لا تعلم كم مضى عليها من الوقت وعيناها معلقتان في فضاء الغرفة ورأسها يخلو من أي ذكرى أو فكرة .
كانت لحظات باردة .
يسودها الفراغ ولا شئ سوى الفراغ.
رمشت بعينيها وعادت من شرودها إلى واقعها وألمها.
زفرت من بين اضلاعها آة ألم وكأنها تطرد غولاً يجثم على صدرها ،نظرت إلى أحد الأدراج بجانبها وفتحته،أخرجت منه قطعة من الشكولاته ووضعتها في فمها وتركتها تذوب ببطء.
لطالما كانت تشعر أنها ملاذها عند الغضب ،ومتنفسها الوحيد ،وبأن همومها و آلامها تذوب وتتلاشى كما تذوب قطعة الشكولاتة وتتلاشى ،بدون أن يشعر أحد أو يتأذى منها .
دائماً تهتم لمشاعر الآخرين ولكن ليس هناك من يهتم لمشاعرها .
أغلقت عيناها وتمنت لو تستطيع إغلاق تلك الصفحات من كتاب حياتها ومحو تلك الذكريات من مخيلتها، رغم أنها كانت تشعر أو هكذا خيل لها أن تلك الأيام كانت منتهى السعادة.
تمددت على سريرها وعادت للنظر إلى فضاء الغرفة ولكن في هذه المرة مصحوباً بالذكريات .
عادت بشريط حياتها إلى أيام صباها عندما كانت شابة جميلة ورشيقة ، من كان يراها يثني عليها بما حباها الله من نضارة وجمال .
تقدم لخطبتها هذا الشاب الوسيم من شباب الحي وكانت فرحتها عظيمة لإختياره لها من بين قريناتها وصديقاتها ، وقبلت به وأحبته بكل جوارحها وهو أيضاً أحبها وبشدة .
في تلك الفترة كانت تشعر بأنها الفتاة المحظوظة وبأنها أسعد زوجة على الإطلاق.
ومن شدة حبها له ذابت روحها به وتلاشت ذاتها من أجل رضاه .
حملت بطفلها الأول وفرحت جداً خاصة وهي ترى الفرحة تتلألأ في عينيه، وتعاهدا كما تعاهدا على أشياء كثيرة قد مضت من حياتهما على تربية إبنهما أحسن تربية ،وعندما أنجبته طلب منها ان يكون إسمه على اسم والده ووافقت بكل فرح ،ثم حملت بطفلها الثاني ثم الثالث والرابع وزوجها يزداد حبه لها ولإطفاله، وكانا يتمنيان أن تتوج فرحتهما بمولودة أُنثى وتمت لهما هذه الأمنية وجائت تلك الطفلة الجميلة لتزيد أيامهم جمالا .
كانت السعادة ترفرف بأجنحتها في أنحاء المنزل وضحكات أطفالها المجلجة في جنباته وصرخاتهم العابثة ترن هنا وهناك وإحساسها بدفء زوجها وبحبه لها رغم أنه كان قليلا مايحدثها عن شؤونه الخاصة أو يبثها همومه ،وكانت هي لاتكثر من الأسئلة ولا تلح عليه حتى لايشعر بالضيق .
لم تسأله يوما أين تذهب أو متى تعود ،ولم تحاول ان تعاتبه يوما إذا غضبت بل تبتلع غضبها وخاصة عندما ترى أنه عاد يحادثها وقد نسي أحداث الشجار وعادت تلك الأبتسامة تنير وجهه ،أو عندما تسمع نبرات صوته ينادي بإسمها ويتحبب إليها.
وكانت جميع آلامها تتلاشى إذا امتدح طهوها، أو شكر تفانيها وصبرها، ولا تكاد تسعها الدنيا من شدة السعادة إذا أخذها بين ذراعيه واحتضن أبناءه ولاعبهم قبل أن يخلد إلى النوم.
قضت أيامها ولياليها وهي تتفانى في خدمتهم وتبحث عن سبل السعادة لتوفرها لهم ، كانت الزوجة الصالحة المطيعة التي نسيت نفسها في سبيل سعادة زوجها ،والأم الرؤوم التي تفانت في الحنو على أبنائها ونسيت آلامها ،كانت سيدة البيت الممتازة والطاهية الماهرة والمدبرة لجميع شؤون المنزل فقط المنزل .
إبنها البكر الآن في الصف الثالث الثانوي وإبنتها الصغرى في الصف الخامس الإبتدائي
والأيام تمر والسنوات تطوى وهي راضية وقانعة لاتتذمر .
إلى أن عصفت الريح بحياتها وكل ماضيها في تلك الليلة عندما جاءها بهدية وطلب إليها أن يتحدثا في غرفة نومهما بعيدا عن الأولاد .
جلس بجانبها وأمسك بيديها بين يديه المرتجفتين، وعينيه تهرب من عينيها ،وهو يبحث عن كلمة يبتدئ بها حديثه ،مما جعل الخوف يتملكها وضربات قلبها تتسارع وأحست أن هناك خطبا ما .
بقيت صامتة وعيناها تدور في قسمات وجهه تستجدي الكلمات من بين شفتيه المترددة .
جلست في سريرها ، وصدى صوت زوجها يدوي في أُذنيها وفي أرجاء الغرفة عندما ألقى تلك القنبلة من بين شفتيه لتمزق قلبها وتجعله أشلاء محترقة .
هزت رأسها وكأنها تنفض من مسامعها تلك الكلمات القاسية ...
-سأتزوج.
لم تتكلم بل تاهت عيناها في عينيه الخجلة وفتحت فمها مدهوشة ومشدوهة وهو يردد تلك الكلمات بصوت متهدج :
-أرجوك لاتغضبي أنت تعلمين كم أحبك وكم أكن لك من معزة واحترام ،فأنت الزوجة الحبيبة ولن أجد امرأة في مثل عقلك وحبك وتفانيك وستبقى مكانتك عندي كما هي ولن يأخذ أحد منزلتك.
إعلمي أني لم أتعمد جرحك ولكني وبعد تردد وتفكير عميق قررت أن أتزوج .
أغرورقت عيناها بالدموع والكلمات تدور في رأسها وصداها في أرجاء الغرفة ،تساءلت في نفسها :
-ماذا فعلت وبماذا أغضبته لقد أحببته بكل جوارحي ولكن هل هو حقا أحبني كما أحببته ، سؤالٌ جاء متأخراً .
جلست على طرف سريرها ورمت بقدميها على الأرض متثاقلة ورفعت نظرها أمامها ورأت صورتها بالمرآة ،نظرت إلى نفسها وكأنها ترى نفسها للمرة الأولى بتلك الصورة ،عيناها وقد غارت تحت عبء انتفاخ وجنتيها وذقنها الذي أصبح ذقنان أو ثلاثة تتدلى على ماتبقى من رقبتها، وكتفيها محدبة من جراء تراكم الدهون والشحوم عليها وتلك الإسطوانات فوق بعضها البعض من رقبتها إلى فخذيها .
رفعت عينيها إلى صورة زواجها المعلقة على الحائط وذهلت للفرق الذي تشاهده فقد تغير شكلها كثيراً لِمَ لَمْ تلاحظ هذا من قبل هل يعقل أن تكون قد نسيت نفسها وذاتها لهذه الدرجة.
نظرت إلى الدرج بجانبها ومدت يدها وأخذت قطعة اخرى من الشكولاته ووضعتها في فمها وأغمضت عيناها ،ولكن دموعها تسارعت تنهمر ساخنة تحرق وجنتيها وتمنع الشكولاته من الذوبان في فمها فقد كان الألم أكبر من أن تستطيع التغلب عليه وتذويبه ،وهي تسمع آخر كلمات زوجها وهو يقف على باب الغرفة قبل أن يخرج :
أعذريني أيتها الحبيبة فقد غدوت بدينة ،بدينة جداً.