...ما أجمَلَ-ست ذكريات-هذا الأدبَ العربي،الزاخر بفنونهِ،العامر ببحور إبداعاتِه وشواطئِ ومضاتهِ الجماليةِ المُشِعَّةِ...
فكرةُ ( الرسائل )..ولِمَ لاَ..؟ ونحنُ نعلمُ-يَقيناً لا استنتاجاً-أن تراثَنا الأدبي،القديم والحديث قد احتفى بهذا الفن القَلَمي المَيَّاسِ الجميلِ،حتى غَدَا رِوَاقاً أدبيًّا قائماً بذاتِهِ،وصارَ من الذيُوع والصيتِ بحيثُ قَلَّ أن نجدَ دراسَةً أو أطروحَةً أدبيةً،تتناوَلُ مظاهرَ الفنون الأدبية المختلفةِ وأثرَها الفني والوجداني والمعرفي في صقل الموهبةِ الأدبيةِ وتفجير قريحتِها بالروعةِ والإبداع،إلا وتطرقتْ-بصورةٍ أو بأخرى- لـ ( الرسالةِ ) وتاريخهاوخصائصها ومظاهرها وعناصرها وأنواعِها وأثرها العقلي والنفسي والوجداني والاجتماعي على واقِع الفرد والمجتمع....
( الرسالةُ )-في تقديري-سيدتي الكريمة،هي الشكلُ الآخرُ في ترجمَةِ خبايانَا الوجدانيةِ،وقيمتُها المعنويةُ لا تَقِلُّ أثراً وتأثيراً عن ( الخاطرةِ النثريةِ ) و ( القصيدةِ الشعريةِ-العمودية أو المُرْسَلة )،بل إن الرسالةَ هي النموذجُ العَفَوِي التي تتهافتُ فيها وجداناتُنا،فتجدُ مَساحَةً من حريةِ الرحيل العاطفي إلى أبعدِ نقطةٍ ممكنةٍ،نوَدُّ إيصالَها للمُرْسَل،ثم العَوْدُ منها بصيْدٍ وافرٍ وثمينٍ من المكاشفةِ الوجدانيةِ المُباشِرَة،وما كنا-في الحقيقةِ-سنحظى بتلكَ المساحةِ لو كانتْ مشاعرُنا إزاءَ الخاطرةِ أو القصيدةِ،لأن هذيْن الفنَّيْن الأدبِيَّيْنِ يتقيدان في النهايةِ بـ ( قوالب الخصائص الفنية ) التي لا تُغني بالإيحاءِ المُباشِرِ عن سلامةِ الأداء الإبداعي فيها...
ولو سألنا أيَّ صاحبِ قلَمٍ عَرَبي-بصرف النظر عن مستواه الأدبي-: لو جازَ لكَ أن تترجِمَ أحاسيسِكَ ومشاعرِكَ في قصيدةٍ أو خاطرةٍ أو رسالةٍ مُوَجَّهَةٍ..أيُّها أقربُ للسهولةِ والمُرونةِ إلى قلمِكَ..؟؟
قطعاً سيختارُ ( الرسالةَ ) لأنها الأسهلُ والأيْسَرُ سبيلاً لتلكَ الترجمة،ولأنَّ الخاطرةَ والقصيدةَ تحتاجان لأرصِدَةٍ من الذخيرةِ المعرفيةِ والأطُرِ الفنيةِ،لاَمناصَ للإديب المُبْدِع عن قَوِلَبَةِ مشاعره وأحاسيسهِ داخلَ إطارها...
ممكنٌ جداً أن أكتبَ رسالةً مَّا بمرونةٍ ويُسْرٍ،وقُدُراتي الأدبية والبلاغية واللغوية والإملائية لا تُستنفَرُ في حِسِّي كثيراً،لأنَّ مشاعري المُوَجَّهَةَ للشخص المُرسَلِ إليهِ تكادُ تتكئُ-بالكُلِّيَّةِ-على عُنصر ( المُباشَرَةِ )،لكنْ قطعاً سأبذلُ جُهْداً مُتفاوِتاً حينَ أسعى لإفراز مشاعري في قصيدةٍ أو خاطرةٍ،ومَشاعري لا تنفكُّ تستنفِرُ بالرصيد الْمَعرفي الذي يُنتِجُ في النهايةِ الخاطرةَ أو القصيدةَ المقبولتيْن فنًّا وأدَباً....
مُبادرةٌ إبداعيةٌ أدبيةٌ رائدةٌ-سيدتي-تُضيفُ إلى روافدِ ( منابعنا الأدبيةِ ) ألَقاً وزَخَماً...
ولعلَّ تقديم نماذجَ راقيةٍ من ( أدب الرسالةِ الوجدانيةِ المعاصرة ) سيفتَحُ لنا شهيةَ الإبداع والإثراء أكثر فأكثر،وسيدفعُ بالوجدان الذي يُحبُّ أن يقولَ و ( يُفضفِضُ ) إلى الاحتذاءِ الإبداعي الخَلاَّقِ في غيْرِ ذوَبَانٍ سَمِجٍ أو تقليدٍ ممجوج....
فسواءٌ كانتِ الرسائلُ الخالدةُ هي رسائلُ أديبِ العربيةِ الفذِِّ الأستاذ الكاتب الكبير محمد مصطفى صادق الرافعي-رحمة اللهِ عليه-والتي عَنْوَنَهَا بعد جَمْعِها بـ ( رسائل الأحزان في فلسفةِ الجمال والحُبِّ )،وكذا رسائلُهُ الرقيقة المُتبَادَلةُ مع مَيْ والتي عَنْوَنَها بـ ( أوراق الورد )..أو كانتِ الرسائلُ هي الرسائلُ المُتبَادَلةُ بين ذانيْكِ الشحروريْن اللبنانيَّيْن الجميلين البديعيْن ؛ جبران خليل جبران و ماري إلياس زيادة ( ميْ )،وهي الرسائلُ التي تُعرَفُ في أوساطِنا الأدبيةِ بعنوان ( الشعلة الزرقاء )،وقد قامَ بجمعِها وتحقيقها والتقديم لها الأستاذان الأديبان الأكاديميان ؛ الدكتور سُهيل بشروني والأستاذة سلمى حفار الكُزبري..أو سواءٌ كانتِ الرسائلُ الإخوانيةُ لغيْرِهما،فإنَّ حاجَتَنا المُلِحَّةَ لنماذجَ أرقى تُشْحَذُ بها قرائحُنا واردةٌ ومطلوبةٌ جدًّا...
بوركتِ سيدتي على تفعيل الفكرة بالمبادرة..ونأملُ أن تجدَ فينا صَدًى وصِيتاً.وبإذن الله سنتابع..ونُثري ونتفاعل....