...حينَ جئنا للحياةِ-أختي الكريمة البديعة طيبتي-كانَ مَجيئُنا وُفْقَ المشيئةِ الربانية التي أرادتْ أن نجيءَ على ما أرادَ خالقُنا سبحانَه وتعالى،وما كنا نملِكُ من أمر أنفُسِنا في ذلكَ حوْلاً ولا قوةً..
جئنا لهذه الحياة على النحو الذي عناهُ عمر الخيام-رحمه اللهُ-في رحلةِ ( رباعياتِه ) الشامخة :
((...لبستُ ثوْبَ العيْشِ لمْ أُسْتَشَرْ...))
بيْدَ أننا-وللهِ الحمدُ-لم تعْصِفْ بنا الحيْرَةُ بعد ذلكَ كما عَصَفتْ بالخيَّام،غفرَ اللهُ لنا وله..!!
صحيحٌ أننا جئنا من غيْر إذنٍ منا أو مَشورة..وصحيحٌ أننا ما اخترنا-في لوح الله المحفوظ-آباءَنا ولا أمهاتِنا ولا طبيعة الحياة التي شمِلتنا واكتنفتْنا حادثاتُها المُختلفة،ولكننا نؤمنُ إيماناً راسِخاً أن كلَّ ما عَرَضَ لنا في حياتِنا كانَ لحكمَةٍ بالغةٍ ولغايةٍ مُثْلَى،وما جئنا-في الحقيقةِ-وانتشرنَا في عالَمِنا عشواءً أو تنجيماً أو هَزَلاً..تعالى الله سبحانه وتعالى عن الهزل...
إن اللهَ سبحانه وتعالى،يَهْمِسُ لي في قرارةِ فِطرتي باستفهامٍ عظيمٍ،خرَجَ عن غرضِه البلاغي الحقيقي إلى غرَضٍ جليلٍ آخرَ،يجبُ فهمُه جيِّداً،ولكأني أسمَعُ أصداءَ الهمْس في جنباتِ نفسي،وفيه من جلال المعنى وأثَر العِظةِ ما يجعلني-وأمثالي من جميع أبناء آدَم-أغمضُ عيني لأفتَحَها على تمعُّنٍ وتأمُّلٍ عميقيْن : (( أفحسبتمْ أنما خلقناكمْ عَبَثاً وأنكمْ إلينا لا تُرجَعون ))..؟؟!!
إيِـي وَربِّي...ما خُلِقنا عبَثاً،ولا تُرِكنا هَمَلاً،ولا كانتْ عوارضُ الحياة الدنيا التي تعترينا وتناوشُنا من هنا وهناكَ إلا لِحكمةٍ تعتري ولغايةٍ تناوشُ..وللهِ دَرُّ القائل :
ألاَ إنما الدنيا بَلاَغٌ لغايَةٍ ** فإما إلى غَيٍّ وإما إلى رُشْدِ...
وما من شكٍّ أن المؤمِنَ الصادِقَ-أختي الكريمة-مأمورٌ دائماً إزاءَ لأواءِ الحياةِ ونكباتِها وجراحِها وقِراحِها،وهي في كثير من الأحيان تأتي أرتالاً ومَوْجاتٍ،أن يستعينَ-بالله تعالى-على أقدارها السيئةِ بأقدارها الحسنة،فإن النبيَّ عليه الصلاة والسلام-كما وردَ في سيرته العَطِرة-كانَ معَ عِظَم الضائقةِ والبلاءَ،ومع صبْرهِ الفريد العظيم على تحمُّلِ أثقالِها وتبِعاتِها،يختارُ لنفسِهِ-عن إرادةٍ وصِدْق وإخلاصٍ-سَلاَمةَ العاقبةِ وعافيَةَ الْمَآل،ألمْ نسمعْهُ-وهو في عزِّ البلوَى،يُؤذَى في الله وما يُؤذى أحدٌ،ويُخافُ في اللهِ وما يُخافُ أحدٌ،ويمضي صاراً ثابتاً في دعوتِه أمامَ إيذاءِ السفهاء والرعاع من سادة ثَقيفٍ في يوم الطائف العصيب-ألمْ نسمعْهُ،يَجأرُ إلى الله : ((...إنْ لمْ يكنْ بكَ غضبٌ عليَّ،فلا أبالي،ولكنَّ عافيَتَكَ هي أوْسَعُ لي...))..؟؟!!!
نَعَمْ أختي الكريمة..فإنه حين تُحِكمُ الضائقةُ حلقاتِها على حياةِ المَرْءِ منا،وحينَ ننفِضُ أيادينا المرتعشة الضعيفةِ من رعونةِ الأسباب،فليسَ من ملجأ إلا أنْ ترحلَ أرواحُنا الجريحة،تلتمسُ هناكَ-وسطَ الدياجي-بلسَماً من رِضَى وبَرَداً من رحمةٍ ورأفةٍ بينَ يَدَي الله سبحانه الحانية...
وإني-أختي-وأنا أجوسُ بين هذه القطوف الدانياتِ التي نقلْتِها لنا،وأتأملُ في عِبَرِها المُستقاةِ وراءَ كلماتِها وحروفها،يزدادُ يَقيني وإيماني بـ ( العَجَبِ ) الذي استشعرهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أمر المومن وحاليْهِ في هذه الحياة : ((...إن أصابته سراءُ شكرَ،فكانَ خيراً له،وإن أصابته ضراءُ صبرَ،فكان خيْراً له..))..!!!
حتى اللأوَاءُ والمصيبة..سبحانَ اللهِ،فيها من الخير ما لا يراهُ إلا العارفونُ بالله...
جاءَ رجلٌ مَكْرُوبٌ إلى الإمام عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-يَستجديهِ دُعاءً صالحاً أن يرحمه الموالى عزوجل برفْعِ الكَرْب عنه،فقالَ له الإمامُ الكبير : (( يا بني..كيفَ أدعو اللهَ أن يَرحمَكَ،مما به سيرْحَمُكَ..؟؟!!! ))...
بوركتِ-أختي الكريمة-على هذه العناقيدِ الإيمانية النورانية الوارفة،وجزاكِ الله تعالى بما هو أهلُه....