تستوقفني دلائل لا تبشّر بخير ،وإن كان الخير موجود بأمة سيدنا رسول الله إلى يوم الدين . هؤلاء وعلى الأرجح الذين عرفوا رسول الله بأخلاقه ، ووصاياه ، وإرشاداته ، فصمموا على الحياة من أجلها ، ولم يجعلوها وسيلة كسب ، ونهج استعطاء . فكان سلوكهم يعكس مفاهيم خلاّقة يترتب عليها زيادة قدر ومفهوم هذا الدين .
تستوقفني كل صباح ، إشارات تنم عن عدم تفهم صحيح للدين الذي هو مناط حياتنا ، وعصمة أمرنا ، والذي هو أساس للأخلاق ، بكل ما تحتويه هذه الكلمة من مضامين . إشارات صريحة لا تخفي واقعا" مريرا"، بل وتضع إصبعها ضاغطة على الجرح ، في موقف تتنصل من الحدث ، وتشيح بوجها عنه ، الهيئة المناط بها العمل على عدم وقوع ما حدث ، في محاولة لتبرئتها ، وإشاحة الوجه عن مسؤوليتها .ليس على صعيد الفرد فقط ، بل على صعيد متكامل من قمة الهرم إلى أساسه .
يقول الله سبحانه وتعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتأمنون بالله .وهذا ما آثرت وسائط الإعلام بصنوفها المرئية والمسموعة والمكتوبة ، أن لا تتقيد به ، ولا أن تحضنا عليه ، لتبعدنا ليس على الإيمان فقط ، بل على تصديق هذا الاعتقاد بالعمل الملموس .
إني لا أنكر لما للبعض من تأثير على الساحة الاجتماعية ، عن طريق النصح والتوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة ، أو بما يمتلكونه من وسائل الضغط المدعوم بقوة النظام . إلا أن هذا غير كاف ، لأن المشكلة عميقة بشكل يجبرنا أن نعود لجذورها ، البيت والمدرسة .
البيت لأنه الوعاء الأمين الذي يحتوي هذه البذرة الصغيرة ، ويوليها الرعاية والعناية لتنموا ، مستعينا" بذلك على المتوارث من العادات والمفاهيم الاجتماعية التي يعد الخروج عنها جرم كبير . والتي ورثها الناس كابرا" عن كابر . أما المدرسة فلأنها البيئة الاجتماعية التي يفترض أن تكون مرآة" لهذه الأفكار والمفاهيم بشكل جلي وواضح وملموس . ففيها المعلم ، وفيها الموجّه ، وفيها المربّي .
نحن لا نريد الأمر والنهي المتمثلين بكلمة لا تفعل ، لا تتصرف .إنما نريد خلق روح المبادرة الفردية ، عن طريق الاقتناع بأن الفعل غير مسموح به ، ويدخل في أبواب المحظور إتيانها . وأن عدم فعلها ، هو امتثال لأمور يحب الله أن تكون سمة يتسم بها عباده . وتحقيقا" لأوامره ونواهيه .
قيل أعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . ولعل هذه المقولة تكون أساسا" لمنهج حياة ، وركيزة لبناء نواة صغيرة يقع عاتق نموّها وتأديبها على البيت أولا" ، ثم على المدرسة ثانيا".
إننا نقف اليوم أمام منعطف شديد الخطورة ، من لا ينتبه إليه فإنه لا محالة هالك . منعطف قد يسمح لنا بمشاهدة المناظر الجميلة التي تقع وراءه بشكل مبهر ، وبوسائل ترغيب مدروسة تقودنا إلى الولوج إلى متاهاته ، وإن وراءه والله واد مهلك سحيق . لكننا يجب علينا التريث والتمهل ليتثنى لنا الإبصار بغية سلوك الطريق القويمة ، بالرد على هذه المغريات عن طريق دراسة الوسائل التي تمنع المسلم من إتيان المعصية . قد يقال من قبل دعاة التحرر ، هي حرية شخصية ، أو من دعاة الانحلال إن الضغط يولد الانفجار ، أو من دعاة الإباحية ، إذا كان الفعل أي فعل ناتج عن إرادة حرة ، ورضا ، ويدعمه العمر الذي يكتسب المرء به الأهلية فلا بأس من أن نمارسه لتنعدم المسؤولية وينتفي الحساب.
وفقة انتباه ايها السادة ، وأيتها السيدات .
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا .
أحمد عاصم آقبيق
جدة 22/06/1430هـ