تضخم الضمير
موظفان من ذوي الدخل المحدود، أحدهما في القطاع العام، والآخر في القطاع الخاص. وكعادتهما يتقابلان آخر الشهر، وعند استلام الراتب، في أحد المحال التجارية. وذلك لاقتناء ما تحتاجه عائلتيهما، للشهر اللاحق من مأكولات ومشروبات وخلافه. تقابلا ليدفعا ما تعودا عليه، في الأشهر السابقة.
فيتفاجئان بالارتفاع الذي طرأ على الأسعار، والذي حدث دون سابق إنذار. مما جعلهما يتحيران، ويترددان في ما قد نوي اقتناءه. بل تزداد حيرتهما وتساؤلهما، عن سبب تلك الزيادة المفاجأة؟! كأنما قد جاءت مصاحبة ومن نتائج موجة البرد القارس التي غزت المنطقة مؤخراً. فبدل من أن تتجمد الأسعار لذلك وتتقلص - حسب قوانين الفيزياء - انفجرت وتضخمت!
- سأل موظف القطاع الخاص صاحبه الآخر باستغراب: هلم استلمت زيادة في راتبك هذا الشهر، فشم التجار خبرها فأرادوا اقتناصها قبل أن تصل إلى سوق الأسهم؟! فأنتم من يعتمد عليه التجار في تغيير الأسعار. فالدولة تحاول التعديل من وضعكم المعيشي، ولكن تجارنا - حفظهم الله - لديهم حاسة شم قوية، أقوى من مؤشر ارتفاع المجاعة في العالم!
- أجابه الآخر منزعجاً وهو يعد ما بقي من راتبه الضئيل الهزيل: بل أظنهم علموا بالزيادة العالمية في سعر برميل البترول، وكما تعلم تلك الزيادة تؤثر في أسعار المواد المستوردة!
- أنا معك يا أخي فإن ارتفاع سعر برميل النفط سلاح ذو حدين، ويؤثر على أسعار السلع في السوق.
- أنا لست ضد هذا الارتفاع، ومن حق التجار ذلك. ولكن سؤالي واستغرابي عن متى يتم تطبيق تلك الزيادة!؟ أو أليس هذا يطبق على البضائع التي تستورد بعد الارتفاع، فما بال تلك البضائع المكدسة في مخازن التجار، وتلك المصنعة محلياً؟! لماذا لحقتهما الزيادة مع إنهما قد اشتريا من قبل ذلك؟!
- تجارنا – سامحهم الله – ينتظرون زيادة الموظف المسكين، حتى ولو كانت مزعومة، ليبتلعوها منه مضاعفة قبل أن تستقر في جيبه!
سألا المسؤولين في المتجر عن سبب هذه الزيادة المفاجأة؟! فأجيبا أن هذه أوامر صاحب المُلك، هو من طلب رفع الأسعار، وما هم إلا عبيد مأمورين. وهو بعيد ولا يمكن الوصول إليه!
قلصا من مشترياتهما، وخفضا من حاجاتهما. وكتفيا بأقل الضروريات، ليتمكنا من إبقاء اللحاف والغطاء الصيفي للراتب إلى آخر الشهر. وانسحبا حزينين يتفكران، في تأثير ذلك الارتفاع على معيشة عائلتيهما. وتأثيره على مدى مقدرتهما في الوفاء بالتزاماتهما الأخرى، تجاه أسرتيهما واتجاه الآخرين؟! ومخافتهما من عدم تمكن ذويهما، من التأقلم والتكيف مع التغير الجديد في السوق؟! وطلبا الرحمة لهما وللفقراء ومنهم اقل حظاً! وسألا الهداية للذين يتسببون في هذا التضخم، وأن تنقذ الأمة من هذا البلاء!
بقلم: حسين نوح مشامع – محافظة القطيف - السعودية