المفتاح في قفله وأطلق الألحان فهاجت أسماع النائمات بين قضبان قريبة ،وخطى الرجل خطوتين في ضيق المكان وطلب إلى السجانة التي ترافقه أن تهدي سلوكه بمشعل أو تدع الباب مفتوحاً ،فزمت شفتها في استياء وأتته بكشاف صغير. وتأمل المحقق في المحيط بعينه وسمعه فاهتدى إلى أنفاس الحبيسة تحت شق صغير ،تلج منه أبخرة كريهة وقهقهات بعيدة لأفراد مجتمعين. وأسقط شعاع كشافه فوقها لثانية واحدة وقد هاله ما رأى ،وتراجع عن دنوه حتى رده حائط الصلب وأزجت عيونه نظرات الروع المتوجع. وعزم فتقدم فتعثر بذكرى الجثمان النحيل مسند رأسه نازع صدغه من الشعر ،ولقد علم أن عينه لم تخبر الكثير. وأرغمته النظرة الراسخة أن يئوب إليها وبدأ حديثاً فقال:"هل أنت بخير..أيتها الممرضة". ولقد أناب عن لسانها صوت روحها العصامية في نظرة تتحدى بسفور ،اتحدت عيناها بها رغم الحائل يفصلهما من قطع يصل حافة فمها ،ويصب في بحر أحمر جمدته الأيام. ورد حديثه إليها وزاد فلم تجبه شفتاها بشيء واستمر واقفاً ينظر إليها وقد تبدو في عينه تنظر إليه. وأمالت إليه بطرف حسير وأحيت كلماتها لغة اللسان:"في حال أفضل منك". وفهم الرجل خمارها الذي جاء بعد أن رميت قارورته فاستلمه بلهفة واستل جوابها بحديث جديد:"إنك تقتلين نفسك أيتها الممرضة..لا أعتقد خليلك يريد لك هذا"وانتبه الرجل إلى دمعات يابسات وأخر رطبات ينزلن بجرأة من علو ثابت في رده لا يتغير. قالت جوابها بقوة:"وما أدراك عن سيدي؟ إني اسمع أخباره أكثر منك. ثم ما أدراك عن سيدي وبين روحينا حوار طويل" فجلس إلى الحبيسة وهو يسمع طرق نعل المنبهة يقرب جانب الباب ،وقال:"أنت..ماذا.." "لا تفعلي.." وأبت الكلمات في حلقه إلا رجوعاً ،وأثار قلبه فقذف حركة زائدة في أصابع يده وقدميه ،وأدارت العاسة قضيبها المسنن في قفل الباب ،وانتصب الرجل ومرفقاه يهتزان على شطريه ،ثم انتفض جسده دفعة واحدة فوقع يتأوه بصوت خافت ضعيف. وامتدت ذراعه تدفع رأس الممرضة في صدره ،وتشد عليه ،ودخلت التي وراء الحجاب وتقدمت عن صرير الباب وغناء سلاح الحرية المعلق في منتصفه ،وتقدم المحقق ليخرج قائلاً:"ثم أخبري رئيستك بالذي أريتك ،واسعدي!". فلم تعقب بكلمة وأعادت الباب إلى حاله الدائب بوجه جَمود. ونظر المحقق في سبيله فإذا سجانة نحيلة تنظر إليه كأنها تريد أن تحادثه ،قالت بصوتها الحاد:"لدي معلومة تثمر سعيك هذه الليلة ،لكي لا تعود خائباً" وأكملت دون أن يرحب بشيء ،فقالت وهما يتجهان للخارج:"إن للممرضة زائر وفي ،يأتيها في كل خمس مرة ،إنه طبيب أجزم أنك تعرفه" فأشار إليها أن تتم الحديث ،فقالت:"إني أجد غرابة في اهتمامه بممرضة صغيرة" ثم انتقلت إلى حديث آخر بسرعة حين شارف على مغادرة المبنى من بوابته الكبيرة:"والجندية الهاربة زميلتي وقد علمت أنها على رابطة بالجندي الذي يبحث عنه المدير" وخرج المحقق وهو يحاول أن ينسى نظرة الشماتة في عيونها الثعلبية الضيقة ،وحديثها الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وترك السجن وأهله وقلبه وفكره في حال لا تستقر. فلما أن ركب سخريّته ناداه صوت من تحتها فتبصر ،فما رأى إذ رأى أحداً فتعجب. ثم رد الصوت سائلاً:"الذين زرتهم..كيف هي حالهم؟". فطفق المحقق بحثاً بنظره عن اللسان الوحيد وترجل عن مركوبه ثم نظر ،ثم عبس وبسر ،ثم أدبر يعتقد كذب سمعه وشعوره. فناداه الصوت سائلاً مرة تالية:"قد سألتك فأجبني. هل الممرضة حية في هذا الحصن؟" وأطل المحقق تحت عجلات سيارته فألفى جسداً ينسل خارجاً مبتعداً بسرعة ،فقال:"إنها تقترب من نهايتها ما لم ينجدها منجد". فتباعد الظل يحيي محدثه بيده وأدرك المحقق أنها لا تحوي في نهايتها الأصابع ،فاستذكر وهرول نحوه ثم ارتد بقوة ،دفعته ذراعا الفتاة السجينة إلى ألمه ،ويا لقبضة تلك الذراع الهزيلة بين أصابعه من ضعف ،ويا لطاقتها في داخلها من هزال. فارق المحقق الغريب دون أن يلحق به ،أو يقود إليه القوم أو حتى يقذفه بحجر من الطريق ليبطئ من سرعته. لقد كان الرجل الهارب أحمقاً صد عنه وجه الممرضة الجريح عزم رجل ذاو في الألم. وألقى المتألم قدمه على دواسة الوقود بضعف شديد وضغط على المكابح أكثر من ضغطه آله السير. وحين وصل مكتبه بعد منتصف الليل وقد تحول جسمه يأكل بعضه من الجوع ،ألفى فتاة قصيرة لدى بابه يظهر عليها الارتباك. وعرف في هيئتها فتاة الصباح المهذبة وتحدث قبل أن تفتح فمها بحديث ،فقال باستغراب:"ما لذي جاء بك في هذه الساعة؟" ردت بسرعة وهي تلاحظ تورم عينيه الواضح ،فقالت:"جئتك أطلب مفتاح بيتي نسيته في حوزتك" فتقدم وفتح الباب ودخل ولم تدخل حتى أذن لها بالدخول ،فوجدته على الأريكة وشكرته وأرادت أن تخرج إذ سمعته يقول:"لقد كنت أبكي هذا اليوم" وتعجبت من قوله وتخاذلت عن السير فاستطرد يقول:"رأيت امرأة في مثل عمرك الغض وبهاء وجهك على جانب القبر" قالت باهتمام وهي تلتفت إليه:"ما أوداها هناك؟ هل فقدت ابناً مد به العمر طويلاً أم قريناً أول الزواج؟". "هل عظيم حزن المرأة يأتي من هذين الاثنين؟" سأل المحقق وأجاب حيرته بنفسه فقال:"بل فقدت قرينها ،فما تواءم جسدها مع روحها منذ وقت طويل ،حتى فقدت الجسد" وسكت قليلاً ثم قال لها:"لست أفرق بين الاثنين ولكن تلك المرأة تفعل ذلك". وأرادت الصحفية أن تستدرجه لحديث غير أنها عدلت عن ذلك. وكان اختيارها سالماً من الخطأ تماماً إذ أن الرجل بدا على غير طبيعته ،ثائراً تارة ،ضاحكاً تارة ،وباكياً تارة أخرى. إنه رجل أهمّ لحبيبة في الصباح ،وبكى صاحبة في الليل وبينهما التقى بنات الأفكار المزعجات. ونظر إليها الحارس بالباب واعتذرت إليه أن أطالت المكوث ،فلم يعتب أو يشكر أو حتى يتابعها ببصره. وتلاها خروج المحقق إلى سكنه ،ولكنه انحرف عنه إلى بيت أمه في حي غير بعيد يرتفع درجة عن أحياء الفقراء وينخفض درجتين عن مساكن المترفين. وركن سيارته وانتظر خلف الباب. فأقبلت والدته في صرة فصكت وجهها وقالت:"أتأتي إلي في الحلم! أم في عالم الإدراك يا ولدي!" فأجابها وهو يحضنها قائلاً:"في أيهما شئت يا أماه". ثم جلسا على أريكة منخفضة في غرفة استقبال المنزل ،ولم يترك الولد أمه لأحاديثها الطويلة ورواياتها التي لا تنتهي بل قطع خطابها بسرعة وعلا على صوتها فقال:"أمي ،قد أتيت استفتي باع خبرتك الطويل في القرب من نفوس الرجال" فقالت في عجب:"ماذا قلت يا ولدي؟ هل تهزأ بأمك!!"
- لست بساخر أو مستهزئ ،ولكني في انفعال جامح.
- إنك ترى الدماء كل يوم ،فهل تريد لنفسك أن تستقر!.
- إن ألمي هذا لم أشعر به من قبل أبداً ،قد زارني هذا اليوم.
فقالت ساخرة:
- ماذا أكلت في عشاءك؟
- لم أتعشى.
- فذلك سبب رجفتك التي أحس يا بني. ثم ضربته على صدره بقوة وهي تضحك وتقول: هل حنيت إلى طبخي وأفجعتني آخر الليل. أيها الطفل المسكين سأنهض من سريري حتى أطعمك فما زالت أرفف المطبخ بعيدة عن متناول يدك!
وتضايق الرجل من استهتار أمه رغم الاتساع الذي حضر صدره في دفئها جانبه ،وطرافة حديثها تلقيه إليه من ثغرها المبتسم. وحين ابتغت النهوض جذب ردائها ونهض ونظرت إلى عينيه الحمراوين في ترقب ،فقال:"أمي..عانقيني أرجوك". فرمقته بنظرة تفتيش وتمحيص تريد أن تعلم الخافي في رأسه الكبير. قالت له وهي تقبض على ثوبها بكفها حاذرة:"ما ورائك؟ أين جلافتك وفساد لسانك؟"وفكر الرجل لحظة في عبارتها الظالمة ثم دنا منها فعانقته. قالت وهي تشم شعر رأسه بجدية:"يدرك الرجل ضعفه في حضن أمه ،ويدرك قوته في حضن المرأة التي يحب" "يقولون يا ولدي أن البسيطة أمك ،وأنت تعود في بطنها ضعيفاً خائفاً. وأن الحياة حبيبتك وأنت فوقها مرح سعيد" ثم قالت مغيرة في لهجتها إلى المرح:"إني أرى رأسك زال عنه دهنه" وأخذت بين أصابعها عَفْراة رأسه فراحت تعقصها ثم تمسدها ،ثم تعقصها ونصحته أن يقص شعره المتشابك إن كان يريد النساء أن يقربنه. ولم يكن يستمع إذ ذاك لشيء غير دقات قلبها المنتظمة في لين صدرها الدافئ ،ولم يكن يرى سوى زهرتين تتعانقان بشريط واحد أمامه ،من زينة الثوب وزخرفه. واستدركت الأم حديثها فقالت:"وإنك لتعقل الآن وتعرف ،ما كانت الأم موتاً ولا الحياة حبيبة إلا لأن الموت هو الرحمة وأن الحياة هي العذاب!" فابتعد الابن بحدة عن صدرها وقال:"مالك تنقمين على الوجود؟ أوتودين أن تدخلي تلك الحفرة؟". "لا يا بني ،ولكن جهلي بما فيها أحب إلي من علمي بالذي يعلوها ،أجبني إلى ماذا نسعى ونحفد؟ ولأي شيء نكد ونشقى؟ أجبني أيها المتفائل الصغير" "إني بحياتي عالمة ،ولكنه علم أردى من الجهل" فألجم فمه ولم يجب ،وأطلقت أمه ضحكة صاخبة وتولت إلى المطبخ وسمع الآنية الفخارية تغني بين يديها بلحن سعيد ،وأحب هذا اللحن بالقدر الذي كره فيه مغنية الصباح الوحيدة-الملعقة-في كف أم إلياس حين خرج. وبزغت فتاة صغيرة عاليها ثوب طويل من حرير أمام عينه ،فرحب بها وناداها باسمها إليه فقالت بصوت يماثل صوت أمه:"ما لذي جاء بك إلى بيتنا أيها الأخ الكبير؟ هل جلبت الدمية التي طلبت؟" فأجلسها على ركبته وأخذ يتأمل في محياها البريء الذي يتفاعل مع القصة التي يلقيها إليه:"هل تعلم! لقد تزوج والدي بامرأة جميلة..ولكن أمي أجمل منها" "لقد بكت أمي يوم علمت الخبر ،ولكن هدية العم أسعدتها كثيرا"
- هل تحبين العم.
- نعم ،لأنه يحضر ألعابا إلي حين يحضر بعد كل غياب طويل. إني أترقب هديته الآتية بفارغ الصبر.
ثم قفزت من حجره إلى الأرض فأصدرت أقدامها الصغيرة صوتاً قوياً ،فنادتها والدتها قائلة:"ما لذي بعثك من فراشك إلينا" ردت الصغيرة صائحة:"صوتكم العالي. أمي لن أعود إليه ،لن أعود". ثم تربعت في صدر المكان وقد ارتفع ردائها عن ركبتيها وخطفت من الصحن في الوسط قطعة بطاطس مسلوقة ،وقضمت أجزائها بنهم. وأكل الرجل حتى شبع ثم اتكأ على الأريكة فطلب إلى أمه أن توقظه بعد الفجر بساعتين. ولكن الصغيرة أبت أن ينام أخوها الكبير وقالت:"إن شئت أن تنام فاذهب إلى المخدع" قال بصوت متعب:"لست أنتمي لهذه الدار". فأخذته من يده إلى غرفتها وطلبت إليه أن يغير لباسه إلى لباس الراحة ،فأجاب أني لا أملكه. ولما كان أهل البيت من الإناث فقد جلبت له ثوباً لها وبسطته على جسده فوجدته صغيراً فضحكت وقالت:"سوف تناسبك ملابس أمي". وارتدى المحقق أحدها مكرهاً ونام في سرير الصغيرة واستيقظ على برودة بلل في وجهه ،وسره وجه الفتاة الناصع أمامه ومسح بإبهامه ماء فمها بلطف ،ثم غادر المنزل. لقد عاد إلى بدنه هدوئه واتزانه ولم تعد ذكريات الألم للوجه الجريح والوجه الحزين لتهزه ،وقد قال بصوت مسموع بنغم ساخر:"أهذا يفعله الموت!" ثم ضحك كثيراً حتى انتبه له العابرون في الممرات ،فسكت. وتقدم منه مساعده وحياه فرد التحية بمرح صاخب ،وجلس الرجلان يتحاوران. قال المحقق بعد أن استعاد حزمه:"كيف تركتك بالأمس؟ هل أبحاثك بخير؟ إن عملي يعرقل بالكثير" فبسط المساعد ورقة طويلة لها شكل فريد كتلك التي تختص بمختبرات الشرطة ،ونظر المحقق فقرأ التقرير وهو يسمع تقرير الرجل الصوتي:"يبدو أن حارس الشيخ الذي يخدم في الجيش هو نفسه مهاجم الطبيب النفسي في بيته ،طابقنا بصماته مع بصمات اليد المقطوعة في ثلاجة الحفظ قبل يوم ،وبقي أن نزور المرأة لتؤكد ذلك" رد المحقق بسرعة:"لا تهتم بهذا الجزء خاصة ،كثف أبحاثك حول الرجل" ثم ألقى إليه مستندات جمعت في حقيبة بلاستيكية وملف عريض وأفصح فقال:"هذه شواهد وصور قد تساعدك في بحثك" ثم أنهى حديثه إذ ألقى معطفه فوق منكبيه ،وخرج. وأصاب المساعد بعض الأسف على انقضاء اللقاء بهذه السرعة ،إذ أن لديه الخبر الكثير لينقله إلى علم المحقق ،ولكن الأخير انصرف ليعمل بمفرده كعادته. كان يهيئ أسئلة التحقيق في ذهنه أثناء انتظاره إشارة المرور الحمراء أن تخضر ،وطال مكوثه فالتفت ينظر إلى السائقين على جانبيه واستمع لصخب أبواق المركبات ونداءات الأشخاص بالإسراع ،إنهم أناس يعملون ولا يدرون لأي شيء يعملون!. وصل المحقق بغيته فترجل وأسرع يشق موكب ممرضات يطلبن البركة لبعضهن بهذا الصباح الجديد. واستقبلته ممرضة بوجه منفر وقالت له عقب علمها بهويته:"الطبيب ناضر إنه يكون بين مرضاه بعد نصف ساعة" "سأخبره بمجيئك أيها المفتش ،أين ستجلس؟"فرد وهو يغادر مكتبها في شيء من الملل:"سأجلس في الردهة. أرجو أن لا يتأخر". وألقى جسده بإرهاق على الكرسي البارد ثم راح يتابع خافض طرفه أقدام العابرين وأحذيتهم المختلفة. فمن سيقان الممرضات إلى عجلات النقالات المسرعة ،إلى منسأة رجل كبير. ومن تحيات الأطباء اللطيفة للعاملات إلى بكاء طفل صغير. كان العالم الذي يلاحقه في أسفله كاذب ،يناقض في أكثره قمته ،ووجد الممرض يلاعب طفلا يقول وجهه خبر " طيب" غير مقالة"أنظروا إلي" التي تصرخ بها ركبته المثنية في طريق الناس. رفع المحقق رأسه وسأل نفسه قائلاً:"هل أنا سيء الظن؟" ثم نهض ليحيي الرجل الطويل أمامه وينكر تصريحه في نفسه:"بل أنا رجل حذر". وتصافح الرجلان وشدا على الأيدي بحرارة النفاق الموقد في عينيهما وخلجات جسديهما ،وذهبا إلى مكتب الرجل. قال الطبيب حين لاحظ غياب مرافقته:"إنها تتأخر دائماً ،لو كانت هنا لرحبت بك قبل مجيئي" رد المحقق بلطف فقال:"لا عليك يا رجل ،فقد سعدت بالانتظار هناك" ثم قال باهتمام:"إن لدي بعض السؤال وأحسبك رجلاً تجيب"
- إنه استجواب إذن ،اعتدنا على هذا.
- هل حقق أحدهم معك سابقا؟
- لا تقلق لقد أكرموني لأني صديق لأكابر المدينة.
- إني لا أعرف طبيعة العلاقة فاسمح لي أن أسأل الذي يحلو لي.
- لك هذا. ولي عليك ألا أرد إلا بالذي أريد.
- فإنك تعرف الممرضة السجينة ،وإنك لتزورها في قبرها إذ ترقد منذ أمد. وإنك رجل صريح في منهجه إذ تستند إلى شواهد العلم الذي عرفت ،وإذ الممرضة آمنت بشيء لا شاهد له ولا دليل فكيف انسجم فكريكما؟
- إني رجل باحث ألتقط العلم من أي شيء صغير.
- حسن ،هل تزورها حتى الآن؟
- نعم ،ومنع عني هذا منذ الفترة المقبلة.
- آه إنها شهور العذاب الأخير ،حيث تسحب إلى الاعتراف.
- .....................
- لقد لقيتَ ربها ،كيف تصف الرجل؟ وهل تعرف أحداً من رفاقه؟
- كان مريضي فقط. وأنا لا أعرف أحداً.
- أعني صبي صغير ،اسمه إلياس.
- يغيب عن خاطري هذا الاسم.
- هل أنت متأكد؟
- ماذا تريد أن تقول؟
قرب المحقق وجهه إلى الرجل الجالس ونظر في عينيه بالشك الصارخ:
- أما كنت معبراً تنتقل خلاله الكلمات؟
- لن أجيب.
- حتى وإن قلت أن كل سبابة تشير إليك؟
- لن أقع في حفرتك التي حفرت.
- تبدو ذكياً صعب المراس.
- وأنت تبدو ملحاحاً بطيء الفهم.
- شكراً لك. ثم خرج من عنده وهو لم يكتب ملاحظة واحدة!
وسار إلى المخرج مبتسماً وقد ستر كفيه بجيبي سترته ،وتوقف لحظة حاذى فيها وجهاً يعرفه. قال بسرعة:"إني أعرفك ،هل لنا بحديث؟" فنظرت إليه الفتاة ببعض الخوف ولم تجب ،قال:"حاذري أن تخدعيني ،إنني كثير النسيان غير أني لا أنسى ملامح الناس". فبدت أمارات الاستسلام على وجهها وجسدها المشدود وتحدث بنبرة ألطف فقال:"لن آخذ من وقتك الكثير ،فقد سألتك مراراً سالفاً ومن الظلم الصراح أن أسأل. أردت أن أبشرك فقط أنك امرأة عنيفة ولهذا ستنجحين". ثم تجاوزها وهو يحك شعره الأسود ويخرج شعرة ليست منه ،قلبها في يده باهتمام ثم أفلتها وقد عرف فيها وجه طفلة الأمس ومبسمها الآسر.
وإلى البحر قصد المحقق مكان التفتيش الأخير ،ورفع السواد عن عينه ينظر إليه في وضوح السراج السماوي الكبير ،وأصغى لصوت خطوات تهرول إليه ثم عصف الهواء فاصطحب معه نبرة علية تلقي التحية العسكرية من خلفه. قال رجل باحترام شديد:"كيف حالك أيها المحقق؟ أتيتنا في سابق الوقت المتفق عليه".
- لم يشغلني شاغل فأردت أن أنظر إلى عملكم من بعيد.
- أرجو نقل الخير عني أيها الرجل الكريم.
وضحك المحقق لدقيقة ثم التفت إليهما وعلى محياه الكالح إشارة حزم وعزم"ماذا عن البحث؟" فتطوع الرجل الآخر للإجابة وكان يبدو متحفظاً غير ودود:"قد وجدنا بعض الصبية واختلط علينا في التفريق وجه طفلك الذي تنشده"
- لا يمكن أن تخلط يا صديقي ،إنه صبي حين تنظر إليه طويلاً ينقلب إليك بصرك خاسئاً وهو حسير ،في عينيه بحر كالبحر في أوله الطيب وفي آخره شر يمكنك رؤيته.
وتراجع الرجلان إلى الوراء قليلاً إيذاناً بالانصراف ،وقال أولهما للمحقق:"حسناً يا سيدي ،قد وضعنا أوراق القضية في أمانة المحقق علاء. قد طلبها اليوم. وأما حجزك فقد تم دون مشاكل ،ستكون الليلة على متن اليخت الذي أردت" "نتمنى لك نزهة سعيدة". وهتف لهما وهما يبتعدان:"شكراً لكما. أقدر لك أن قضيت لي هذه الخدمة الشخصية" ثم استدرك بسرعة:"ولن تدخل في حسبان درجة تقييمك". وتبسم الرجال لبعضهم وتفرقوا ،وموج البحر أمامهم لم يتفرق. واتخذ المحقق مجلساً من صخرة ناتئة وبعض الأسف يعلو وجهه من أن الليلة قد لا تكون مناسبة للإبحار. ولربما اعترى انتباهه غفوة قصيرة ،وسنيات متفرقات أخذن بدقائق فراغه حتى التقت الشمس مغيبها واختفت عن ناظره. وانتبه من رقاده فنهض ونظر إبان مهلة بقاياها الأخيرة إلى بطاقة الركوب في يده ،وأومأ إلى بعض ما جاء فيها ثم انطلق. ونظر إلى مقعده الذي غادره فوجد عباب البحر يلطمه بشدة ويتجاوزه في مد جارف. وقضى الرجل يفكر في هناء غفوته على الصخرة طوال إرشاده من قبل غلام قصير. قال له الغلام حين أوصله إلى مرسى السفينة وهو يمد إليه يده:"هات يا عم أتعابي وعجل أرجوك" فأجاب المفتش متعجباً:"لم نتفق على هذا" رد الصبي بنبرة ساخرة:"ألم تعلمك أمك أن لكل شيء ثمن..لاشيء يأتيك لوحده هكذا". فأخرج المحقق بضع ورقات نقدية وضعها في راحة الصبي وأطبقت كف الأخير عليها بقوة ،وطفح وجهه بالنشوة والسرور. وابتعد المحقق وهو يفكر في صبي قليل الذوق وإن ارتدى ثياباً أنيقة! وأبدى ورقته للموظف الذي حدق فيها من خلف عدساته المكبرة ،ثم أذن له بالدخول في سلك من الناس المتنزهين. واتجه المحقق فور صعوده السفينة إلى قاعة العشاء وأكل كثيراً حتى امتلأ ،وغازلته بعض الشابات فلم يجبهن وخرج إلى فناء السفينة يتمشى في رياح الليل العاتية. ولما أن رفعت مرساة السفينة وشغلت محركاتها نادى مناد في مكبر للصوت أن قد بدأت رحلتنا في سكون الظلام فاستمتعوا بليلتكم في أقصى استطاعتكمَ! وأطلق المحقق زفيراً طويلاً بينما يسمع هتافات الناس وزغاريدهم وأسند ذراعيه المنهكين إلى حائط قصير ،ونظر في عمق البحر المعتم. ووجد نفسه يقارن بين النور أول النهار حين أتى وبين الظل المدلهم أمامه الآن.
بين الليل والنهار تتقدم حياتنا حتى نفنى ونموت
أجيبوني من الأقوى أظّلام أم النور؟
أجيبوني ولا تحذروا ،سأكون حليفاً للأقوىَ!
سأتبع الظلام يا رفاقي ولن أخاف ،لأنني مع الرجل الأقوى
بين النور والظلام تتقدم حياتنا حتى نفنى ونموت
وسمع المحقق صوتاً غليظاً يقول:"لم أعلم أيها المحقق أنك تملك ذوقاً غنائياً وصوتاً بهذا الدفء" فرد المحقق دون أن ينظر إليه:"إن لي قلب أيضاً" فرد الصوت بنفس الغلظة:"ولكني لا أخالك تملك عقل المحقق". ونظر الرجلان لبعضهما أخيراً بنظرة تحد طويلة ثم قال المحقق:"ما هذه الصدفة التي جمعتني بك ،يا علاء" وحيا كل منهما الآخر بغير ترحيب شديد ،وتقدم الزائر فوقف جانب المحقق على مطله الساكن. قال وذقنه الدقيق يهتز طوال حديثه:"أنت رجل ذكي ،لو تخليت فقط عن عاطفتك وقلبك الذي تدعيه" "إني حققت في أمر المفقود فلم أعثر على أثر. وهناك احتمالان لا ثالث لهما بشأن غيابه المفاجئ..فإما أن يكون في المدينة في مكان لا تصل إليه أعين الباحثين ،أو في غياهب اليم راقداً في بطون الأسماك". وعلا وجه المحقق انفعال غاضب ،وشاء أن يلطم الرجل الذي لا يعرف مكان هذا الصبي في اهتمامه وعنايته. ولكن ذقن الرجل الدقيقة ونظارته ظلتا تلمعان في السواد الجاثم على قلب المحقق ،وفكرته المحتضرة.
إلى الفصل الثاني عشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس