( أُنـــــــشـــــــــودة الـــــــــحيـــــــــاة )
" هي بلورة أو حـمامة "
رفت في السماء كرفيفة سبلات الياسمين الغضة ، أشعلت في الفضاء شعاعاً مضيئاً ، نقشت في ثنايا الأفق أناشيد الربيع ، كتبت بجناحيها عندما بسطتهما على صفحة الكون نقاءً وصفاءً ، وعندما قبضتهما روّت بين طيات هذا الوجود ضياءً ونوراً .
أرسلت جناح الميمنة إلى حنايا نفسي وزهت بجناح الميسرة في دجى الظلمات ... فزادني مسراها حباً وإعجاباً حتى حركت في نفسي جوانب شفافة قديمة وسرى التأمل في روعة تصويرها حجرات قلبي .. فهز كياني
راقبتها بعيون حانية ذائبة ومقلتيّ تتسابق مع خفتها في مضامير الأعالي ، تعانقها الآفاق البعيدة ويقبلها السحاب الرقيق ، وبين السماء والأرض تناثرت خواطري بعدما سحرتني بروعتها .
عندما ترفرف في السماء ترفع إيقاعاً معروفاً في قلوب الأحياء وإذا ما انطلقت بعيداً تترك في النفس صدى يتردد مع أحلام الخريف ، في عينيها لآليء أعماق البحار ومنقارها حجر زبرجد أصيل ولو تجمعت تلك العيون في ساعات السحر لكانت أشبه بقلائد من جمان ، ضمّت ياقوتاً إلى ريشها وفي ذيلها مناجم ماس برّاق برى أفنان الأشجار التي تطؤها أرجلها مسرحاً فنياً من المسك والعنبر ، وإذا ما وضعت منقارها في الماء لتشرب يتراشق اللجين في مرآة وجهها ، فإذا رفعت وجهها إلى السماء تشكر ربها تتناثر قطرات الماء من منقارها كالبلور الزجاجي وكأن ذلك المنقار يحوي في أعماقه مخازن من البلور تحيّر عقول السائرين في السبل فلا يدري أحد منهم أي نبع ماء سقى عيون المياه التي انسابت من الأعالي لتهوي إلى محط شطرها حتى أنكر ماء النبع نفسه فتحول عن حاله من سائل لا خواص له إلى ماء ورد السوسن الذي يثير روائح عطر الأزهار كلما نثر ماؤه على السهول الخضراء .
(70)
لو أنها تبقى على الدهور معلقة على موائد السماء لنقلت إلى الأحياء صورة حية لرايات بيضاء خفّاقة نُسجت خيوطها من العسجد المصفى .
عند ساعات الإبكار تذوي كفراش الربيع المشتاق إلى الدفء والنور في مهوى الزهور ، تحمل العصور السحيقة في فؤادها فتأتي بها إلى زماننا تطوف على مطبات الهواء بروعة جذابة صوب هدفها ولو مَلَكَت الصقور مسرح حياتها وأرهبتها في تحليقها ، وتهبط بجرأة إلى الأرض كورقة ناعمة لتلتقط حبات القمح المتناثرة ولو ترصّد لها جماعة الصائدون في الخنادق ونصبوا لها الفخاخ وأقاموا لها الأقفاص ...، فإذا ما اعتلّ الأصيل صارخاً ينادي الشفق الأحمر بخاطر كيانها عبر الأثير ... هيا قد حان ليل الرحيل تنسحب خلف الأضواء برقة .
إنها من روائع المعجزات تتمثل لنا كمخلوق مصغّر متقن أبدعته قدرة الخالق تعالى بصورة هذه الحمامة البسيطة التي أعطى لها البارئ المصور خلقها ثم هداها إلى حياتها ، فالنفس في حبها مختلجة والعين من صورتها مسحورة ، تزهو للحياة كالأنفاس الشذية التي أَلِفتها النفس حتى باتت للطبيعة كأنها جسد منتصب .
تلمست أناملي نعومة ريشها الدافئ وليت لي جناحين كهذي الحمامة البيضاء ...
هي بلورة أو ماسة ... هي لؤلؤة أو حمامة ، ضمّتني تحت جناحيها أو أسرتني في منقارها ... يا ليتني كنت حمامة .
مقالة من كتابي بعنوان ( عندما يشهد الصمت )