((( نظرة أخرى )))
هذه القصيدة:
تخالف هذه القصيدة طبيعة الشعر الجاهلي من ناحية و طبيعة شعر الصعاليك من ناحية أخرى:
فمن المعروف أن القصيدة الجاهلية تتناول موضوعات متعددة،ينتقل الشاعر من أحدها إلى الآخر حسب مقدرته الفنية و براعته في حسن التخلص،و أن أبياتها لا ترتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا،فقلما تتعاون مجموعة من الأبيات في تصوير خاطرة من الخواطر،و انما هي انفعالات متتابعة،يصور كلا منها بيت من الابيات و كأنه وحدة معنوية قائمة بذاتها،فما اشبه القصيدة الجاهلية بباقة من الزهور تضم كل الألوان.
أما هذه القصيدة فقد تناولت موضوعا واحدا شأنها في ذلك شان معظم شعر الصعاليك،
بدأها عروة بحوار بينه و بين زوجته التي تماريه في الغزو شفقة عليه و ضنا به،و لكي يستطيع اقناعها عرض عليها صورتين للصعلوك،و اتاح لها أن توازن بينهما و أن تختار الصورة التي تروقها لزوجها،و بعد أن اطمأن إلى حسن اختيارها و صواب حكمها،مضى يحدثتها عن الدوافع الانسانية النبيلة التي تحفزه للغزو.
فهي قصيدة ذات موضوع واحد يشرح فيها الشاعر مبادئ حركة الصعلكة،
و اهدافها،
و نظرتها إلى الحياة،
و يصور حملاتها و اغاراتها،
و يضع براعم فلسفتها الاجتماعية و نزعاتها الانسانية كما تصورها عروة و كما فرضتها طبيعة النظام الجاهلي قبل الاسلام.
و لا بأس في أن نجد شيئا من التكرار لبعض المعاني التي ألمّ بها عروة،و بخاصة في حديثه عن الغزو و دوافعه،فلعل ذلك لانه يريد أن يرسخ هذه القيم السامية التي يدافع عنها و يجاهد في سبيل بلوغها،ألا و هي اقرار شيء من التوازن الاقتصادي في المجتمع،و اذابة الفوارق الطبقية التي كانت تسود المجتمع الجاهلي،و التي جعلت الناس يستعبد بعضهم بعضا بسبب اللون و المال
( حتى جاء الاسلام فانتشلهم من بين براثنها)
فإنما خُلقتْ هذه النعم لا ليستأثر بها فريق من الناس دون فريق بل ليستمتع بها الناس جميعا
قد تتفاوت حظوظهم في هذا الاستمتاع
و لكن لا ينبغي أن يفرض الحرمان على احد.
و اما مخالفة القصيدة لشعر الصعلكة :...فمن حيث الطول و القصر،
إذ أن شعر الصعاليك في معظمه مقطوعات قصيرة لا ترقى إلى مرتبة القصيدة،و ذلك نتيجة كثرة اضطرابهم و قلة استقرارهم لقيام حياتهم على الإغارات التي لم تيسر لهم الإطالة في الشعر،فكأنما يخطفون خطفا كما يخطفون في غاراتهم التي يشنوها،
و ما هذه القصائد الطويلة القليلة التي وصلت الينا مثل هذه القصيدة و مثل لامية الشنفرى إلا مجرد استثناء يثبت القاعدة و لا ينفيها،
و الراجح أن هذه القصائد الطوال قيلت في ظروف مستقرة سنحت فيها الفرصة لصاحبها أن يطيل.
و القصيدة هذه تعبير عن فردية صاحبها و نفسيته كما هو الشان في شعر حركة الصعاليك،فلا نجد فيها اثرا لفخره بالقبيلة أو الاعتزاز بالإنتماء اليها ذلك انه و قد انسلخ عن القبيلة و نظامها و تقاليدها في سلوكه فقد انفرد عنها في تعبيره،
لذلك يعد النقاد الشعر الذي صدر عن حركة الصعاليك من الشعر الغنائي الصحيح الذي يعتز بالشخصية الفردية و مذهبها في الحياة.
كما أن هذه القصيدة تعد ايضا ذات مضمون ثوري،
لأن عروة أحس بالظلم الاجتماعي و الاقتصادي الذي نزل على بعض قومه،
فسعى ليكفكف دموع هؤلاء البائسين المحاويج،
و ليصونهم عن حياة الذل و الحرمان،
و ليعيد توزيع الثروة في المجتمع
بانتزاع حقوق الفقراء
الذين لا يجدون ما ينفقون
من ذوي الثروة
الذين يجدون
و لا ينفقون.
فهو كما يقول عنه الدكتور احمد امين:
( اشتراكي عملي لا اشتراكي نظري فحسب)
و بهذا الارتباط بقضية اجتماعية عاد عروة في شعرنا المعاصر رمزاً للمصلح الاجتماعي الثائر..
يقول (سالم الخباز) في قصيدته (عروة):
عجيبٌ أنتَ يا عُرْوَةْ
إِباؤُكَ ناصِعُ الـنَّخْـوَةْ
هَـزَمْـتَ الليْـلْ
لم تَـخْـشَ احْـتِـكَـارَاتِـهْ
و لم تَـأْبَـهْ بِـظُـلُـمَـاتِـهْ.