حصلت عائلتنا - الملاح - على اللقب من مهنتها القديمة. و ظل قاربها ذو المجدافين يطوى الماء لسنوات طويلة بين مرسى( النحاسين ) و ( محلة الأمير) على الشاطئ الآخر. فى كل نقلة كان يكتظ بخميرة نشطة من التجار و السماسرة و الجوالين و النصابين و العرسان. يكون بصحبة هؤلاء ماعز و سمك و خضروات و فواكه و بيض !
كنت صغيرا حينما أغلق الخط الملاحى حدادا على عمى الشحات أكثر العائلة حيوية , و حرمت النحاسين على أهل المحلة الذين اغتالوه.
صار المرسى مكانا للثرثرة فى مشروعات ثأر لم تكتمل أبدا, و فرت منه مظاهر الحياة عدا عمود الحديد الصدئ الذى ما انفك يقاوم حتى لا تبتلعه الأرض , و بقايا حبال نسلت خيوطها و تساقطت ترابا تحت الأقدام.
لابد أن هذه البقايا تتعجب مما حل بالمرسى , و بالعائلة الهابطة بشكل ذريع. يقول البعض : - لو عاش الشحات لكنا و كنا.
البعض الآخر يلعنونه
لأنه سلم روحه للأعداء, و امتهن الحرف الحقيرة , فنقل الركاب و باع القلل و الحمير و غازل النساء. يقارنوه بكبير عائلة النحاس حيث حول التلال الى حدائق , و ألبس ذويه الجوخ و الصوف .
بل و جعلهم يتعممون بلاسات حرير , و يدخنون الحشيش .
انظر الى بيوتهم , كأنها القصور مزخرفة فسيحة فارهة . جدى عبد الواحد لا يرضيه النهش فى لحم ابنه , تتحول عينا الديك الصافيتين الى جمرتين . ينفض الجمع قبل أن يقذف صواعقه.
أظل الوحيد الذى يأنس اليه . أجهز له سيجارة . لو يعرف كم أفكر فى اعادة الخط , و كم أمقت عمى الشحات. و أستريب فى قصة مقتله!؟
يأتى الكبار و يجلسون فى طرف المرسى , يذوب داخلهم و ينزل الى نهر الماضى الحميم , تهرب من وجهه الشقوق و يشرق بالنشوة و الفرح. يتذكرون الوقت الذى كان فيه النهر خيطا نحيلا يتسلل
دون أن يمنعهم من التهامس مع أصدقائهم فى محلة الأمير!
بعد قليل يزفرون الهواء الساخن لحظة أن يصدمهم المجرى الواسع , و يفصل بينهم و بين الآخرين فلا يرون سوى أشباح تتحرك , و يسمعون أسماء تتردد فوق الماء , آتية من الأفراح و المآتم ! أتفوق عليهم فى التجسيد , صنعت لكل اسم وجها و ملامح و جسدا و طباعا: سلامه العشرى , بدين أكرش أسمر عصبى. محمد صابر , طويل واسع العينين يحجل فى مشيته.
فى الليل جلست أجهز الكلام , سأحدثه بكياسة عن فوائد اعادة الخط , فالراكب سيدفع نصف جنيه , فضلا عن البضاعة , و يمكن أن يفتح كذلك بابا واسعا للتجارة و تصريف العوانس اللائى صارت اثداؤهن كثمار القلقاس الكبيرة!
اذا جرحنى بكلمة سأصمد و أقلب الشريط , سأعايره بثأر ابنه و بالعائلة البائسة المفككة. سأكاشفه بالشك المعتق فى النفوس حول طيش عمى الشحات و نذالته .
فى الصباح كان يفطر عسلا و خبزا , شربت معه الشاى و ألقيت حملى فى كلمات حاسمة .
قال فاتحا فمه الذى يشبه المغارة : -ضع يدك تحت الكنبة و اسحب اللفافة.
فضها فتناثرت النقود فى كل اتجاه . أشار الى فاستعدتها , قال: - اشتر الخشب و الآلة.
خرجت جريا , كانت شوارع النحاسين دهشة مثلى , تشعر أن شيئا جديدا يوشك أن يقع . انشغلت فى صناعة القارب و امتلأ المرسى بالصياح و بدا العمود الحديدى ينتعش , و تعود اليه الثقة بنفسه حيث يرى العزيز الذى سيربط فيه .
أبناء العمومة غضبوا و قاطعوا المرسى و أرسلوا يعترضون و يذكرون بثأر الشحات.
وصلنى همسهم المحتدم , و نقدهم المر لجدى عبد الواحد. لم أرد أو أهتم . كل ليلة يأتى يتفقد و يوجه, فى اليوم الموعود زينت القارب بصور البحارة الأسطوريين و فرشته بالحصير الملون, ثم أدرت الآلة فهدرت و أفزعت الطيور و أهتز العمود من الفرح.
فوجئت ببعض الأقارب مسلحين بالفؤؤس يهاجمون المرسى , ارتميت على القارب و رأيت جدى عبد الواحد آت يهرول بعصاه. ما ان شاهدوه حتى ولوا الأدبار , تنفست بعمق و أردت أن أبكى على صدره , لكنه دفعنى بقوة فتى فى العشرين نحو الماء. قفزت فى القارب ووقفت ساهما , أمرنى بحدة أن أنطلق على الفور.