ملوك كِندة -2-
عرفت كِندة " بكندة الملوك " ربما لأن الملك كان لهم على بادية الحجاز من بني عدنان حيث أنهم نصبوا أولادهم على القبائل ولأنهم كانوا يتعززون بنسبهم إلى كندة وإلى آكل المرار وذلك لأنهم كانوا ملوكاً ولأنهم ساسوا العباد وتمكنوا من البلاد.
ومملكة كندة كانت أقرب ما تكون اتحاداً فيدرالياً قبلياً تشغل فيه قبيلة كندة مركز القوة والصدارة وتتولى فيه الحكم أسرة من أسرها.
الأول : مرتــع بن معـاوية بن ثـور:
واسمه عمرو ولقب بمرتع لأنه كان يقال له أرتعنا في أرضك فيقول قد أرتعت مكان كذا وكذا. ويقول المؤرخ اليعقوبي : هو أول ملوك كندة بعد أن تأسست في حضرموت فملك عشرين سنة ، ثم ملك ابنه ثور بن مرتع إلا أنه لم يلبث إلا يسيراً حتى مات، فملك بعده معاوية بن ثوروبعده الحارث بن معاوية بن ثور ودام ملكه أربعين سنة، ثم ملك وهب بن الحارث عشرين سنة .
الثاني : حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية:
كان ملكهُ عشرين سنة وهوالذي حالف بين كندة وربيعة العدنانية. وآكل المرار هو أول من دانت له الرقاب وذللت له الصعاب واتسع نطاق ملكه بجزيرة العرب حتى كان لكندة الملك باليمن والحجاز والبحرين والمشقر ودومة الجندل ونجران وغمر ذي كندة واليمامة وغيرها
إن السبب الذي إتسع به ملك حجر هو ما ذكره الكثير كابن خلدون من أن حجر آكل المرار كان أخا حسان بن تُـبّـع لأمه فلما دوّخ حسان بلاد العرب وسار في الحجاز وهمّ بالانصراف ولّى على معد بن عدنان كلها أخاه حجر بن عمرو هذا وهو آكل المرارفدانوا له، وسار فيهم أحسن سيرة. ذكر هذا ابن خلدون نقلاً عن الطبري عن هشام بن محمد الكلبي وما ذكره أبو الفرج الأصبهاني قال : أخبرني بخبره - يعني آكل المرار - محمد بن الحسن بن دريد إجازة قال : حدثني عمي عن ابن الكلبي عن أبيه، عن الشرقي بن القطامي، قال أقبل تبع أيام سار إلى العراق فنزل بأرض معد، فاستعمل عليهم حجر بن عمرو وهو آكل المرار فلم يزل ملكاً حتى خرف وله من الولد عمرو، وهو المقصور ومعاوية وهو الجون.
و ذكر المؤرخون أنه في أواخر القرن الخامس للميلاد اتجه حجر بن عمرو إلى قلب نجد وانتزع جانباً من الأرض التي كانت تحت سيطرة المناذرة ثم نزل مكان يدعى بطن عاقل (جنوب وادي الرمة على الطريق بين مكة والبصرة) .
وحجرهذا هو حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مرتع وحجر في معظم الروايات هو أول ملوك كندة منذ أن نزل ببطن عاقل وكان السبب تملكه بنجد أن سفهاء بكر بن وائل كانوا قد غلبوا على عقلائها وغلبوهم على الأمر وأكل القوي الضعيف فنظر العقلاء في أمرهم فرأوا أن يملكون عليهم ملكاً يأخذ للضعيف، من القوي، فنهاهم العرب، وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم لأنه قد يطيعه قوم ويخالفه آخرون فساروا إلى بعض تبابعه اليمن وكانوا للعرب بمنزلة الخلفاء للمسلمين وطلبوا منه أن يملك عليهم ملكاً فملك عليهم حجر بن عمرو آكل المرار فقدم عليهم ونزل ببطن عاقل وأغار ببكر فانتزع عامة ما كان بأيدي اللخميين من أرض بكر وبقي كذلك إلى أن مات فدفن ببطن عاقل.
فلما مات صار عمرو بن حجر آكل المرار وهو المقصور ملكاً بعدأبيه. ولقد عرف حجر بن عمرو بآكل المرار وسمي آكل المرار أن بعض أمراء غسان خالفه في بعض غزواته فاكتسح له مالاً وسبى له جارية وأوغلوا بالجارية يريدون المال خوف التبع، فأقبلت الجارية تلفت، فقيل لها ما تلفتك؟ فقالت : كأنني بحجر قد كر بكم، فاغراً فاه كأنه جمل أكل مراً فلم يلبس أن لحق على تلك الهيئة فسمي آكل المرار.
ويعللون ذلك : أن حجراً قد سار بقبائل ربيعة لغزو البحرين فعلم بذلك زيادة بن الهبولة من سليح بن حلوان من قضاعة، فأغار على غمر كندة وقتل من وجد من الرجال، واستولى على الأموال وسبى النساء ومن بينهم هند زوج حجر نفسه، وما أن علم بهذا الأمر، حتى أسرع فأدرك زياد عند (البردان) فنزل على ماء يقال له (الحفير) على مقربة من عين أباغ بين الفرات والشام، وأرسل رجالاً ليأتوه بخبر زياد وهنا يعلم - عن طريق رجل يقال له سدوس أن هنداً إنما راضية عما حدث وأنها قد أجابت زياداً عندما سألها عن موقف حجرإنه والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر- يعني قصور الشام - وكأنني به في فوارس من بني شيبان، يذمرهم ويذمرونه.
يتبع