بحر الأشجان
اهداء هذه القصيدة
( لكل نفس ٍ انسانية هدَّها الاعياء و التعب , و نالها الارهاق و الكرب , و اعتلاها قدر من الاخفاق و الشيب , الى النـّفس التي حطـّمتها الأوهام , و تفلـّتت عنها الأحلام , و غاب عن آفاقها الاعلام , و تسلطت عليها الأيام , لولا رحمة الرحمن , و يقظته تعالى رب الجنان , وعنايته التي عمت الأكوان ..... إلى النـّفس التي تحتاج الى الغوث , كحاجة الصحاري الى الغيث , تستغيث مما نالها من العيث , فغاب عنها العقل , و عذب عنها العدل , إلى كل نفس يسغيث صاحبها بعد أن خابت مساعيه , و تاهت مراميه , و اقفرت مراعيه , و هدمه اليأس , و تيارالبؤس , و نزع عنه الخير , و حل محله الشر , و صار في عيونه الهم , وفي دروبه الغم , و انفلت منه النهار , و تملّكته طلائع الاقفار , حتى صار قطعة ً من النّار , و تخلـّى عنه الليل و قد أدبر , و الصبح و قد , أسفر , فما عاد يرا له أملا ً في الحياة , أو دربا ً للنجاة , حتى كاد ييأس من روح الله , أو يقنط من رحمة الله , التي لا يقنط منها الا القوم الكافرون , و الكفرة الفاجرون , و الذين في قلوبهم مرض و المشركون .
..... الى النفس التي ضاق عليها الكون الرحيب , و صارت تتشبث بالنحيب , توالت عليها الخطوب , و ليس لها صبر أيّوب , فقط لأنها حلمت بحال أفضل , أو وطن أجمل , كأنها تمنـّت شيئا جللا , أو أمر ذللا , فجوزيت عن كل خير شر , و كل حلو مر , فرد كيدها في النحر , فلا حول و لا قوة , و لا نصر أو قدرة , الا بالله العلي العظيم , القدير الحكيم , العزيز الحليم , الواحد الكريم ......
لعل تلك الأبيات تكون تعبيرا عن المشاعر بالشعر لوصف الوحدة المؤلمة , واللوعة القاتمة )
( من البسيط )
يروعُني بحر ذي الأشجان بالحَزَن ----- و ُتفصحُ العين عن هـمِّ ُأداريه
يحوط قلبي شجونٌ ملئ أوردتي ---- و حَــفنة ٌ من هموم الدَّهـر ُتبْـليه
أنينُ أشجــان ِذا قلبي لها وطـــنٌ ---- أخالني لست أنجو من أفاعيه
فالدَّمع محبوسُ إذ ذا الجـفن يَحْرسـه --- و القلب في َكبَدٍ و الحزن يَرويه
و هل أقول كأنِّي هالكٌ كمدا ً --- من ذلك اليأس ما بانت مجاليه
قلبي أراه ضريرا ً كلـُّهو وَجَـعٌ ---- فلا دواءً و لا طبا ً يداويه
و ذلك اليأسُ قد أرسى مخالِبَه ---- في مُضْغة القلب حتى صار يُدميه
فالشـــرّ كالصَّرْح ِ إذ يعلو بلا كـَلـَلٍ ---- و الخير في تعبٍ قدْ ُذلَّ بانيه
تلعثمَ الحظ ُّ حتى صــار يرتطم ---- بغضبة الدَّهـرِ لا قاض ٍ يُقاضيه
و ذلك القلب صلـَّى في محاربه ----- و يطلب النـُّورَ كي تبدو معاليه
هل يبصرُ الضَّوءَ في الأفاق ينقشع --- أم يُعْذل القلبُ إن ماتت أمانيه
أُعَلـِّل القلبَ و الأحزان ُتشـْـعله ----- بلدْغة الحُزْن قـد تبدو مراثيه
بيني و بين شُجوني أيُّما نَسَــبٍ ----- و ذلك اللـَّوع ِردْفي كيف أرميه
فحاملُ الرُّوح مأســورٌ ِبحَيْرته ----- و صاحبُ اللـُّبِّ قد خابت مساعيه
أعانقُ الحُزْنَ حتـَّى كاد يُعْتصَرُ ----- و لوْعة ُ القلبِ ما انطفأت و تبْغيه
كأنـَّه البحر إذ تغلي أعاصِرُه ----- يُدْمي الحنين و لا يرْحمْ أعاديه
فذاك إعصار لا يُبْقي ولا يَذرُ ----- سوى الشُّجون فترعـى في مراعيه
بصفـْحة الدَّهر أطلالٌ و قد وُرِيَت ----- إذ رامها الموتُ كيف الموتَ ُنقـْصيه
لو أبصرَ الدَّهرُ إنسـانا ً به الأمل ----- لجرَّهَــو كـَدَرا ً في اليأس يُرديه
لو كان في الكـَوْن آمالٌ لِمُبْتئس ٍ---- مثلي لعاش و ما غابت مراميه
إن كان للطـَّيف أبصــارٌ لِتلحظـَني ---- لرقَّ لي بل و لا خابت مشافيه
لو ُتدْرك الرِّيح آلامي و ما هدأت ----- تعتلُّ تـَرْضِية ً للقلب ُتهْـديه
أناجي اللـَّيلَ حتَّى صرتُ صاحبه ----- ُأســدِّدُ الحُزْنَ في مرمي دَواجيه
أخاطبُ الزَّهر حتـَّى خِلْتُ دِمعته ---- على جبينه تسري كِدْت ُأبْليه
لو كان للشَّمـس آذانٌ لتسمعَني ---- لكنتُ أوَّل من يـروي مآسـيه
و غضبة ُ الدًّهر لا تهدا فتصْفـَعُني ---- و صيْحة ُ اليأس قد ضاهت أقاصيه
و غُصَّة القلب لا تخفى فتصْرَعَني ---- و غَيْهَب البُعْدِ بالأحزان يُقـْصيه
رُوحي أراهـا بعين النـَّاس موحشة ً ---- َتصيحُ في التـَّيه تاهت في بَواديه
تلك الخطوب كأنَّ الدّهـر هندسها ---- مثل الجحيم فتـُزْكي ما أعانيه
فالقلب غارقُ بالأشــجان ما التئمَ --- و شُعْلة اليأس ِ لا تهدا ُتصفـِّيه
يطوق للكأس من سُـكـْرٍ فيطـْلـُبُها ---- لكنَّ َنبْع شُجوني ذاك يُظـْميه
عُنـْوانه الحزن ذاك الحزن يدمغـُه----- و اليأس يدركهو بالسُّكر يُعميه
فاللـُّب ييبسُ و الأيــَّام تحصدُه ---- و الرُّوحُ حُبْلى بذي الآلام ُتغويه
أكاد أملِكُ قلبا ً لسْـتُ أملِكـُه --- فلا خواطرَ أو سـلـْوى ُترَاضِيه
و طائرُ الحُزْنَ قد طار (ا) بأجنحةٍ ---- ليذبحَ القلـْب بالأنـَّات يَرْويه
أرى هُمُومي كمثل الكـون تتـَّسـعُ ---- بل ضاقَ ذا الكونُ بالأحزَان والتـِّيه
هل َتشفي الكأس إن قاربتـُها ألما ً -----أو هل سَتـُشقيه أم كانت لتَشْفيه
لعلها اليوم ُتهـدي القـلب حِكـْمته ----- فـيرويَ القلب عـن ُظلم ٍ يُعانيه
فالحزنُ من أرقي كالشُّوك في حلقي ----- و القلبُ في قلق ٍ إذ فيه ما فيه
فهاتِ ذي الكأس عَلـِّي اليوم أشربُها ---- كي ُتذهَبَ العقلَ ذا إذ ْ عزَّ حاليه
رقم الايداع 10124 / 1432