وأنا أطالب المجلس العسكري باعتباره يحكم مصر الآن وأطالب الحكومة الحالية والحاكم القادم أن يختار بطانة صالحة ناصحة فأنا عجبت حين شُكل حتى هذا المجلس الذي يُسمى بالمجلس الاستشاري.
عجبت حين لم أرى فيه عالماً من علماءنا حتى ولو كان من علماء المؤسسة الرسمية أو غير الرسمية. أفي هذه الأزمات يُنحى العلماء أفي هذه المرحلة الحرجة يُنحى العلماء؟
بل يجب أن يقدم العلماء وأن يُستشار العلماء الذين يعرفون كلام الله جل وعلا ويعرفون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفهمون سنن الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير.
فالبطانة في غاية الأهمية بل لكل مسئول مهما كان حجم مسئوليته بل ولو كنت رئيس لشركة أو رئيس لقسم على الأقل فعليك أن تختار بطانة صالحة ناصحة نافعة تدلك على الخير وتؤزك عليه وتحول بينك وبين الشر وتمنعك من الوقوع فيه.
فأشار رجاء بن حيوة على سليمان بن عد الملك وقال له: (يا أمير المؤمنين اختر من يحفظك الله عز وجل بسبب اختيارك له في قبرك ويحفظك الله عز وجل به في الآخرة ولي على المسلمين رجل صالح)
يا الله..
يا شعب مصر اختاروا الرجل الصالح الذي يعرف ربه.
اختاروا الرجل الصالح الكفء القوي الأمين {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ(26)}القصص.
اختاروا الرجل الصالح في البرلمان.
قدموا الأصلح والأكفأ لا تتعصبوا لحزب ولا لجماعة.
بل تعصبوا للحق ودوروا مع الحق حيث دار واختاروا من تدينون لله جل وعلا بأنه الرجل الكفء والرجل الصالح الذي ينصر دين الله وينصر شريعة الله ويعمل لصالح هذا البلد الذي عانى طويلا ولصالح هذا الشعب الذي ظُلم كثيراً
قال له: (ولي على المسلمين رجلا صالحا). فقال سليمان لرجاء: (ومن عساه يكون يا رجاء؟) فقال له رجاء بسرعة: (عمر بن عبد العزيز) واستقبل سليمان بن عبد الملك مشورة رجاء كالبشرى وقال كلمته الباهرة (والله لأعقدن لهم عقداً لا نصيب للشيطان فيه).
ثم أمر رجاء أن يأتيه بكتاب فكتب فيه بخطه وولى عمر بن عبد العزيز وختم الكتاب بخاتمه وطوى الكتاب واتفق مع رجاء أن يكتم خبر ما في هذا الكتاب حتى يموت ودعا سليمان بن عبد الملك أمراء بني أمية وطلب منهم أن يبايعوا من سماه في هذا الكتاب فبايعوه جميعاً وخرجوا من عنده وهم لا يعلمون من سيكون الخليفة القادم.
ومات سليمان بن عبد الملك واجتمع الناس في المسجد وغص المسجد بالمسلمين ورجاء بن حيوة بيده كتاب الخليفة سيقرأ على مسامع المسلمين من ولاه سليمان بن عبد الملك خليفة بعده.
وصمت الكل وقام رجاء ليأخذ البيعة من المسلمين لهذا الشاب التقي النقي لعمر بن عبد العزيز وما أن سمع عمر بن عبد العزيز أنه الخليفة إلا وصرخ وعلا صوته بالبكاء ولما تمالك نفسه قام فصعد المنبر وهو يتكئ على بعض إخوانه فحمد الله وأثنى عليه ولتسمع الدنيا كلها ماذا قال عمر.
قال: (أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير مشورة مني ومن غير مشورة من المسلمين فإني أخلع بيعة من بايعني واختاروا من تريدون لأنفسكم).
أليست هذه هي الآليات التي يتغنى بها العالم الغربي المتحضر الآن؟
قام عمر فخلع البيعة وقال للناس اختاروا من شئتم لا ينبغي أن يُفرض عليكم أحد بل اختاروا أنتم من شئتم ليحكمكم بكتاب الله وبمنهج رسول الله صلى الله عليه وآله ومن ولاه.
وما أن قال عمر كلماته الجميلة إلا وزمجر كل من في المسجد وخرج هدير بأعداد هذه الحناجر الملتهبة التي قامت تصرخ وتهتف: (بل اخترناك علينا يا أمير المؤمنين فتولى أمرنا على بركة الله). وقام عمر بن عبد العزيز يبكي ويرتجف كعصفور مبلل بماء المطر وقال كلماته الجميلة قال: (أيها الناس آلا إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد كتاب الله الذي أنزله عليه كتاب آلا إن الحلال ما أحله الله على لسان رسوله إلى يوم القيامة والحرام ما حرمه الله على لسان رسوله إلى يوم القيامة آلا إني قد وليت عليكم ولست بخيركم غير أني أثقلكم حملاً. ووالله إني لأقول لكم مقالتي هذه وما أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلمه عندي فأستغفر الله وأتوب إليه).
ثم قال: (من أراد أن يصحبنا فليصحبنا بخمس أو فليفارقنا فليرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها ويعيننا على الخير بجهده ويدلنا على ما لا نهتدي إليه من الخير ولا يغتابن في مجلسنا أحدا ولا يتعرضن لما لا يعنيه).
ونزل عمر بن عبد العزيز ودخل إلى بيته وهو متعب لا يكاد تحمله قدماه وألح عليه إخوانه والمقربون منه أن يستريح في هذا اليوم قليلا ودخل بيته يبكي وما أن وضع عمر جنبه على الفراش إلا ودخل عليه ابنه الصالح عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز الذي لم يبلغ السادسة عشرة من عمره دخل على أبيه وقال: (ماذا تصنع يا أمير المؤمنين؟). قال: (استرح قليلاً يا ولدي فلم تبقى في جسدي طاقة). فقال له ولده عبد الملك: (تنام يا أمير المؤمنين قبل أن ترد المظالم إلى أهلها؟). فقال: (يا ولدي إني متعب الآن دعني استريح حتى يحين وقت صلاة الظهر فإن أذن المؤذن لصلاة الظهر قمت فصليت بالمسلمين صلاة الظهر وردت المظالم إلى أهلها). فرد عليه ولده عبد الملك: (أوضمنت أن تعيش إلى الظهر يا أمير المؤمنين؟).
وتقع الكلمات على قلب عمر لتُذهب عنه كل ألم بل ولتملأ قلبه وجسده بكل قوة وطاقة ويقوم عمر بن عبد العزيز وينفض عنه الفراش ويضم ولده عبد الملك إلى صدره ويبكي ويقول: (الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على أداء أمر الله جل وعلا).
وخرج عمر إلى المسجد مرة أخرى وأمر المنادي أن ينادي في المسلمين من كانت له مظلمة فليرفعها هذه هي البداية.
هذه هي البداية يا من تحكمون مصر الآن..!!
هذه هي البداية يا من ستحكم مصر في المرحلة القادمة..
رفع المظالم عن شعب مصر المظلوم..
أنا أرفع إليكم المظالم الآن أنا من على منبر رسول الله أرفع إلى من يحكمون مصر الآن وإلى من سيحكم مصر في الأشهر القليلة القادمة.
أرفع إليه أنا مظالم شعب مصر على لسان هذا الشعب الصابر المتألم
أرفع إليكم مظالم شباب تخرج من الجامعة منذ عشرات السنين لا يجد إلى هذه اللحظة وظيفة ولا راتباً كريماً ولا يستطيع أن يفتح بيت في الحلال الطيب.
أرفع إليكم مظالم الفقراء الذين يقفون طوابير طويلة حتى يحصل أحدهم على خمسة أرغفة من الخبز.
ارفع إليكم مظالم شعب مقهور يقف طوابير طويلة حتى يحصل على أنبوبة بوتاجاز.
أرفع إليكم مظالم مرضى الذين يتوجعون ويتألمون لا يجد أحدهم قيمة الدواء بل ولا يجد له سريراً في مستشفى من المستشفيات العامة.
أرفع إليكم مظالم من فقدوا صحتهم بالماء الملوث والغذاء المسرطن.
أرفع إليكم مظالم من حرموا من التعليم لقلة ذات اليد أو لعدم وجود التعليم أو المدارس الكافية.
أرفع إليكم مظالم العوانس اللائي يبتن الليل يبكين يشكين أمرهن إلى الله لا يجدن الزوج الصالح الذي يعفهن في الحلال الطيب لقلة ذات اليد عند شبابنا وأولادنا.
أرفع إليكم مظالم الأرامل.
ولا أنسى أن أرفع إليكم مظالم من سُفكت دمائهم ومُزقت أشلائهم ونُهبت وسرقت أموالهم فأول المظالم أن يُحاسب من سفكوا الدماء وأن يُحاسب من نهبوا الأموال وأن ترد الحقوق إلى أهلها.
من كانت له مظلمة فليرفعها..
والله الذي لا إله غيره لن يسود الأمان في مصر إلا بالعدل والحق.
لن يسود الأمان في مصر بالبلطجة أو بالعنف غير المبرر أو بالقوة بلا ضابط من عدل وحق أو قانون.
لن يصلح شعب مصر إلا العدل والحق..
يُرسل إلى عمر بن عبد العزيز والي من ولاته على خراسان ليقول له: (يا أمير المؤمنين استأذنك في أن استعمل القوة السيف والسوط مع أهل خراسان لأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط. فقال عمر بن عبد العزيز قائدنا ورائدنا قال له عمر: قبح الله رأيك بل يصلحهم العدل والحق فابسط ذلك فيهم واعلم: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ(81) }يونس