أنت غير مسجل في منتديات منابع الأدبية . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

 

لوحة التميّز الشهري (قريباً)

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

عدد الضغطات : 4,613

آخر 10 مشاركات الاستاذ علي هزايمه-قطار اللذه ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    الاستاذ علي هزايمه-بركه خان ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    الكلام حول ماذا كان قبل الوجود ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    هي أمي ( آخر مشاركة : حسين محسن الياس - )    <->   
مختارات      <->     قال تعالى: {لَن تَنَالوا البِرَّ حتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}      <->     
العودة   منتديات منابع الأدبية > منتديات الأدب العربي > يحكـى آنـ
التسجيل المنتديات موضوع جديد

الملاحظات

يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان !

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-09-2010, 11:48 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
فيصل كتيبة النور
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Jul 2010
 رقم العضويـة : 4723
 مجموع المشاركات : 41
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 40
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فيصل كتيبة النور غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي مريم

كعادته كل صباح استيقظ محمد قبل شروق الشمس,تناول فطوره وقبل جبين والدته طالبا رضاها ثم اتجه إلى الضيعة القريبة حاملا أدواته و زاده.
محمد مثل باقي سكان منطقته الريفية يعتمد على خيرات الأرض مصدرا لقوته هو ووالدته المسنة.فمنذ وفاة والده قبل سنتين شمر عن ساعديه وأخذ يسقي التربة من عرق جبينه.ولكنه رغم انشغاله بالفلاحة لم ينس أحلامه المؤجلة فكان مع كل ضربة معول يهوي بها يرجو الله أن يوفقه في المناظرة التي فشل فيها سنتين متتاليتين,مناظرة يتقدم لها الآلاف مثله كل سنة فلا ينجح فيها إلا من ابتسمت له الدنيا أو دفع الكثير من الأموال لصاحب بطن كبيرة.
وصل إلى قطعة الأرض التي طالما ذكرته بأبيه فانطلق بكل همة يقتلع الأعشاب الضارة ويشذب الأغصان حتى إذا ما انتصف النهار جلس تحت ظل شجرة وتناول غذاءه ثم أغمض عينيه وأطلق العنان لأحلامه.
ذات يوم سينجح بإذن الله وستطلق أمه المسكينة زغاريدها التي لم يسمعها منذ سنوات,يكاد يراها وهي تفاخر الأقارب بابنها الذي صار أستاذا فتنزل دمعة حارة سرعان ما يمسحها وهو يرفع يده طالبا من المولى الفرج القريب.
تناهى إلى مسمعه صوت نسوة يتبادلن الأحاديث عند الحنفية القريبة فأصاخ السمع عله يتبين صوتا مميزا يعشقه,ولكنها لم تكن من بينهن.
مريم,ابنة خاله,شابة جميلة طالما رغب بها شباب القرية ولكنها لم تكن ترضى عنه بديلا,هو الذي يعشقها أكثر من ذاته.
محمد ومريم قصة طويلة بدأت قبل سنوات, منذ كانا طفلين صغيرين يلعبان قرب الوادي مع باقي الأطفال.حينها نشأت بينهما محبة عميقة توطدت بمرور الزمن حتى إذا ما انتقلا للدراسة بالمدينة كانا لا يفترقان البتة.
ورغم انقطاعها عن الدراسة فإنهما ظلا يبحثان عن الفرص المناسبة ليلتقيا ولو للحظات يتبادلان فيها عبارات الشوق والهيام.
مرت عدة أيام منذ رآها آخر مرة قرب الحنفية في لقاء أثار حيرته وظلت كلماتها المقتضبة تبعث في نفسه التوجس والخيفة من قرار أخبرته أن والدها بصدد دراسته."ماذا سيحدث ياترى؟اللهم اجعله خيرا"تمتم في سره وهو يذكر قدوم إحدى النسوة التي أنهت حوارهما دون أن يعرف سر الدمعة التي ظنت أنه لم يلحظها.
تمضي ساعات ما بعد الظهيرة بسرعة دون أن يرى طيف مريم يمر أمامه.فيشعر بالضيق ويسارع بالعودة وقد قرر أن يطلب من والدته زيارة أخيها علها تظفر بخبر عن حبيبته يطمئن فؤاده.
ألقى أدواته واغتسل ثم أدى صلاة العصر.وبعد أن أنهى صلاته بحث عن والدته فلم يجدها.فخطر بباله أنها عند أحد الجيران فهي حريصة على أواصر القربى.كذلك الكبار دوما يظلون متمسكين بالقيم التي يتخلى عنها الصغار دون أن يعلموا أن فيها صلاح أمرهم.
طال انتظاره فأخذ يتمشى في الحوش جيئة وذهابا وبين الحين والآخر يطل برأسه عله يراها راجعة.غربت الشمس وهو على تلك الحال وقد نسي أمر حبيبته وانشغل بوالدته التي لم تعتد التأخر هكذا خاصة وأنها لم تعلمه.
فجأة سمع وقع عكازها تضرب به الأرض فأسرع إليها يسألها عن حالها وأين كانت ولم تأخرت هكذا.أشارت إليه أن أحضر قليلا من الماء وما إن وضعت الكأس جانبا حتى حمدت الله وأطلقت تنهيدة خفق لها قلبه.ولم تنتظر سؤاله فقالت بكل أسى:"شُفْت هَالْغْريبَة اللي ماش يعملها خالك؟" باغته السؤال فاستند إلى الحائط وقد جف ريقه."لابد أن شرا ما قد وقع أو سيقع"فكر وهو ينظر إلى والدته يسألها بعينيه أن واصلي.
أخبرته أنها عائدة للتو من عند أخيها الذي قرر أن يرسل ابنته للعمل."من؟متى؟أين؟كيف يفعل ذلك الأمر؟لماذا؟"
ترددت أسئلته بغضب واضح لم تره والدته من قبل.
"مسكينة مريم,لو ترى قداش بكت..."
"مريم؟" صاح محمد غير مصدق للخبر.
"والله أوليدي حاولت معاه لين بكيت والنافع الله..ربي يهديه" وما إن أنهت كلماتها حتى مدت يدها إلى صدرها وأخرجت ورقة دفعتها إليه ثم دخلت غرفتها تغالب دمعة أمسكتها خجلا من ابنها.ومتى خلت بنفسها أطلقت العنان لدموعها تبكي ابنة أخيها التي طالما اعتبرتها مثل ابنتها التي لم تلدها قط.
أما محمد فقد دخل غرفته هو الآخر يحمل بين يديه ورقة يبدو من اضطراب الخط فيها أنها كتبت على عجل.غالب دموعه وهو يرى أثر بكائها على الورقة.ثم قرأ بأنفاس يزداد ارتفاعها مع كل كلمة يمر بها
"حبيبي محمد,قد ظلمني الدهر منذ زمن فكنت لي الحبيب والأخ الذي طالما وجدت في حضنه خير سلوى لنفسي المعذبة.ولكنهم اليوم سيحرمونني من فرحة أعيشها بقربك وحياة لا أرى فيها أي نور من بعدك...ماذا فعلت؟أي جريمة اقترفت وأي ذنب أذنبت حتى يكون الحكم قاسيا ظالما إلى هذا الحد؟؟؟ أي أب هذا الذي..."
يمسح دموعه حتى يتمكن من مواصلة القراءة.
"لقد حصل ما كنت أتوقعه وانقاد أبي وراء طمعه ووافق على أن أرافق قريبا لنا يسكن بالساحل سيتركني في منزل عائلة يعرفها...آه يا محمد...لقد رفضت الانصياع وأعلنت التحدي ولكني لم أجد غير البكاء والنحيب سلاحا لي...فلم يزده رفضي إلا إصرارا بل إنه انهال علي وأمي بالضرب..لم يعد لي من خيار غير الرضوخ..الحمد لله أن عمتي فاطمة زارتنا هذا اليوم وإلا كنت لأذهب دون وداعك.."
لم يعد يستطيع المواصلة,فكر أن يذهب للتو إلى منزل خاله ولكن لأي داع؟ ماذا سيطلب منه؟هل يعلن حبه لمريم أمام والدها؟...
"تأكد أني سأظل وفية لك..أنت الحب الذي أتنفسه...سأغادر غدا صباحا ولن أرجع قبل أشهر..أحبك...أحبك..مريم"
ضم الورقة إلى صدره وقد تبلل خداه وبات يفكر في هذه الحياة الجديدة التي تنتظر حبيبته.
أشرقت شمس الغد دون أن يراها محمد فشمسه قد رحلت إلى غير هذا المكان.
رقت الحاجة فاطمة لحاله وهي التي تعرف حبه لابنة أخيها فحاولت التخفيف عنه ولكنها شعرت أنه لا يسمع من كلماتها شيئا فتركته لدموعه ووحدته.
ظل محمد حبيس غرفته أياما طويلة واشتد هزاله حتى أنه مرض ولم تجد الأدوية والأعشاب التي أحضرتها إليه نفعا.فتبكي فاطمة ابنها وتدعو ربها أن يشفي لها وحيدها.
بعد أسبوعين أبدى محمد بعض التحسن إلا أن نشاطه قد قل كما أنه آثر الصمت والعزلة فلا يغادر غرفته إلا للضيعة.و كم كان يؤلمه أن يقف قريبا من منزلها يتخيل طيفها يفتح له الباب فيذكر وقوف شعراء العرب قديما على أطلال الحبيبة يبكون رحيلها فتزداد آلامه ومعاناته.
وتواصل الحال كذلك حتى حلول الشهر المبارك,شهر رمضان الذي انشغل فيه بالقيام بفرائضه. فوجد فيها خير عزاء لأحزانه,وكان في كل ليلة ينهي فيها صلاة التراويح يستغفر ربه ويستمد من إيمانه طاقة للصبر فقدها منذ غابت مريم عن ناظريه,غياب لا يشعر بمرارته إلا الحبيب المكتوي بنار التيم والوجد.
وها إن القدر يرأف بحاله أخيرا فبينما كان منهمكا في سقي بعض الأشجار إذ أقبلت أمه مسرعة تخبره أن مريم ستمضي كامل أيام عيد الفطر مع عائلتها.فتغمر فرحة عارمة قلب الشاب فيندفع إلى الحاجة فاطمة يحضنها ويقبلها بعينين متلألئتين.ومتى تركته أمه انطلق بين الأشجار يرقص ويغني بأعلى صوته.
ولكنه يتوقف فجأة حين يسمع قول الشاعر يتردد في نفسه:عيد بأية حال عدت يا عيد,بما مضى أم لأمر فيك جديد؟".وشيئا فشيئا تتضاءل فرحته وهو يبحث عن إجابات للأسئلة التي تنهال عليه:أين سيقابلها؟ ومتى؟ كم سيدوم اللقاء؟ هل سيكونان لوحدهما أم وسط العائلة؟ هل تغيرت بعد هذه الأشهر التي قضتها بعيدا عنه؟ هل تشتاقه هي الأخرى؟ أتراها لازالت تحتفظ بصورته أم أنها...؟
...
أنهى المصلون صلاة العيد فخرجوا مسرعين يتبادلون التهاني ليمضي كل إلى منزله يشارك عائلته بهجة مازالت تحتفظ بصدقها وحميميتها في قلوب أهل الريف البسطاء.وكان محمد أسرعهم في العودة, كيف لا وقد ترك الحاجة فاطمة في انتظاره ليقوموا بزيارة للأقارب وأولهم منزل خاله.
منزل متواضع لا يختلف كثيرا عن باقي بيوت القرية,غرفة للوالدين وأخرى للأبناء ومطبخ صغير عادة ما يبنى بنوع من التربة التي تمزج بالتبن لتوضع بين الحجارة,يحيط به سور قليل الارتفاع ويقوم على حراسته كلب يكاد يعرف القريب من الغريب,لذلك ما إن سمع وقع أقدامهما تقترب حتى انتصب واقفا ولكنه سريعا ما عاد إلى موضعه الأول.
تأخر محمد خطوات حتى تسبقه والدته في الدخول وتعلن قدومهما,اندفع طفلان صغيران نحو عمتهما فكادا يوقعانها أرضا, قبلتهما ودست في جيب كل منهما قطعة نقدية فخرجا محدثين جلبة انتبه لها الخال وزوجته فخرجا مرحبين بالضيفين العزيزين.تبادلوا التهاني وأخذ كل زوج مكانه من الحوش .محمد وخاله تحت زيتونة وارفة وغير بعيد عنهما فرشت الزوجة حصيرا جلست عليه هي والحاجة وانطلقتا في حديث لم يسمع منه الرجلان شيئا.
شعر محمد ببعض الاضطراب خاصة وأن خاله بدأ يسأله عن الأرض والدراسة وعن استعداداته للمناظرة التي سمع أنها قريبة.تدارك الشاب ارتباكه وأخذ يحدث الرجل عن واقعه وطموحاته,عن عزمه وإصراره على النجاح في مختلف دروب الحياة.فاستمع إليه الخال وفي نفسه إكبار لهذا الشاب الذي بقدر ما يحب الأرض فإنه لن يترك تعبه طيلة سنين الدراسة يذهب سدى.
بعد دقائق سمع محمد زوجة خاله تنادي "يامريم,اخرج سلم على عمتك وولدها محمد...راهي مِسْتَاحْجَاتْك ومن بكري تسهل عليك...وجيب في ايديك طرف حلو...رانا عندنا برشا على هالقعدة"
شعر بدقات قلبه تزداد قوة وعلت وجهه حمرة وتمنى لو أنها غيرت "عمتك" ب"محمد".
يسود الصمت بين الرجلين فيقطعه الخال بكلمات لم يسمعها محمد الذي أخفض رأسه واتجه بكل حواسه ناحية أحد الأبواب ينتظر صريرا يعلن خروجها.
لم يطل انتظاره فقد ظهرت مريم تحمل بين يديها طبق حلويات قدمت منه لعمتها بعد أن قبلتها بكل حرارة.ثم اتجهت إلى الزيتونة حيث يجلس الرجلان وقد تورد خداها وهي تسمع كلمات الحاجة فاطمة :"تبارك الله عليها,تبارك الله على بنيتي,ربي يحفظها من كل شر بجاه سيدي ..." ثم وجهت الخطاب إلى محمد :" وامحمد,هيا نرحلو للمدينة مادام اللي تمشي غادي تولي مزيانة كيما مريم بنيتي...ولا نا كبرت وماعادش فيا".فتجيبها الزوجة :"مازالت البركة,هاك لاباس ومازلت أشب مني".فتضحك المرأتان وتواصلان حديثهما غير منتبهتين للفتاة التي كادت تتعثر وهي تقترب من أبيها و حبيبها.
قدمت لهما الطبق دون أن ترفع رأسها عن الأرض وهي تقول بارتباك ظاهر:"إن شاء الله عيدك مبروك أ محمد."
فيجيبها هذا الأخير متلعثما :" علينا وعليك.وكل عام و انت حية بخير".ويتذكر أغنية يعرف أنها تحبها فيردد دون أن يسمعه غيرها : كل عام وأنت حبيبتي...
تأخذ مريم مكانها بجانب والدتها وبين الحين والآخر تحين منها نظرة خاطفة تروي بها ظمأ شديدا طالما عذبها.
وكم مرة تلتقي الأعين لتتبادل في صمت رائع عبارات الشوق وتعلن صمود هذا الحب الذي جمعهما منذ سنوات,فيفرح كل منهما لوفاء الآخر ويزداد تعلقه به.
ولا ينتبه الحبيبان إلا وقد أعلنت الحاجة نهاية الزيارة فقد أمضت كامل ساعات الصباح عند أخيها.
عند الباب وقف الأخ يودع أخته ويشد بحرارة على يد محمد داعيا له بالتوفيق فيشكره هذا الأخير وهو يتطلع إلى الداخل حيث وقفت مريم تودعه بإشارة لم تلحظها أمها الواقفة بجانبها.
تكفي دقيقة واحدة لتنسي المرء آلام كابدها لأسابيع ويمكن لنظرة واحدة أن تختزل كل المعاني التي تعجز اللغة عن استيعابها.كذلك كان هذا اللقاء فرصة لتجديد العهد وبث الراحة في نفس عاشقين حكم عليهما القدر والبشر بالألم والمعاناة.
ولكن محمدا بقدر ما اطمأن على حبيبته وتشبثها به فإن نار الحب في قلبه قد تأججت أكثر وانطلقت مثل الحمم التي لن يقدر على تحمل شدتها إلى حين حلول عيد الأضحى ,لذلك ما إن ابتعد قليلا حتى أخبر الحاجة أنه سيعرض عليها أمرا هاما,فابتسمت الأم وقد أدركت مراد وحيدها.وواصلا سيرهما يرسم كل منهما صورة للمستقبل الذي اتفقت مخيلتهما على كونه سعيد مشرق.
تمر أيام العيد بسرعة ولا تمنح الأقدار للحبيبين فرصة ثانية للقاء فتغادر مريم مرة أخرى تاركة خلفها حبيبا ينتظر عودتها بفارغ الصبر حتى يتقدم لخطبتها.
أخبرته الحاجة أن عليه اجتياز المناظرة بنجاح وليترك لها بقية الأمر فأخوها لن يرفض قطعا أستاذا بمرتب قار يطلب مصاهرته خاصة وأن هذا الأستاذ لن يكون غير ابنها محمد.
لذلك انكب بكل حماس يلتهم ما احتوته المعاجم والدراسات,يقضي ساعات الليل بين الكتب وقد وجد فيه قوة غريبة لم يألفها في نفسه من قبل.
ذلك هو فعل الحب في النفوس الصادقة يمنحها القوة لتشق لها دربا واضح المعالم وسط تقلبات الدهر وصروفه.
وكم كان يرجو تواجدها إلى جانبه ولكنه كان يكتفي بطيفها يرقبه يشد من أزره ويؤنسه في وحدته.
...
خرج محمد من قاعة الاختبار واثق النفس وكله أمل في أن تكون كل إجاباته سليمة.قام بجولة قصيرة في السوق المركزية واشترى بعض الحاجيات ثم عاد إلى قريته وقد ظهر له الدرب مضاء مثلما دعت له والدته في الصباح وهو يغادر في اتجاه المدينة."ربي ينور ثنيتك" تردد صدى دعائها في نفسه فحمد الله على أن كانت أمه الحاجة فاطمة وذكر أباه فدمعت عينه وهو يسأل له الرحمة.
كانت الحاجة في انتظاره أمام الباب وما إن رأته حتى أسرعت إليه فطمأنها أن النجاح سيكون حليفه بإذن الله.تهللت أسارير المرأة وهي تشعر باستجابة الرحمان لدعائها.
أخذت فاطمة الأكياس من يديه ووضعتها وراء الباب ثم قالت:"هيا نمشو نعملو طلة على بنت خالك,يظهرلي روحت قبل وقتها"
لم يكن محمد يتوقع هذه المفاجأة فأخذ كيسي غلال وانطلق يسابق أمه إلي المنزل.
شعور غريب يراوده وتزداد حدته مع كل خطوة تقربه من حبيبته,أتراها المفاجأة؟ أم هو تزامن الحدثين المفرحين ؟ أم...؟
دلف الضيفان إلى داخل المنزل وقد استقبلهما الخال الذي كان على أهبة المغادرة,فشعر الشاب ببعض الارتياح لغياب صاحب البيت وتمنى لو يختفي البقية لينعم لوحده بشذى وردته الجميلة.
أتت الزوجة وسلمت عليهما ثم جلست بجانب والدته.لاحظ محمد أثر دموع على وجهها فانقبض صدره ولكنه أوهم نفسه بأنها دموع فرح,لعلها فرحة مثله لعودة ابنتها.
أين مريم؟ لم لم تظهر حتى هذه اللحظة؟ الأكيد أنها عرفت بقدومنا؟ تملكته الهواجس من جديد خاصة وأن المرأتين قد وقفتا فجأة وذهبتا إلى الغرفة الأخرى وظلتا هناك دقائق حسبها الشاب سنوات.
ماذا يجري؟ مالأمر ياترى؟ لم يعد يقدر على الصبر أكثر.لم تأخرتا هكذا؟ هل مريم بخير؟...
نهض محمد وأخذ يمشي جيئة وذهابا مرددا اللهم اجعله خيرا.
عادت المرأتان وهما تتهامسان فازداد وجله وكاد يسألهما, ولكن زوجة خاله طلبت منه أن يحادث مريم في غرفتها فمنذ أن وصلت رفضت الأكل أو حتى الكلام و...
لم يسمع محمد بقية الكلمات إذ توجه مسرعا إلى غرفة مريم وما إن دخل حتى كاد يشهق بالبكاء...تثبت مليا..إنها هي حتما..مريم..أو شبح مريم.
جسد هزيل ممدد على سرير حديدي,لم تبعث الأغطية الكثيرة الدفء فيه لأن الرعشة قد ملكته.اقترب قليلا وفي عينيه دمعة وألف سؤال.وجه شاحب قد ذهبت عنه مياه الحياة وعينان غائرتان ذابلتان تحيط بهما هالة من السواد.
جلس إلى جانبها وراح يسألها بصوت غلبه البكاء ولكنه لا تجيب ...نظرات عينيها إلى السقف أو إلى اللا مكان.
اختنقت عبراته وهو يناديه:"أمرََْْْ يمََْْْ؟...أمرََْْْ يمََْْْ ْ؟..جاوََْْْ بيني...نايا مََْْْحمد يامريم...محمد أمريم" ولكنها تظل صامتة.لم يعد يعي مايفعل,أمسك يدها فوجدها جد باردة.
"أمريم؟ اشبيك؟ آش صار؟ خبريني أ مريم؟ آش صار أمريم؟"
يتردد صوته في داخلها يحرك فيها دمعة لم تلتحق بعد بأخواتها."آش صار أمريم؟"... تتلألأ الدمعة في عينيها وهي تتذكر "آش صار".تحاول أن تحرك شفتيها فقط لتخبره أن "مريم..مابقاتش مريم"
ولكنها لاتستطيع.
تواصل الفتاة صمتها فيخرج محمد مسرعا وتسمع آخر كلماته قبل أن يغلق الباب "هاني ماشي نََْْْجيبََْْْ في طبيب...لاباس..لاباس..إن شاء الله".
وتنهمر دموعها أكثر..."آه يا محمد لو تعرف..لا,لا,ماكش ماش تعرف اللي صار"
تؤلمها عينها فتغمضها.ولكن الواقعة سريعا ما تتجسد أمامها من جديد,بكل تفاصيلها,بكل آلامها,بكل قسوتها...ترى مريم وهي في المطبخ تعد الغداء وتجتهد لتنال رضا العائلة التي أكرمت وفادتها وعاملتها كما لو أنها فرد منها...البيت خال من أصحابه لذلك شغلت جهاز التسجيل و أخذت تردد مع الفنان أغنيتها المفضلة "كل عام وأنت حبيبتي"...ترى نفسها وقد انسجمت مع الأغنية حتى أنها أخذت ترقص لوحدها..مثلما تفعل الراقصة في الأغنية...تمد يدها وتغمض عينيها لتتخيل يد محمد تمسك يدها...
ولكن يدا أخرى تقبض عليها بشدة فتنتفض مذعورة..تراه وقد أطبق عليها..وحش مسعور في ثياب طالب قد عاد في الزمن الخطإ ليجد فريسة سهلة في انتظاره...تحاول الهرب...تصرخ بأعلى صوتها ولكن...
تبكي...تتوسل إليه...تعيد الصراخ...ولكنه يسخر منها فالجيران في المدينة لايهتمون لما يحصل في بيوت الآخرين حتى وإن كان ...
يمسك ابن صاحب الدار سكينا ويشهرها في وجهها ..ترتعد فرائصها...لم يبق لها غير الله...تطلب ربها ...تتضرع إليه...
يدفعها إلى الحائط...يقترب منها...تشعر بأنفاسه النتنة...ترى أنيابه وقد برزت لتنقض عليها...لم تعد تقدر على المقاومة...تمنت الموت...ولكن...حتى الموت ظن عليها برحمته...مد يده...شعرت بمخالبه فوق...صدرها...أغمي عليها...
تشتد بها الحمى وتنهمر دموعها بغزارة,تحاول الصراخ ولكنها لا تستطيع.تحاول الهرب من ذلك المشهد الذي عاد ليرتسم أمام عينيها ولكنها تظل مثبتة إلى مكانها تشاهد فيلما مؤلما كانت فيه البطلة والضحية...تختنق أنفاسها ولكن لم يبق لها غير المشهد الأخير...
لم تعرف كم بقيت على تلك الحال ولكن أحدا ما رشها بكأس من الماء فاستيقظت وقبل أن تدرك أنها أمام صاحبة المنزل عرفت أنها لم تعد مريم...العذراء.
ترفض المرأة سماع قصتها..تتهمها بالكذب...بمحاولة توريط ابنها البريء...تنعتها بأبشع الصفات...مفردات تكاد تتقيأ حين تعيد تذكرها...تطردها وتهددها بأن تتهمها بالسرقة إن هي توجهت إلى الأمن واشتكت ابنها.
تجمع أدباشها المبعثرة على الرصيف ولكنها مع كل قطعة تضعها في الحقيبة ترى بقايا كرامة وشرف قد اغتصبا...تهيم على وجهها تجر معها فضيحتها التي ستهتز لها القرية...فضيحتها التي ستدمر عائلتها لاريب..أبوها...أمها..إخوتها الصغار...محمد...حبيبها.
وأخيرا ينتهي المشهد فتغمض عينيها وهي تشعر للمرة الأولى منذ ساعات بالراحة والسكينة..
تفتح عينيها وتغادر سريرها بخفة عجيبة,تسرع للحاق بحبيبها...تشعر أنها تستطيع الطيران..تطير عاليا فترى قريتها الصغيرة...محمد لازال في الأسفل يجري ليلحق شاحنة تحمله إلى المدينة...تقترب منه حتى أنها تسمع أنفاسه المتلاحقة...تناديه..تظل تناديه...ولكنه لايلتفت إليها...لايسمعها...تسبقه..تقف أمامه...يلامسها..يتجاوزها..
وفجأة تسمع صرخة حادة... أمها...عمتها...ترجع أدراجها...النسوة يلطمن ويبكين بحرقةوقد تجمعن أمام غرفتها...تندفع بينهن ولكنهن لايشعرن بوجودها...تدخل الغرفة لتجد جسدا ممددا على سرير حديدي...إنه جسدها.












عرض البوم صور فيصل كتيبة النور   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 12:42 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
سمو الذكريات
اللقب:
إدارية سابقة
سمو الذكريات
إدارية سابقة
 
الصورة الرمزية سمو الذكريات

 تاريخ التسجيل : May 2009
 رقم العضويـة : 3396
 مجموع المشاركات : 2,315
 بمعدل : 0.36 في اليوم
 الإقامة : حيث لا احد سوى صوت صرير القلم
 معدل التقييم : 11
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سمو الذكريات غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيصل كتيبة النور المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

قصه رائعه
احييك كاتبنا فيصل على قلمك الفذ
شكرا لك












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

لَا دَار لِلْمَرْء بَعْد الْمَوْت يَسْكُنُهـا ... إِلَا الَّتِي كَان قَبْل الْمَوْت بَانِيْهَا

فَإِن بَنَاهَا بِخَيْر طَاب مَسْكَنـه ... وَإِن بَنَاهَا بِشَر خَاب بَانِيْهَا

عرض البوم صور سمو الذكريات   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010, 04:17 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
قديم الشوق
اللقب:
صاحب الموقع والمشرف العام
قديم الشوق
صاحب الموقع والمشرف العام
 
الصورة الرمزية قديم الشوق

 تاريخ التسجيل : Dec 2005
 رقم العضويـة : 1
 مجموع المشاركات : 6,721
 بمعدل : 0.89 في اليوم
 معدل التقييم : 53
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
قديم الشوق غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : فيصل كتيبة النور المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

فيصل كتيبة النور

أنت مبدع وتحمل قلما ً مميزا ً وممتعا ً

قصة رااائعة ومعبرة وسرد قصصي بديع

ألف شكر على مانثرته هنا من جمال

وفي انتظار المزيد من نزف قلمك الرائع

وتقبل فااائق تقديري واحترامي












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
حسابي على تويتر :
gdeem_alshoog@

عرض البوم صور قديم الشوق   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية