النهضه والتحديث
عمت مظاهر النهضة والبناء والتحديث في عهد الملك عبد العزيز كافة المجالات الدينية والإدارية والعسكرية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
وقد استفاد الملك من كل التنظيمات قديمها وحديثها ومزج بينها في وحدة عضوية متكاملة ومنسجمة من خلال تطوير تدريجي للتنظيمات الإدارية تزامن مع التطور التدريجي في تمتين الوحدة السياسية لأقاليم المملكة وخاصة أن المناطق التي تكونت منها المملكة كانت كما يقول الباحث الدكتور إبراهيم العتيبي في كتابه (تنظيمات الدولة في عهد الملك عبد العزيز) : ذات تجارب إدارية متفاوتة متباينة ومتنوعة، فانتقلت بها إدارة الملك عبدالعزيز تدريجياً من التعددية الإقليمية إلى المركزية، ولكن في شيء من المرونة واليسر... ولهذا بدأ التنظيم الإداري في كل منطقة بدايات مختلفة مستفيداً من التجارب المحلية في شكل مؤسسات قائمة أو في صورة خبرات للأفراد مكتسبة، لهذا كان التنظيم الإداري في الحجاز مختلفاً عما في بقية المناطق، وكان في نجد أبسط في شكله، بينما تقع المنطقتان الشرقية والجنوبية في منزلة بين هاتين المنزلتين. واستطاع الملك عبد العزيز في نهاية الأمر أن يطور ما كان في الحجاز وأن يطبقه تدريجياً في بقية المناطق حتى تماثل التطبيق في نهاية عهده أو تشابه.
وعلى هذا النحو تدرج التحديث من مرحلة البساطة وهي مرحلة تكوين نواة الدولة في نجد، إلى مرحلة المجالس بعد ضم الأحساء والحجاز، إلى مرحلة التوحيد الإداري لكامل مناطق المملكة في ظل تنظيم إداري موحد مصدره الجهاز المركزي للدولة، وأخيراً إلى قيام مجلس الوزراء وانتقال الثقل السياسي والاقتصادي إلى العاصمة الرياض.
ابتدأ الملك في الحجاز بإنشاء المجالس الأهلية في مكة وجده بطريق الانتخاب من أجل النظر في الشئون البلدية والصحية وترتيب أمور المحاكم الشرعية، والأوقاف وتعميم التعليم وحفظ الأمن والاهتمام بالتجارة وغيرها. ثم تم دمج المجلس الأهلي في المجلس الاستشاري لنائب الملك في الحجاز في عام 1926م وصدرت في العام نفسه (التعليمات الأساسية) ويقصد بها النظام الأساسي للحكم فيما يتعلق بالأمور الشرعية والداخلية والمالية والعسكرية والخارجية والمعارف، ونصت التعليمات على إنشاء مجالس هي مجلس الشورى والمجلس الإداري ومجالس النواحي ومجالس القرى. وفي 1931م تشكل مجلس الوكلاء، وأسندت رئاسته للنائب العام الأمير فيصل بن عبدالعزيز، وعضوية وكلاء الخارجية والمالية ونائب رئيس مجلس الشورى، وهم فؤاد حمزة وعبدالله السليمان وعبدالله الفضل وإبراهيم الفضل، وحمد السليمان وصالح شطا.
ومع مرور الوقت وتحسن موارد الدولة المالية بدأ التحول من مجلس الوكلاء إلى مجلس الوزراء بعد إحداث وزارات الخارجية والمالية والداخلية والدفاع والصحة والمواصلات والمعارف والزراعة، وصدر المرسوم الملكي في 1/2/1373هـ الموافق 10/10/1953م بإنشاء مجلس الوزراء قبيل رحيل الملك عبدالعزيز رحنمه الله بشهر واحد. وافتتح الملك سعود مجلس الوزراء في 2/7/1373هـ/1954م.
وهكذا شهد عهد عبدالعزيز إنجازات حضارية كبرى في شتى المجالات ظهرت ملامحها في تشكيلات رئاسة القضاء والمحاكم الشرعية والمجالس الإدارية ومجلس الوكلاء ومجلس الشورى وإدارة المقاطعات، وإنشاء الوزارات وتوسعة الحرمين الشريفين وتنظيم خدمات الحج وإنشاء المحاجر الصحية، وتأسيس المدارس ونشر التعليم، وتوطين البادية وتأسيس الهجر، وإنشاء الشبكات اللاسلكية وتعبيد الطرق وجلب السيارات والطائرات وإرسال البعثات الطلابية إلى دول العالم .