ما أروع الشعر عند إلقائه
الأستاذ عبدالرزاق المساوي
باحث وناقد من المغرب
ما أجمل أن يتعاطى المرء/المتلقي مع الشعر في أي شكل من أشكاله التعبيرية والجمالية التي يتجلى فيها قديمه وحديثه تحت مظلة قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "=" إن من الشعر حكمة "="(1)..
وما أحسن أن يلتقي به في أي مكان من الأماكن التي تليق به إبداعيا وفنيا وتواصليا..
وما أروع أن يتمثله في أي زمان يناسب ويتناسب مع طريقة الإلقاء وشخصية الملقي وطبيعة المتلقي..
وما أفضل أن نتعامل معه بكل طريقة فعالة تظهره موشى بحلية شاعرية رائعة وجمالية مؤثرة ومؤسرة.. ومنغما بإيقاعات موسيقية ترقى به إلى سماء المتعة الهادفة.. تحت شعار قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "=" إن من البيان لسحرا "="(2)..
والأجمل والأحسن أن يتم هذا التعاطي مع الشعر في إطاره الأصلي الذي لزمه منذ بروزه في حياة البشرية فنا قوليا متميزا تحفل به الإنسانية إلى درجة الهذيان، وتهتم به إلى درجة التقديس.. ولقد كانت للشعر عند العرب مكانة مرموقة ودرجة رفيعة ومستوى عال في حياتها العامة والخاصة.. فالعرب ترتبط بالشعر ارتباط الإبل بالحنين – إن صح حديثا شريفا – "لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين"(3) ولن تدعه أبدا وأنى لها ذلك لا لشيء إلا لأنها دأبت على الاهتمام به ذلك الاهتمام البعيد حتى أصبح هذا الفن القولي والخطاب الأدبي – كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - "علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"(4).. وكما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه: "الشعر ديوان العرب" (5).. أو كما قال ابن سلام الجمحي: "كان ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به يأخذون وإليه يصيرون"(6) بله إن عبد الله بن قتيبة يذهب إلى أن الله سبحانه وتعالى: "أقامه مقام الكتاب لغيرها وجعله لعلومها مستودعا ولآدابها حافظا ولأنسابها مقيدا، ولأخبارها ديوانا لا يرث على الدهر ولا يبيد على مر الزمان"(7) ويقول ابن رشيق:"كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنؤون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس ينتج "(8) وهكذا بقي العربي في حله وترحاله، في نومه ويقظته، في فرديته وجماعيته، في بيته وسوقه، بين أهله ومع أصحابه.. على صلة وطيدة وعلاقة وثيقة بالشعر إبداعا ورواية وإنشادا واستنشادا وغناء، كما بقي على ارتباط وثيق بالشعراء والمبدعين فيه اهتماما واحتفاء وتقديرا منذ العصور الغوابر من الجاهلية الأولى إلى ما بعد الالتزام بالإسلام..
والأروع والأفضل أن يتم التلاقي بعالم الشعر في إطاره الشعري والشاعري الذي يرتكز فيه مبدعه على الإلقاء المباشر مع الجمهور، والتداول الشفهي من خلال وسائل التواصل المتاحة كالأشرطة السمعية والمرئية والأقراص المضغوطة وغيرها.. مما يزيد الشعر رونقا وجمالا وبهاء وعذوبة، وينسبه إلى أصالته حيث البدء والأصول والعراقة والجذور، ويعود به إلى منابعه حيث البراءة والصفاء والعفوية، ويرجع به إلى منابته حيث الإبداع والنبوغ والرفعة.. كل هذه مقومات تجعل من الشعر كائنا حيا يسري بين الملقي والمتلقي في شكل تيار (شعربائي/كهربائي) يحمل في طياته من الترابط الوجداني والتفاهم الروحي والتواد العاطفي والتقارب العقلي وحتى التآثر الجسدي ما يجمع بين الثلاثي الإبداعي المكون للعملية الإبداعية والمتجلي في ما اصطلح على تسميته بـ:
"المرسلة الشعرية.. والمرسل/الملقي/الشاعر.. والمرسل إليه/المتلقي/القارئ أو السامع أو المشاهد..
الهوامش والمراجع:
1. صحيح البخاري بحاشية السندي دار المعرفة بيروت/لبنان 4/73 تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي المباركفوري صححه عبد الوهاب عبد اللطيف دار الفكر الطبعة الثالثة 1399هـ/1979م..8/135 وجاء في كتاب "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للشيخ الألباني 6/838 (إن من الشعر لحكمة) أخرجه البخاري في صحيحه وفي الأدب المفرد وأبو داود والدارمي وابن ماجه والطيالسي وأحمد وله طرق أخرى (صحيح) وله شواهد منها بلفظ:إن من الشعر حكما وإن من البيان سحرا.( صحيح ) وسببه أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم بكلام بين، فذكره.
2. البخاري نفسه 3/251..والجامع الصحيح للإمام مسلم النيسابوري. الموسوعات الإسلامية دار الفكر 3/12.. وتحفة الأحوذي نفسه 6/175..
3. يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب" العمدة في صناعة الشعر ونقده" لابن رشيق القيرواني المكتبة التجارية – القاهرة/مصر الطبعة 2 السنة : 1955.. الجزء الأول الصفحة 30..
4. طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي تحقيق محمود شاكر طبعة المدني/القاهرة الجزء 1 الصفحة 24..
5. العمدة في صناعة الشعر ونقده لابن رشيق القيرواني المكتبة التجارية – القاهرة/مصر الطبعة 2 السنة 1955 الجزء 1 الصفحة 65
6. طبقات فحول الشعراء المرجع نفسه..
7. تأويل مشكل القرآن أبو محمد عبد الله بن قتيبة شرح ونشر أحمد صقر المكتبة العلمية-المدينة المنورة الطبعة3/1981.الصفحة:18.
8. العمدة في صناعة الشعر ونقده لابن رشيق القيرواني المرجع نفسه..