أحبه عندما "يستعرض" بما لديه من مواهب وإمكانيات، في محاولة يائسة منه للفت انتباهي، وكم كنتُ أغيظه بلا مبالاتي، رغم أني بيني وبين نفسي أبدي عكس ما أُظهر له، كتب لي في إحدى المرات يقول:
"إن أردتِ الحديث عن الطرب والمطربين فأنا هوواي وأحب الغناء وأحيانا أغني في السيارة أو البيت، وأذكر موقف طريف وهو أننا كنا في رحلة برية والجو كان رائعاً ومعنا أحد اقربائي وهو من الملتزمين الرائعين.. المهم كنتُ أغني بصوت عال وتفاجأت به يقول لي إن صوتكَ جميل وأتمنى أن أراكَ إمام في أحد المساجد ولو حدث هذا فإن المسجد سيمتلىء بالمصلين للاستماع اليك ولكن تحتاج إلى التجويد حتى تكتمل روعة القراءة. أتعلمين ماذا قلتُ له: قلتُ له أها وبس!".
هذه المرة أردتُ أن "أضعه في زاوية" وأظهر صدقه من كذبه، بعثتُ له بعد يوم من رسالته، "مسج" عبر الموبايل: "يُقال –والعهدة على الراوي- أنكَ تمتلك صوتاً جميلاً وتحب الغناء وتندن به مع نفسك.. يا ترى إذا طلبتُ منكَ أن تغني لي فماذا ستختار وتغني؟!"
لم يرد على المسج في حينها، لكنه ردَّ عليَّ في اليوم التالي بإيميل قائلاً:"بالنسبة للغناء فأنا أدندن لنفسي وأحيانا تأخذني العزة بالإثم والقناعة الزائفة بجمال صوتي وأرفع الصوت قليلاً لأشاهد من هم حولي وأصابعهم في آذانهم يسدونها عن ذلك النشاز من وجهة نظري على الأقل".
أدركتُ حينها أنه أنه أسقط في يديه، وأن "مشاكستي" نجحت، فلم أعد أذكر الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، وكأنه لم يكن أصلاً كونه لا يتعدى المزحة.
ومرت الأيام، وفي إحدى الليالي، ومض هاتفي المحمول، وأعلنت النغمة الصادرة عنه أنني بصدد استقبال مسج ما، فإذا بها منه يقول لي فيها:"سأغني لكِ فقط بالاتصال قريباً!".
لم أصدق ما قرأت، فنحن نتبادل الرسائل النصية والمسجات والإيملات، ولم يسبق لنا أن سمع أحدنا صوت الآخر، فرددتُ عليه في نفس اللحظة:" فليكن الله في عون أذناي إذن!"، فما كان منه إلا أن ردَّ علي قائلاً "أذني أعتقد، وأنتِ من طلب ذلك فاستحملي".
أعتقدتُ أن "قريباً" التي قصدها تعني بعد دقائق أو ساعة أو ساعتين، دلفتُ مسرعة إلى غرفتي، أسلك صوتي، أجري بروفات عليه ليكون ناعم مع أنه ناعم أصلاً، أخذتُ إحدى السكاكر علها تنفع.. تنحنحتُ كثيراً وكأني أنا التي سأغني!.. لكنه لم يتصل".
كتبتُ له في اليوم التالي، لكني لم آتي على أمر الاتصال الهاتفي الذي يبدو أنه "ورَّط" نفسه به، إلا أنه فتح الموضوع مجدداً بقوله:"... الاتصال التلفوني لا علاقة له بالضرر الذي سيصيب أذنيك ولا بتكاليف العلاج لأن هناك مثل يقول من بغى الدح ما قال اح ويعني أنك ما دمت راغبة في سماع الصوت النشاز فعليك تحمل النتائج... وعلى اية حال لم يكن تردداً أو تراجعا بقدر ما كان انشغالاً وسيحدث انشاء الله قريباً ولو أنني أحس أنكِ بدأت تكرهين كلمة قريباً".
هكذا هو دائماً، عندما لا يجد تبريراً مقنعاً فإنه يضع اللوم على الانشغال، شماعته التي يعلق عليها أعذاره..
واستمر التواصل الالكتروني بيننا، حتى جاء عيد الفطر الماضي، تشبعت هواتفنا بمسجات التهاني والتبريكات من كلينا، بما فيها الإيميلات التي لم تنقطع رغم أجواء العيد الاستثنائية من زيارات واستقبالات.. لا أدري مالذي ذكَّرني وقتها بموضوع الاتصال الهاتفي.. بادرتُ للمرة الأولى من جانبي بتذكيره معاتبة:"تنمنيتُ أن تكون عيديتي منكُ في العيد مختلفة ومتميزة كاتصال مثلاً..."
فكتب إليَّ في اليوم التالي يقول:"نعم خطر على بالي الاتصال ورب الكعبة وما منعني منهإلا انني خفت أن يكون التوقيت غير مناسب وكانت مشكلتي مع الزوار الذين لا ينتهون... ولكن القادمأحلى بمشيئة الله".
حسناً، إذا كان الاتصال على بالك، لم إذن لم تخبرني، لماذا انتظرتني لأبدأ أنا بإثارة الموضوع؟
أتدري يا عزيزي، أحياناً "أتخيل" مشهد الاتصال والحوار الدائر بيننا عبر الجوال.. جوالي يرن وأعرف أنكَ المتصل بناء على اتفاق مسبق ومن النغمة التي ميَّزتُ رقمكَ بها، وبخطى مرتبكة أتقدم لأمسك الجوال بيد ترتجف وقلب تتسارع دقاته بشكل لا يوصف، وباليد الأخرى أُمسك منديلاً لأنشف عرقاً بدأ يتصبب ولا أدري من أين أتى في هذه اللحظة بالذات!
ويبدأ الكلام وبعد السلام والتحيات، نصمت أو أنا التي تصمت وقد أتلعثم، وألتفت حولي بحثاً عن الكلمات والأبجديات التي طالما ساندتني بسخاء في الإيميلات والرسائل، فلماذا تخذلني وتهرب الآن.. ألأنها تعرف خجلي وحيائي الشديدين وارتباكي سيما وأن هذه المرة الأولى لي في الحديث معك والحديث مع رجل بشكل عام.. ولكنكَ لست أي رجل إنك "سيدي ورجلي" الوحيد.
قد تستغرب مني.. لكن هذه هي الحقيقة، لا يغرنك أسلوبي في الكتابة والتعبير الذي يصل أحياناً دون شعور مني إلى حد "الجرأة" و"الحرية"، لكني في الواقع هادئة وقليلة الكلام، تعودتُ أكثر على الانصات والصمت، يمكن لأني لم أجد من يستمع إلي باهتمام وتقدير كما أتمنى وأريد، أو ربما لأني لم أجد من يستحق الاستمتاع والاستماع في الوقت ذاته إلى أحاديثي وأفكاري.. يا سيد أفكاري ومحور أحاديثي.
ألجأ إلى حرية القلم لأكسر بعضاً من قيود الواقع.. بانتظار "قريباً" البعيدة..

Friendship is a special kind of love, but Love is blind; friendship closes its eyes "مثل إنجليزي"