عرض مشاركة واحدة
قديم 06-01-2012, 10:39 PM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحبا ً بالجميع..

الفصل الثالث عشر
"والعصر ،إن الإنسان لفي خسر ،إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". قرأها الرجل الأشيب ببطئ وتهجي ،وامتن لهادي حتى كاد لينحني له. ومنعه الأخير قائلاً:"اركع لقائل هذا الكلام. ليس بمقدوري أن أنقل إليك الكتاب. إن بين دفتيه سورة باسم بني خلقتك..إنه منزل من فوق السماء إلى كافة المتظللين أسفلها من جن وإنس". فقال الجني رداً لمقولة مكرمه:"قد داويت مأربي يا صاحبي ،لو ما أنزل من الكتاب على الخلق إلا هذا ،لكفاهم". وترك الرجل ورديفه المكان وانصاعت الراحلة لأمرهما فتوجهت تلقاء كهف صحابهم. قال هادي بادئاً بحديث:"ذلك الرجل الأشيب أمهلني يومين وعداً فأخلف. ربما أشغله طارئ ما" "أتعلم يا صاحبي ،ما فعلت إذ فعلت في ليلتي المنصرمة إلا لؤماً ،وابتعاداً عن خلق الرجل. إن هروبنا مشينة في حق أحق عزيز وجب علينا أن نتبعه ،ونحرسه. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لفضحت نفسي وأسعفت جرحها ولم أولي دبري كالصاغر الحقير". ولم يرد المخاطَب بكلمة واختار الصمت على الكلام ،حتى انتزع المخاطِب منه الإجابة انتزاعاً حين هوى على صدره بقبضته القوية ،صاح:"لا تلتفت يساراً ،لا تهرب. ألا تريد أن نعود؟" حدق فيه حسن ببعض الغضب:"إن وقعنا بين أيديهم فإن نور الشيخ سيظلم. إن غايتنا نشر علمه بين الخلق ،استرخ وسكن نفسك وناصرتنا ستكون بخير. أنت ضعيف سريع التأثر وصفاتك لا تناسب الجنود ،دع إحساسك المرهف يذهب بعيداً". فتوقف هادي عن التأوه واستمر يراقب الطريق ويفكر في المصير ،في أهل المدينة الحائرين ،في سلاطينها المسيطرين وفي قوة الهجوم التي تملكها على اليابسة حتى أساطيلها الصامدة في البحر الكبير. لتصل كلمات الشيخ إلى البشر لابد من القتال مع الذين يقفون عقبة في الطريق. في ذلك الطريق آذان بريئة ستموت وأخرى مذنبة قد تحيا ،فلا تقوم الحرب إلا على جثث أناس طاهرين. فكر كم سيقتل من آدمي لا يعلم عن قلبه شيئاً ،فكر أن أقرابه ليسوا مستثنين من هذا. وتفجرت في ذهنه أمنية الطريق المباشر ،أن يقتل عمدة الشر غير مضطر للدوس على جماجم المساكين ،لو كان في الأرض نصف يلجأ إليه الخيرون ،وبعيدا يتفرق الأشرار ويلعبون. لو كانت بطون الأمهات لا تأتي إلا بالأخيار لدامت مدينة الفضلاء ولكن لا ضمان ولا توثيق.
قضى الرفيقان الليالي التي مرت بهما معا وبدت المسرة جلية على وجهيهما حين اقتربا من مضارب القوم ،وتحين الجندي هادي بقعة طيبة فضرب الناقة في بطنها فجلست وترجل منها. قال لصاحبه الذي ارتفع في محياه العجب:"استأذنك يا صاحبي أن تتم طريقك من دوني. إنني عائد". ثم حمل صرة الزاد فألقاها فوق كتف صديقه الراكب وساعده في النزول. ومضى بالناقة من غير أن يسمع من رفيقه كلمة واحدة. وحين جن عليه الليل ركن إلى ظهر ناقته التي أناخت جانب نار أوقدها من حطب أصاب الندى أكثره ،وتلحف بكل ما يحمل من الثياب يتقي قر الصحراء. ولقد بلغ منه الجوع ما إن معازفه لتعلن في بطنه الألحان ،فأرخى صرته ونظر إلى طعامه فيها ثم أوكأها وترك ،وانسلخت ساعتان من ليلته بعد ذلك فعاد إلى صرته وفتحها ثم تذكر طريقه الطويل فألقاها جانبا. إنه فعل هذا حتى نام وأيقظه صوت بطنه حين دجى الليل الأخير ،فقام وضرب التراب براحتيه ومسح بوجهه من الأثر ،ثم تخير موضعا فركع فيه وسجد ،للذي ألهه ورببه على كل الناس ،وقرأ من كلامه ما تيسر على حفظه أن يذكره. وفي التفاتة تحيته لمح ثوب الأشيب تقلبه الريح في ضوء ذكائه فقلق ،وتوجس في نفسه الخوف. وحادثه الأشيب قائلاً وهو ينهض:"لقد أتيت بنفر من قومي يستمعون إلى القرآن(فتبصر هادي ولم يلق أحداً وتعجب من أن الناقة لم تصدر صرخة الخوف كسالف أمرها)وأكمل الشيخ:إنك لن تراهم ولكنهم يسمعون. أنت مستأمن في أرضنا ومن معك لا يمسك منا شر أو مضرة ،وما أخلفت إذ أخلفت وعدي إلا أن ألزم جميع قومي بهذا ،إني لم أنوي إيذاءك منذ البداية ،وتعلم يا مبشري أن النفوس لا ترتدع إلا بالقوة وشدة الكلام". ثم رحل الجني الكبير وأفراد عشيرته وتركوا الغريب واقفاً إلى قبلته. وطرد شدة الظلام سراج السماء الوهاج وسار هادي قبل أن تغمر أنواره كل شيء. وتعاقب الليل والنهار حتى وصل قبلته فعقل ناقته في خانها الخرب وأخذ طعامه وابتعد ثم تغلغل داخل المدينة فوجد بستان أهله ودارهم خلواً من الأنفاس ،وذقنين يلمعان قرب بابهم في مدلهم الليل. وخاب راجعاً يسيح في طرق الحي وشوارع المدينة ،وهداه فكره إلى أم الصبي فأيقظ أذنها النائمة صوت جرس المنزل المتعاقب ونهضت مهطعة إلى لقائه. قال وقد رأى الخوف في عينيها المفتوحتين بشدة:"صاحب الشعر الأحمر الذي حذروك منه ليس إلا رجلاً يبحث عن الحق ،ويصاحب صديق ابنك". فتركت له الباب وذهبت إلى المطبخ وقد هالها شحوب لونه وارتعاش أطرافه ،وقادته ساقاه المنهكتان إلى غرفة المعيشة وتركت فوق الأرض قطرات ماء همين من أكمام ثوبه وجلس. وحضرت المرأة فأطعمته وسقته ودثرته في غرفة دافئة وشدت وشاحها الصوفي على منكبيها وارتحلت وهي ترتعد.
وأحاط بأناس الحي اجتماع الخوف والبرد وهم الذين لا يعلمون ما يكون تنبؤ عقلاء المدينة بعد غد أو الغد الذي يليه ،وخلت السبل خافتة النور من المتجولين إلا قليلاً ،وكثفت الشرطة وجودها في الشوارع القريبة من مسكن المجني عليها وفي كل الضواحي الدانية منه ونامت الأعين على صوت صفارات الحرس ونباح كلاب الفريق. قال رجل الشرطة مخاطباً الحارسين قبل طلوع الشمس من مشرقها:"كان حشداً كبيراً في ذلك الملعب. لا أدري لأي شيء تجتمع الأنفاس هناك! وبهذا استطاع الجاني الهرب منا بسهولة". فلم يجبه أحد المتصلبين بكلمة ،فقال مكملاً بتثاقل:"والآن ..وقد انسل من أيدينا أول خيط يوصلنا إلى المقتحِم..فكيف سنبدأ". ثم ألقى نظرة طويلة في البيت الخالي والبستان الصغير جانبه وغادر بسيارته إلى أهل البيت في المشفى. كانت طرقاته الداخلية هادئة كعادتها ورتيبة ،ولقد تبادل مع المدير ورقة وقاده الرجل إلى غرفة المصابة وهو يقول:"يتبدى لي أن إصابتها ستتحسن في البيت. زادها الطبيب يوماً ترتاح فيه بيننا ،في عناية الممرضات". وطرق الباب فأذن له ،فدخلا وقدم المدير كرسياً للرجل فجلس. وتمنى للمريضة شفاءاً عاجلاً ثم خرج. نظر الرجل إلى الفتاة التي تتكأ على السرير ولم يكن يتضح وسط ذبولها غير شفتيها النابضتين بالحمرة الشديدة ،وفتح شفتيه بالكلام فقال:"كيف حال إصابتك؟ أتمنى لك الشفاء العاجل. تعلمين..في مثل هذه الظروف يضطر الفرد أن يكون لئيماً حتى ينجز عمله..أعذريني فجميع أسئلتي يتوجب عليك إجابتها..هل أنت موافقة؟"
- ليس لدي خيار سوى أن أوافق.
- حسناً..أقول للإفادة فقط أنت تتعاملين مع هذا المركز في تعهد صحتك أليس كذلك؟
- نعم منذ أن أصبحت صحفية وأنا أفعل ذلك.
- ووالدك؟ أعني الطبيب أدهم يعمل هنا أيضا؟
- ذلك أنه باحث مطلوب ،واختاره المدير ليعمل هنا.
- هل المدير يقرب لوالدك بأي حال من الأحوال؟
- إنه زميل دراسة حسب ما أعتقد ،وله ووالدي آراء في الإنسان والمجتمع. هو جراح كبير مازال يقوم بعملياته من حين لآخر.
- المدير هاني أليس مقرباً للحكومة؟ كون التحقيقات الإجبارية لا تمرر بغير إذنه؟
- أن يتحدى قطاعا حكومياً كالشرطة..أليست اتفاقية حماية المريض التي عقدت قبل سنتين مضت؟
فحرك الرجل رأسه في ارتباك ونظرت الفتاة إلى وجهه البليد مطولاً حين قال:
- أسألك عن الجاني ،هل تعرفينه ،هل قابلتيه؟ ربما عملك كصحفية جعلك وجهاً معروفاً.
- يا سيادة المفتش أنا لم أميز هيئته إذ رماني برصاصته..أخبرني بعض الأصدقاء أنه أطلق علي من أعلى مدرج قرب البوابة فقد استطاع أن ينجو بنفسه.
- أمم ،حسناً ربما علي أن أخبرك بمسكنك المؤقت في مكان قريب. سمعت أنك في إجازة من العمل وأعتقد هذا ملائماً لمثل هذه الظروف..وسيرافقك حارس في تنقلاتك الأخرى.
- ووالدي؟
- سمعت أنه في الشرق يحضّر لأحد المؤتمرات ،سيلحق بك حال قدومه.
- شكراً لك ،أفيدك أنني في تحقيقاتي لا أصنع الأعداء.
- لا نعلم ما يجعل الآخر يغضب منا..فقد تكوني الآن عدوتي إذن!
ثم نهض متهيئاً للمغادرة وقال وهو يفتح الباب:"سيسألك محقق قدير بعض الأسئلة..يعتقد بجدواها في قضية يعمل عليها حالياً ،أتمنى ألا تنزعجي. تفضل يا حضرة المحقق". فدخل المحقق الذي بدأت معه أول أسئلتها إلى الغرفة واحتل مكان الآخر بهدوء ،قال أول ما قال:"كيف هي السجينة؟ لا أخالك تنشرين مآساتها بعد الذي حصل" ردت وهي تقدم ظهرها مستعدة لحديث طويل:"بل سأنشره ،ذلك ما عزمت عليه. مازلت لا أفهم الذي يحصل في جنبات مدينتنا الهادئة وفي أزقتها المظلمة ودواخلها الصامتة. إن الناس يتوجهون إلى ربهم الذي هم به مؤمنون ،أنا أيضاً اتجه إليه ومن واجبي أن أفهم الطرف الآخر. إننا في شقاق داخلي قد يدمر. لهذا..سأنشر ما رأيت حالاً ليأتي الآخر بسكينه إلي فأجلّي له الأمور. سأخرج للعيان بالتأكيد" قال وهو يقرب بنظره إلى وجهها المتحمس:"هل هذا اعتراف باقترابك من جماعة المتمردين ،من فكرهم؟ أنت إذن توالينهم"
- أوالي نور الحق ومن اتبع سبيله ولو كان القوم في الصحراء.
- بالمناسبة من كان بصحبتك إبان خطبة الخطيب؟
- لم يكن بصحبتي أحد.
- بالرجوع إلى الوراء ،فأنت ابنة الطبيب النفسي الذي هجم عليه في صباح ذلك اليوم ،ومن إفادتك لنا أنت لم تري المجرم ،لكن..لو أنك رأيته هنا قد تتبدل كل الأحداث. عموماً أصبحت اتهم الجميع هذه الأيام غير أني أريد تفسيرا مقنعاً بشأن الذي اختارك من بين جميع الناس ،إلا أن يكون لك خيط تدلين فيه بين يدي قضية ما ،لن أسميها والذي اعتقدوه نور الحق قائم ينادي ،لن أحددها وأنت باحثة بين طياتها في كل بقعة علم في المدينة.
- ربما أخطأ الرامي الهدف ،ربما قصد شخصاً آخراً.
نظر المحقق صوبها نظرات نافذة ،وقال:"هكذا إذن ،تفسير منطقي شكراً لك ،سأغادر الآن".
ولقد عرّج على منزل الحبيبة في المساء فاستقبلته بغير ترحيب كثير ،قال لها ليجذب اهتمامها:"بشأن بحث الشرطة حول ابنك إلياس..تأكد أنه لم يخترق سبيل البحر ،والبر أيضاً..وأنا أرى أنه لم يغادر المدينة". لم تزد على مقالته بكلمة وظلت ترقب الفراغات بين ألواح الأرضية في شرود كبير حتى قال:"نعم السيارة لا تستثنى من هذا ،إن ثبت أنه ركبها في رحلته" قالت بعد أن انتظر حديثها طويلاً:"ليس عليك أن تحتمل مشقة المجيء ،كنت سأمر بالمركز على أية حال"
- لا عليك ،إن هذا وجب عليه أن أقدمه. كأني أستمع إلى شخير مريض(ثم سكت طويلاً وأصغى ،فنهض) قال: ليس من طبعك استقبال الرجال ،أم إلياس هل تؤوين أحداً؟
فنهضت بدورها في استعجال وحرست بجسدها الباب وقالت للمصر حين اقترب منها:"إن كنت تحبني فلا تفعل". وأطل بنظره في ناظريها فسرت في عروقه لمحة التوسل التي حدجته بها في حرارة ،فتراجع محجماً عن عزيمته كشف النائم وقال:"هل..تتزوجينني إن أنا التزمت بطلبك؟" قالت بملئ فيها:"أفعل ،أفعل هذا" فابتعد أكثر وهو ينظر في غير ناحيتها قائلاً:"انسي ما قلت..سأذهب الآن. استطيع أن أساعدك إن كنت واقعة في مشكل ما ،اعتمدي علي..أريد أن أقول لك أني أحب أن أقوم بهذا فامنحيني فرصة القيام به" فلما أن توارى وراء الباب ارتاح جسدها واطمأنت عضلات وجهها المتقلصة وسكن فؤادها في موضعه. وما إن رأت النائم يقظاً في غرفة المعيشة أمامها حتى خفت إليه وهي تقول:"أنا لا أستطيع إخفاءك أكثر من هذا. في طرف النهار أتاني رجل وعرف بوجودك. أنا آسفة انج بنفسك. إنني امرأة بسيطة لا أعلم عن نزاع الفريقين شيئاً". فنظر تلقاءها واتبع النظرة النظرة فعلم ما في وجهها من خوف ،هذا الخوف كان في أكثره منه هو ،فإذن لم تطمئن إليه. وليس لرجل مطلوب طرق باب امرأة آخر الليل فآوته أن يطمع بأكثر من هذا ،فإنه ممتن إليها وأراها ما رأى:"سأبقى في كنفك بقية الليل وأرحل قبل الشروق. أفترضين بهذا؟" فسكتت راضية وذهبت إلى بعض شأنها فانتظر في الأريكة مقلباً رأياً وآخر حتى دعته للعشاء فهب إليه. والتقطت قطع الطعام بسرعة وكأنها تريد هرباً من مواجهته إذ قالت وهي ترفع طبقها عن المائدة:"أنا..آسفة..آسفة لأجلك" ولم يجبها ولم ينظر ناحيتها ولكنه فكر كم وجهه ينشر الخوف في جنان كل إنسان قابله غير..تلك الصبية البيضاء قد نشر في صدرها شعوراً أجمل. ولقد برّ بوعده فمضى وثوى إلى الخان الذي أودع فيه ناقته فحل عقالها وهم أن يمتطيها لولا أن لامس أذنيه صوت خطوات حذره على السلم المتواري خلف الجدار ،فتحفز رافعاً سكينه وربت بيده على رأس ناقته فسكتت وحدق بعينه ناحية الحائط القديم ،فبرز من ورائه رجل شرطة يضع كفيه في جيبي سرواله ويرتدي نظارة تلتمع بشدة تأثراً بخيط النور من ثقب صغير. قال هادي بصوت مرتبك:"من أنت وماذا تفعل هنا؟" وأجاب الرجل بلهجة متكبرة:"صدق عقلي إذ أرشدني لدنس أثر لكم هنا. هه..أنصار لكم في المدينة!" خفض هادي سكينه متعجباً من وثوق الرجل وهو يغادر المكان بغير تحرز منه فأوقفه مهدداً ونظر إليه الآخر بتحد كبير. قال لهادي وهو يرفع نظارته ويزيح شعره عن ناظريه:"سواء حياتي ومماتي فاتصالكم مفضوح ،ورائحة فقدي أو حضوري ستشير إليكم ،وإليك" وخرج بهدوء يسير على قدميه إلى المكان الذي قد جاء منه. أما هادي فقد ارتحل إلى قومه مسرعاً تاركاً خلف ظهره عتاولة المدينة بكل خططهم وعدتهم ،سار حتى أصبحت المدينة في ليلها بضياء فاقع أصفر ،وواصل السير.
ولو أنه تأخر قليلاً إذن لحظي برؤياها إذ خرجت تطوف في الشوارع تسمع صدى رحلته. وتبعها شاب مهندم ذو طرف قاصر ولسان نظيف ،يبدو يسار صدره ذيل السلاح تستره أصابعه الطويلة وخطواته الهادئة. وانتظرها حتى فتحت باب مسكنها الجديد وهي تفرز وتبحث في المفاتيح بصبر شديد. وانتظر أخرى حتى دخلت واختفت تماماً في أركان المكان ثم ألقى نظرة في الممر على اليمين والشمال وتقدم إلى الداخل. ولم تكن الفتاة حينئذ تصنع شيئاً لهذ انضمت إليه في حديث بطيء تخللته فترات صمت كثيرة. أفادته أنها لن تخرج اليوم ولكن متاعها آت بعيد الظهر. ثم ألمعت في انتباهه أسفاً واعتذاراً أنها استعملته لحماية العائلة ،عندها قال:"إنه عمل كلفتني به شرطة المدينة ،ليس عليك جُناح ،ليس عليك حرج" ثم راح يحدق في جدول عمل الساعات القادمة على شاشة صغيرة يحملها في راحته. ورأى القلق ظاهراً في عينيها الشاخصتين اتجاهه ،فقال بنغمة صوته الساكنة:"ربما عليك أن تخلدي إلى الراحة. سأكون في استقبال والدك" ردت بابتسامة مع نظرة ممتنة وقررت الاختفاء في غرفتها وأن تسمع وتبصر أنباء الفريقين وأن تبعث كلماتها إليهم. كتبت في المكان حيث يقرأه الجميع:"إنني التقيت بسجينة القضية ،إنها تتلقى عذاباً فظيعاً لم أجد له مبرراً في مثل جريمتها إذ آثرت الصمت على الاعتراف بمزهق الروحين في دار الشيخ أتانا بعلم جديد. سأنقل لكم ما رأيت بأم عيني ،في زنزانة مظلمة تخضع لقوانين الحبس الانفرادي وساعات التعذيب تزيد عن نصف يومها ،ولا يسمح لها الآن بمقابلة الزوار حتى جلسة الحكم التالية. هذه الفتاة لم يثبت تورطها في جريمة القتل الثنائية وهي تدفع إلى قبرها دفعاً من غير ضابط أو شرط. وأما الطفل الذي يتأكد كثيراً لدى المحققين أنه القاتل فهو مختف منذ يومها والممرضة تدفع ثمن اختفائه. ضموا صوتكم إلى صوتي ولنسعى إلى تحرير هذه المدينة من الطغاة ،سأكون هنا مغرب كل يوم. إلى اللقاء".
وهطلت عليها الرسائل فور انتهائها من الإرسال فتقافزت عشرات الإطارات إلى الشاشة أمامها ،وغمرت المكان أصوات التنبيه تترى صوتاً بعد آخر ،واجتمع صوتين معاً. وعجزت أصابعها أن تعبر بسرعة عن مكنون فؤادها وفكرها وارتبكت على أثر الصوت السريع المستمر ،واسطاعت أن تتخير سؤالاً فترد عليه ،كان صاحبه يستفسر عن هويتها ،ثم يسخر من أسلوب المحاماة السخيف الذي اتبعته في كتابة طلبها ،قال:"ماذا تعتقدين بخصوص فرد يرفض الاعتراف؟ أو أنك ترمزين إلى شيء آخر! يظهر لي أنك صافية السريرة حتى تطلبين من الناس أن لا يؤذوا ثم تحمين الذين تأذوا..العالم الذي تطلبين غير مسموح له بالنشوء ،هل تريدين للمجرم أن يفر من عذابه؟ حجتك واهية ومناشدتك مردودة عليك. مرة أخرى من أنت؟؟".
إنها أرسلت رداً قاسياً قالت فيه:"لا تهتموا لهويتي سموني إن شئتم باحثة عن الحقيقة. أجزم أن الممرضة تتلقى العذاب الأليم بين معذبات صدورهن مليئة بالحقد ترفع أيديهن السياط بأمر خاص من لسان أعلى ،يقلب الناس على جانبيه كقطع الطعام.."
ثم قامت من مكتبها ولم ترجع ،وأرادت أن تفتح الباب فبادرها من الخارج الحامي ونكصت على عجل. صاح:"ما يجري هنا؟ سمعت أجراساً تتلاحق ،هل تراسلين أحداً؟"
- هل ذلك ممنوع.
- لا ولكن..كوني حذرة حتى لايتعقبك إلى هنا ،أنت مطلوبة. لقد وصل والدك.
فامتدت عينها تنظر إلى انعكاس صورة الأب فوق زجاج الشرفة الكبيرة ،فعبرت ممر الغرف بخفة وحلت قريباً إليه. كان عاكفاً على قراءة أوراق في يده وقال حين أبصرها أمامه:"مرحباً" فجلست قبالته ولم تتكلم ،وجلس الشاب قرب الشرفة ينظر إلى الخارج. ولم يمكث الثلاثة غير قليل إذ تعشوا وأووا إلى فرشهم ،واستيقظوا مع الفجر. ولم يكن طعام الصباح جاهزاً مما جعل الشاب والفتاة يعملان في المطبخ لجزء من الوقت ،وأقبل الجميع على وجبتهم بشهية كبيرة. قال الأب لابنته حين شاءا مغادرة المكان:"استمتعي بعطلتك مع هذا الشاب اللطيف..أو أنك تفضلين رجلاً آخراً!" وترك النفر مسكنهم في سيارة تنتظرهم ،فتولى الأب الطبيب إلى شغله وابتعد الاثنان يسلكان دروب المدينة ويستريحان في حدائقها المتناثرة. كان الشاب يتحرك طوعاً لأمر الفتاة الماشية أمامه وينظر طويلاً في كل شيء ،ثم إن أي حدث كان يلفت انتباهه ويجعله في حال من التحفز. ولقد حذر الفتاة لما وطأت بقدمها حيا للمتشردين فأبت أن تستمع له وقالت:"أنا هنا وهناك ليخرج إلي متقصدي فأُفهمه. سأبرز حضوري في كل زقاق وضيّق من شرق المدينة ،وغداً إنني في غربها..سأتكشف في كل مكان" وحطت قدماً على الرصيف فهوت بحجرين من مادته فترنحت وكادت ان تقع ،وهبّ الشاب إليها ناصحاً:"انتبهي ،السبل في هذه الأحياء رديئة". شكرته وانخفضت تلتقط أحد الحجرين ونظرت أسفله وأعلاه وقالت:"هل تصدق أن جسد الإنسان شبه من هذا" ثم ألقته من قرب إلى الأرض فلم يتبعثر إلى أجزائه ،والتقت بعمال الصباح الجالسين وبنساء يطعمنهم على عجل ،وبأطفال قذرين يركضون جوارها ويتسلقون المساكن الصغيرة على الجانبين ،وحدق الناس حولها بها وبالرجل الذي يتبعها بإصرار شديد ،وكان بوسع التابع أن يرى ارتعاش كتفيها في وضوح أمامه. وحين واصلت خطواتها التقدم نهاها آمراً إياها بالرجوع قائلاً:"هذا المكان يتقلب فيه أشباه الأموات ،لا يجدر بك أن تلجي إليه" فعارضته إذ دخلت وشاهدت أجساداً راقدة لها شهيق وزفير ،وانحنت تريد جلب شيء انزلق عن صاحبه الراقد في منحدرات الأرض غير الممهدة وقربته إليه. فحدقت بها أعين كليلة لرجل ضعيف ،قالت:"تفضل إنه لك" فلم يأخذه. فقهقه بقية الراقدين وهم يرددون:"مات ،قد مات قبل أن يأخذ حقنته!" ثم ألقى كل منهم إبرته بعيداً وفهمت الفتاة مطلبهم ،فلم تجب. وكان قفاها آخر صورة رأتها بعض العيون ،إذ لم تر بعدها أي شيء. قالت بحزن شديد لما آووا إلى أوراق شجرة معمرة يبتغون حرزاً من هبات الزمهرير المتلاحقة:"لا ريب أن ما رأيت من أسوأ ما صدقته عيناي في حياتي. أنفاس تختنق هناك تحت وخز الإبر الملوثة بوباء صنعته المدينة ونشرته بين أهل المدينة ،إن من بثه في دماء الناس يراقب من علو الآن ،ضاحكاً جالساً إلى كؤوسه" "لأي سبب يدفعون الناس إلى اليأس ،إلى حتوفهم. كأني به ينظر إلى تظالم خلقه من فوق السماء ويسمع ضجيجهم ،أفترى أن مجرماً هرب من غرب المدينة إلى مركزها فتوارى في الحشد أنه عالم به! ذلك أنه يعلم السر وأخفى".
ولم يكن الرجل يستمع لحديثها إذ تتحدث ،بل كان متوتراً تنطق لواحظه بالحذر الشديد. سألته لِما لاحظت من انشغاله وشرود صوابه:"أهنالك ما يقلق؟"
- لا شيء. يبدو شخص مريب يحوم حولنا الآن.
- أتعني صاحب السترة الرمادية..ذلك مراسل مأجور يتنقل بين مكاتب الصحف ،كان معنا لأسبوع سابق. يبدو من الشرق.
ثم جالا بعد الاستراحة القصيرة حول عدد من معالم المدينة بسيارة مستأجرة دفعا لصاحبها قبل أن يترجلا منها إلى تجمع للدارسين أمام جامعتهم ،وعبرت الفتاة بين الصفوف وهي تبتسم ناظرة إلى كل وجه ناظر أو لا ينظر إليها. والتابع يحدق في أثر الشر في وجوه بعضهم وأنوار الطيبة في غيرهم. واستقلا آخر ما فعلا سيارة أخرى أخذتهما إلى البيت. ولقد أوشك الوالد على الوصول لولا أن عزم البقاء ساعة الفصل بين الفترتين في مقر العمل ،ليقدم الحارس لاصطحابه في الثامنة بعد انتهاء ساعات المساء. فتولت الفتاة إلى مخدعها واستعد الشاب جانب الشرفة لأي طارئ تهجمي بالدفاع. ولقد أصابت الفتاة سنة من الغفلة وتيقظ وعيها على صوت رجل غريب ،عرفت في وجهه بعد ذلك المراسل في الحديقة ،وابتدرها السؤال فقال:"تبدين مطمئنة هنا" فوثبت من الكرسي وركنت إلى الحائط البارد وصرخت:"ماذا حل بحارسي؟" فابتعد الغريب جانباً وتمكنت من رؤية يده الممدودة من باب حجرتها الموارب ،فأصابها الفزع الشديد. صاح بها المقتحِم وهو يدوس على أقدامها ويتقرب بوجهه منها:"أين هو صاحب الشعر الأحمر..أين يختبئ..أخبريني بسرعة" وارتعش ظهرها المستند إلى بارد فانتفضت شفتاها تلفحهما سَموم فمه اللاهبة ،وانزلق عودها إلى الأرض إذ خانته الساقان وعجزت أن تحمله. وصرخ فيها ثانية أن تجيب ،فلم تفعل فغاص فوهة مسدسه في بطنها ،فنكأ الجرح الملتئم وساحت دماؤه ثانية راسمة قرصاً ثم أكبر ثم أكبر. صرح الرجل الغريب بصوته الصاخب قائلاً:"كانت لدينا فرصة واحدة للإطلاق على جذعك عوضاً عن رأسك الذي يتحرك كثيراً. لكن الآن يمكنني أن أطلق أكثر من مرة في كل عضو من بدنك ،وأستمع. عليك أن تلومي الرجل خلفك الذي جعلنا نميزك من علو الأمتار إذ ذهب ليقضي حاجته ،لكن هل تعلمين ،إن الحصول على ذلك المقعد لم يكن بالأمر الهين. شكراً لقاطع التذاكر". وابتغت السؤال في استهدافها بدلاً من صاحبها ،لكن لسانها لم يستطع حراكاً ،وسلاح الرجل يغوص في أحشائها من غير رصاصة. وأبى حلقها إلا صراخاً وارتج المأوى الصغير بنداء الاستغاثة العاجل ،وليس من قريب. ولقد وصلت إشارة الحارس إلى الشرطة بسرعة وأخذ طريق حضورهم دقائقاً هي قدرة الإنسان ،وحين اقتحامهم المكان ألقوا نظرة خاطفة على الجثة في الوصيد ،وشقوا طريقهم إلى غرفة الفتاة المضاءة. ركل أحدهم الباب بحذائه مفاجأة ففزعت الفتاة وصاحت:"لم..أفعل هذا.. صدقوني..أحدهم كان هنا..فعل هذا بقوة بالغة". كانت حروف الفتاة المتقطعة المندفعة من بين شفاهها القانية التي تحولت تدريجياً للأزرق غير مسموعة في قلوب الرجال ،فهناك عميقاً في القلوب خوف شديد. يستحيل على بشري أن يصنع هذا ذلك ما تردد في صدورهم ونظرات التعجب البازغة من عيونهم. كانت جثة مقسومة إلى نصفين أمامهم أيمانها شطراً منفرداً و أيسارها شطراً يرقد بعيداً عنه. ولقد حضر المفتش البليد الذي استجوبها وهي مريضة بعد رجاله بخمس من الساعة فاستقبله أحدهم حاملاً الفتاة فاقدة الوعي. قال بسرعة:"تحتاج لنقل دم ،يجب أن تعالج على عجل". فتجاوزه المفتش ونظر إلى داخل الغرفة فصرخ راعباً من هول ما أفجعته به عينيه ،ولم يقترب أكثر. وفي اليوم التالي لقد زار الشقة التي لم ترفع منها الجثتين المحققان العاملان على قضية واحدة ،وبادر علاء صاحبه سؤالاً:"أنت تعرف هذه الفتاة أكثر مني. هل ألمحت إليك بجماعة أو تنظيم يا ربيع؟". فأجاب المحقق فاحصاً بعينيه الشقين المتباعدين:"ألم ترعبك الجثة؟ لا تبدو القتلة بيد البشر" رد علاء برتابة:"قطعة صغيرة من المفجر تفعل هذا. لا أراه معجزة"
- أما تساويهما دون عرج أو عوج؟ كيف أمكن لقنبلة تفعل هذا؟ يا صاحب القلب القاسي.
- أخبرتك أن قلبك سبب فشلك..ألا تتعظ؟
فأطل المحقق ربيع في عيني صاحبه بغضب ثائر ،وتحدث مدير فرقة المختبر الجنائي قائلاً:"الملاحظات المبدئية ،أن الجثة فارقت الحياة قبل أن تقتل فعلياً..ربما من الخوف ترونه واضحاً في وجهها ،لهذا لا وجود لدمِ غير الفتاة المهاجمَة ،ولقد ساعدت برودة الجو في احتفاظ الجثتين ببعض خصائص خمس ساعات فائته وتطابقت بعض أبحاثي مع أبحاث الفريق الأول هنا الذي تولى رفع الأثر". سأل المحقق بسرعة:"شكراً أيها الرفيق ،أخبرني هل لقنبلة أن تفعل هذا؟ تمام النصفين من غير عوج؟".
- إني أجده غريباً..بالنسبة لسؤالك إن القنابل تلقي بالأشلاء في كل مكان. فما أراه هنا غير مألوف.
فاقترب منه المحقق وقال بصوت هادئ:
- ألا تبوح لي بمشاعرك؟
وتحرك علاء إلى نقطة أخرى ليفحصها وقد زم شفتيه في امتعاض شديد ،وزاد حين سماعه اعتراف رجل المختبر قائلاً:"يبدو مسرح الجريمة في غير أرض الناس".
أما الفتاة المصابة فقد اعترتها نوبة صراخ أجلت عمل المحققين ،وكانت تسقى في وريدها عشرات المهدئات في اليوم الواحد. وكان لجسدها السكون بعد أيام فأتى فوج للسؤال ومنع ،ولم يسمح إلا لرجال الشرطة بالدخول ،وبقي رجال الخبر في الأروقة والممرات ينتظرون إذنا بذلك. سأل المحقق في القضية أولاً ولم يتدخل علاء وصاحبه في الكلام بينهما لبعض الوقت.
- أريدك أن تسردي وقائع تلك الساعة بالتفصيل ،كل شيء ترينه حقيراً أذكريه ولا تؤاخَذي..كل شيء.
وأجابت الفتاة في صوت مرهق وظهر الهم جلياً في وجهها وهي تقول:"دخل الرجل مفاجأة فاستنكرت ،فمددت ببصري إلى حارسي فإذا هو قد قُدر عليه ،ففزعت. لقد غرس سلاحه في جسمي عميقاً..وكنت أتألم وأستنجد. أحدهم جاء إلي ،لم تقو عيني على رؤيته فإنني فقدت كثيراً من دمي. سمعت صوتاً هائلاً وخيل إلي أني الوحيدة التي تسمعه. ثم..رأيت اللص في الحال التي رأيتم..وعاد إلي بعض وعيي"
- حسنا يا آنسة هل طلب اللص منك شيئاً؟ ولماذا قصدك برأيك؟
أطرقت الفتاة تفكر ثم قالت بتردد:"لا أعلم يا سيدي..لم يطلب مني أي شيء"
- ألم تسمعي شجار الاثنين حين الاقتحام؟
- يبدو رجلاً محترفاً ،ربما فاجأ الحارس وقتله قبل أن ينطق.
- ولكن الحارس أرسل الإنذار إلى المركز.
- ربما فعل وفي يده بقية الحياة.
- حسناً ،ألم يلمح اللص بشيء عن راميك ذلك اليوم؟ أي كلمة من قريب أو بعيد.
- لا يا سيدي أخبرتك..لاشيء.
وتبدل وجهه البليد إلى نظرة غير معتادة من عينيه وهو يقول:"إن كنت تكذبين ،فسيتضح ذلك مباشرة إبان عملية التحليل..أستطيع أن أقول لك أنك تسترين بعض الحقيقة في عدد من إفاداتك..أتعلمين يا آنسة ذلك جلي جداً!". ثم نهض بتثاقل وهو يقول لرفيقيه:"اقتسما الوقت الباقي بالنصف ،لا يسمح لنا بتجاوز الساعة". فتقدم الاثنان إليها وجلس المحقق وظل الآخر واقفاً ،قال وهو يمد يده مصافحاً:"يؤسفني أن وجهي أول شيء ترينه بعد تماثلك للشفاء ،أعذريني" "لدي سؤال واحد فقط لماذا لم يقتلك اللص فور وصوله أو أنه انتظر منك أن تخبريه شيئاً؟". فبدا الارتباك في حركة أصابعها ولسانها ،ولم تفصح بشيء فقال:"سأغادر الآن ،يبدو أنك تواجهين صعوبة في الكذب أول مرة". وتبعه رفيقه فغادرا الغرفة ورحلا إلى الخارج. وتحدث المحقق إلى صاحبه علاء في شيء من التوتر:"يا لها من جريمة هادئة ،لا أحد قد سمع شيئاً". والتفت الاثنان على حين نداء العاملات وصراخ بعض الأشخاص فوجدا الفتاة تعدو من خلفها عجلات المغذي تصدر صريراً عالياً في بهو المكان الواسع. وصلت إليهما وسألت وهي تلهث:"متى ستقيمون جنازة المقتول؟ دلني على عائلته إذا سمحت" رد المحقق وعلامات الدهشة في محياه واضحة:"ليس لدي علم بهذا. لكن الرجل لا يملك مدخرات كافية لذا..أعتقد أنه سيرمى في قبره بثيابه فقط". وشهقت الفتاة وهي تقول:"لا..سأكرم الحارس الذي قتل في بيتي".
- حسناً إذن قدمي طلباً بهذا.
- بخصوص العائلة كيف هم؟
- لا أعلم عنهم مثقال ذرة.
وابتعد المحققان وهما يتحاوران قال علاء بصوته المتعالي:"ذلك الجندي الأحمر التقيته في وكر على الحدود ،مؤكد أن في المدينة معاونون"
- كيف فعلت هذا؟ أعني..لماذا بحثت هناك.
- إنها طريقتي في حل العقد. جميعنا نعلم أن أولئك يتجولون في المدينة وليس يمكننا أن نكمن لهم. من سوء الحظ لم يكن يسمع الجنود صوتي إن ناديت فقد فر الرجل من بين يدي.
- هل قوات الحدود بخير؟
- لم تكثف منذ ابتداء القضية ،سنرسل اقتراحاً بهذا.
- أعتقد أنني بدأت انسجم معك.
- ................................
إن ما قدمه علاء إلى مديره الأسمر كان زاخراً بالجديد على عكس ربيع ،فقد قدم ملفاً بصور الصبي المفقود مع المعلومات التي باتت تؤخر القضية التي تسير بسرعة الآن. ولم يهتم بمديح المدير لصاحبه والعلاوة التي حدثه عنها ،فقد أصبح ينظر لأكبر من هذا. يخبره قلبه اللين أن هناك شيء لم يعلمه ،ويجب أن يعلمه.
إلى الفصل الرابع عشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس