مرحباً بالجميع
بداية ( شيبان ) هي جمع لكلمة شايب أي رجل كبير في السن و ليست أسماً لشخص أو لقبيله
و لكي لا تختلط الأمور على أحد وجب التنويه هنا
***
في المنطقة التي أعيش فيها في دولتي الحبيبة ، أزدحمت المنطقة بسبب تحويل أصحاب الفلل و المساكن
بيوتهم و فللهم إلى شقق سكنية فأصبح الأزدحام شيء طبيعي بالنسبة للكثافة السكانية المرتفعة
و لأن السكان هم عبارة عن خليط من الاسر الصغيرة المتعددة الجنسيات و الأعراق
لذلك أندثرت أو كادت تندثر صورة المجالس ( الديوانيات ) وأجتماع الجيران في دوانية أحد الجيران
كل مساء ، كما اعتدنا في الخليج العربي كافة ، عموماً أنا أحد المستأجرين للشقق السكنية تلك
لكنني و لأنني جئت من بيئة أعتدت فيها على طابع ( المجالس و الديوانيات و القهوة و الشاهي
و السوالف ) لم أئلف طبيعة حياة الشقق تلك حتى بعد مرور سنوات من حياتي في هذا النظام
و قريب من مسكني يوجد مسجد أعتدت أن اذهب فيه للصلاة وقت حلولها في كل وقت و في طريق الذهاب و الأياب من
و إلى المسجد ، اعتدت أن أرى أثنين من( الشيبان ) الذين تجاوزا السبعين ، بعد الصلاة جالسين
في فسحة تقع أمام منزل أحدهما و هو ( أبو حمد )
و هما يجلسان فيها دائماً بعد صلاة الفجر إلى وقت صلاة الظهر ثم بعد
صلاة العصر إلى قبل أذان المغرب ثم ينفض مجلسهما الصغير المتواضع يومياً
و كما كنت اقول فإنني أعتدت على المرور على هذين ( الشايبيين) دائماً و من الطبيعي أن أرفع يدي و صوتي بالسلام
فيجيبان هم ( حياك تقهو ! )
و مرة بمرة وجدت نفسي أنظم لهذه الجلسة عند ( أبو حمد و صديقه أبو صلاح )
حتى اصبحت الفرد الثالث من رواد هذه ( الديوانية ) المتواضعة
و مع أنني أصغرهما بنصف عمرهما أو يزيد إلا أنني و بعد مرور الوقت وجدت نفسي صديقاً لهما
هذا علاوة على أنني جار لهما كذلك اذ أن شقتي لا تبعد كثيراً عن منزل ( أبو حمد ) كما أن منزل ( أبو صلاح )
يقع أمام منزل ( أبو حمد )
كنت أجلس معهما و( نتقهوا - و نعيين من الله خير - ) على حد تعبيريهما
و ( نسولف ) و ما أحلا ( سوالفهم) و ما أحلا فلسفتهما في الحياة خصوصاً ( أبو صلاح ) فأنني ارى أن له
فلسفة عجيبة جداً في الحياة و في كافة نواحيها و في كل مرة كنت أجلس معهما كان ( أبو صلاح )
يسرد حكمة ما ، أو بيت شعري ، أو مقولة
كنت أرددها بيني و بين نفسي لكي أحفظها و ما أن أعود إلى منزلي حتى أدونها عندي في دفتر ملاحظاتي الزاخر
كان غالب ما يدور من ( سوالف في دوانية أبو حمد )عن الماضي و ايام الماضي
و الذي يذكران فيه مغامرتهما و شبابهما و كيف كانت الحياة بسيطة و هادئة و كيف تحولت
المنطقة التي نسكن فيها من منطقة ما فيها غير كم بويت إلى منطقة مزدحمة
و كنا ايضاً نتطرق إلى السياسة أحياناً - و من فلسفة ( أبو صلاح ) أنه قال ذات مرة :
( شف الله يطول أعماركم السياسة مثل نقل العفش - شفت الرجال إليا بغا يعزل من بيت لي بيت
و جاب له دنه ( شاحنة صغيرة ) و حط فيها غريضاته ، و عزل
أبد هذي السياسة نقل عفش مثل مثل ) أو أحسبه قال ( سيم سيم ) أي ( seam seam ) ...
اذكر أنني تطلعت إليه و قد ارتسمت على وجهي علامات الحيرة ؟!؟!؟!
و كم تفكرت كثيراً و طويلاً في فلسفة هذا ( الشايب ) ، و كم وجدتها حكيمة و عميقة إلى حد كبير
فعلاً فإن السياسة مثل ( نقل العفش ) ، و هذا ليس لغزاً ، أوليست السياسة فعل بمقتضى حال
أذن هي نفسها ( نقل العفش ) و ( التعزيل ) لا يكون إلا بمقتضى حال ايضاً
من فلسفة أبو صلاح أيضاً انه ذكر ذات مرة قائلاً
( عنزاً تعرف العشيب و تاكله -
و عنزاً تسمع صوت السكاكين إتسن )
و قد قال هذه المقولة الغريبة العجيبة بعد أن تحدث ( أبو حمد )
عن صبي ( هندي ) كان عنده و فيه وسواس من المرض و أن ذلك ( الهندي الموسوس ) لديه أبن عم
يعمل في دبي و يمتلك شركة خاصة صغيرة هناك
لكن مصدر عجبي هو أنني رأيت هذا المثل ينطبق تماماً
كل الأنطباق على حال الأمة العربية و حال الملعونة إسرائيل
و يالها من حكمة عجيبة غريبة
نعم ، ( عنزاً تعرف العشيب و تاكله و عنزاً تسمع صوت السكاكين إتسن ) !
و من اقوال ( أبو صلاح ) الفلسفية العميقة ايضاً
و التي أنقلها لكم من دفتر ملاحظاتي :
- العوج عوج يا معدل الميلات
- طنها و لا ترنها
- الرياجيل للمواقف ما هوب المواقف للرياجيل
- خلها لين يجيب الله مطر و إلا أن يبست و أنت ما في يدك حيله
- الشيب عيب إليا غدا العيب شيب
ولله در هذا الشايب ، فكم له من عمق نظر في الأمور عجيب
وقد سجلت له أكثر من ثلاثين مقولة من مقولاته
أما صاحبه و جليسه ( أبو حمد ) فكان شاعراً محباً للشعر و الأبل فقد كان في زمانه ( وبالاً )
أي صاحب ابل
و كان كثيراً ما يذكرنا بأبيات شعرية فيها حكم و مواعظ جليلة و مما تسعفني الذاكره الآن بذكره
أبيات من الشعر دائماً ما يتغنى بهما ( أبو حمد ) وقد حفظتها :
يـامــا تـولـيـت القـبـايـل تــقــل ذيــــب مــن خــوف لاينـقـص عليـكـم عشـاكـم
وياما شربت السمن من عرض ماجيب يــفــز قـلـبــي يــــوم يـبـكــي حــداكــم
أحفـيـت رجليـنـي بـحـامـي اللـواهـيـب وخلـيـت لـحـم الـريـم يخـالـط عـشـاكـم
ياعـيـال دوكــم لـحيـتـي كـلـهـا شـيــب هـــذا زمـــان قـعـودنــا فــــي ذراكــــم
قـمـت اتـوكـا فــوق عــوج المصالـيـب قصـرت خطـانـا يــوم طـالـت خطـاكـم
عطـونـي الـقـرضـة علـيـكـم مطـالـيـب عطونـي القرضـة جـزى مــن جـزاكـم
لابـــد يـــوم عـــاوي دونــــي الــذيــب بالقبـر مـا افــرق طيبـكـم مــن رداكــم
مـانـي بفاضـحـكـم بـوســط الاجـانـيـب باعـمـالـكـم يــــدرون كــــل اقـربـاكــم
لـوكـان تـــدرون الـــردى والمعـايـيـب صرتـوا مــع المخـلـوق مـثـل خويـاكـم
وهذه القصيدة في عقوق الوالدين للشاعر ( جحيش بن مهاوش ) و قالها في ابنائه العاقيين به
و يقال أنه دعى عليهم و استجاب الله له !
و ( لأبو حمد ) الكثير و الكثير من الذكريات و السوالف التي يحدثنا بها عن الأبل و القصيد
،
ومن حكاياته عن الابل التي لا تمل يوم أنكسرت رجل ( اللقحه) ، ( ناقة ) و التي تحتها ( بكرة )
( إبنتها )
و نصحوه بنحرها إلا أنه رفض و جلس شهرين يرعاها ما عنده أحد
حتى أستعادت ناقته جزء من عافيتها - و أجد في هذا درساً عظيماً من دروس الرفق بالحيوان
الذي يدعيه الغرب لنفسه و نحن أهله - وديننا هو الدين الحق و أتباعه أتباع نبي الحق صلوات ربي و سلامه عليه
ورغم أنني رجل أكاديمي حصلت على شهادات عليا في دراستي و أعمل في مجال الأدب و البحث التاريخي
إلا أنني أجد نفسي طالباً صغيراً في مجلس ( أبو حمد و صديقه ابو صلاح ) و لا زلت أمر بهما
كل ما سنحت الفرصة أجلس إليهما و أتعلم منها و ( أتقهوا و أعين من الله خير - ) و على الرغم من أن
( أبو حمد و أبو صلاح ) خريجين من مدرسة الحياة التي علمتهما كل هذا حتى أصبحت لهما هذه الفلسفة
العميقة و التي حبذا لو تعلمنا منها جميعاً فهي خير ما نتعلم و خير ما ننتصح به
أسأل الله العلي القدير أن يمد في أعمارهما و يلبسهما لباس الصحة و العافية
و إياكم و من تحبون
ودمتم بود !
عبدالله بن حواف
شاعر و كاتب و باحث في التاريخ