السلام عليكم
اعزائي واحبتي القراء
انا اسف جدا لتاخري في نشر الجزء الخامس منها .. مشاغلي الكثيرة حالت دون ذلك .. استميحكم عذرا وتقبلوا عودتي من جديد ..
ارجو وان يروق لكم ما سطرته هنا ..
تقبلوا تقديري واحترامي
الجزء الخامــــس :
- كانت يده الشمال ترتفع بحركة سريعة تصل اعلى راسه فيهتز معها شعره الكث الذي اشعل الشيب مفرقه حتى جبينه وهو مازال في الثلاتين من عمره , قد صادر الاجهاد والتعب ما بقي من نظارة وجهه المكفهر .
ترتفع سكينه عاليا غير انها تهبط وجلة مرتعشة لاتكاد تلامس ثوب درة ولكأنها تحنو عليها تشم ريحها العبق ثم تحّلق عاليا وهي منتشية .! لم يكن قلب محسن يحمل لدرة بغضا ولكنه كان ضحية نظرات موجعة من عيون هازئة تزلزل شخصيته المسالمة اينما حط خطاه , اراد ان يبرهن لتلك العيون الوقحة اللاتي تراقبهما ملتذة وهو يصارع ثورة عقله المبرمج بناموس العرف على قلب ما تعلم ان يكره احدا . قلب ما ران عليه ماكانوا ينافقون, هل هذا كاف ليسترد هيبته من تلك الوجوه التي تذبذبت ملامحها بين الاستمتاع والتشفي , فهاهي رسل اعينهم الدنيئة تعربد فوق مفاتن ذاك الجسد المسجى المتلوي وقد تقهقر ثوبها حاسرا عن سيقان تحسبها اللجينا !!!
هل هذا كاف ليعلن لهم انه مايرضيه حال اخته المتمردة على مجتمعها المحافظ اولئك المتصابئون الذين سكروا في سحر تلك الفاتنة وهي تفحص برجليها تدرأ بكلتا يديها اخطار سكين خجولة ما تستطيع ان تلج حضرة ذاك الجمال التائه فتحدث فيه ولو ندبة وقد خالط درة هول المفاجأة فكانت عيناها الشهلاوتين العريضتين تحاول ان تستقرأ ملامح وجه اخيها المضطرب الذي اعياه خذلان جوارحه لقرار ابت عليه ان يتمه بحزم, ..وقفوا مذبذبين لا يستطيعون حراكا ماكانوا يستطيعون ثني هذا الحمل المتنمر وماكانوا ليفوّتوا هذا المشهد الاخذ لقلوبهم المريضة العطشى لجمال تلك الحسناء وامنية واحدة تجمعهم في التقرب منها وتخليصها من بين يديه لتستمر معها احلامهم المصبوغة بلون المراهقة وبين عقولهم المستجنة في زواياها صدأ الجهل وعصبية تلفلفت بقيّم نظرّت لها مجالس العشيرة ...فجعلتهم متسمرين بامكنتهم حائرين ..
بينما خامر مدحت شعور غريب ما جربه من قبل مشاعر لم يدرك ماهيتها وهو ينظر الى ساقيها المكشوفتين البظتين بنظرة خلا منها بريق البراءة وقد وقع في نفسه احساس مشوّش ليطرق بابا يجهل ما وراءه !!!
مدحت ... مدحت .. تعال هنا ..
- افزعه الصوت القادم من وراء تلك الحشود ... انه صوت رهيب نبراته تعزف على مسمعه الحان القشعريرة والرهبة , صوت والده ..
كيف رأه من بين اجساد محشورة في مكان ضيق غابت عنهم اي رغبة في التململ وفارقها شعور العطف .
... اسرع الى هنا هيــــــــــــــــــــــا
توجه الى حيث الصوت متماهلا منكسرا, رفع عينيه يستجدي سببا يطمّئّن به روحه المهزوزة .. لمح بيد والده شيئا يتلألآ اختلطت الوانه فهبت على قلبه نسمة من سكينة هدّأت خاطره قليلا , انه يوم الخميس, نعم انه يوم النظافة . يوم كأيامه المتخمة بالاضطراب والوجل .. فتلك علبة مسحوق الغسيل ترسل اضواءها لتفرض عليه ان يشمر عن ثيابه مبتدءا رحلة جديدة مع نوع اخر من المعاناة والتحيّر .
وقف مدحت بجانب محل والده مفضلا عدم الدخول حيث مازال والده يحاول ان يقنع احد القرويين لشراء كومة عظام تجمعت منذ يومين على جانب عتبة الدكان , كان الذباب قد غطى قسمها الاعلى ويد والده تذود عنها بين الفينة والاخرى طاردة اياه فيطير اسرابا متفرقة ويعود كجيش منتظم يهاجم قلعة ذلول استحوذ عليها للتو فتهافتوا لاقتسام غنائمها , طنين الذباب كان عنوانا لمحلات الجزارة في ذلك السوق فكان هو المنادي على بضاعتهم والدليل لمن خانته حاسة شمه .
تراقصت على وجه ابيه ابتسامة النصر وهو يراقب يد القروي تنسل بهدوء الى جيبه الداخلي ليخرج منه النقود بعد مماكسة طويلة . فهم مدحت ان البيع قد تم فارتاحت نفسه ومسح على راسه متلمسا شعره المبلول بعرقه الذي يتدفق طيلة نهاره وقد انفتحت اسارير والده مبتهجا لخلاصه من تلك الكومة التي تشبه الحطب الخاوي فهذا سبب لطيف ان يجعل مزاج والده معتدلا اكثر مما مضى فيأمن انفعالاته الحادة ولو لبضع دقائق.
رمقه والده بنظرة فهم مغزاها فهرول الى داخل الدكان واخرج كبسا ورقيا فارغا كان يستخدم لتعبئة الاسمنت احضره مدحت وهو يحاول التخلص من جزئه الاعلى الذي اصطبغ بالدم , فتح الكيس بينما انحنى والده يعباه بتلك العظام الهزيلة وهو ينعم بنشوة اكتساحها من على باب دكانه والتي انتظرت طويلا قبل الذهاب برحلة لاعودة منها .
- مدحت خذ المكنسة ونظف الدكان ثم اغسله , قال ذلك وهو يمد يده ليفتح درج خزانة النقود التي كانت تتوسط منضدة خشبية قديمة فارقها لونها قد ران عليها طبقات من الدم المتجمد يتوسط سطحها ميزان حديدي بكفتي نحاس اسود تتحول يومي الخميس والجمعة الى البني بعد ان تمحل يديّ مدحت من جلّيه كل يوم خميس وتناثرت حوله قطع سوداء تحمل مثل وزنها كتلا من الدهون المتلبدة وحصيات مختلفة الاحجام كانت تستخدم كاعيرة للميزان .
تناول مدحت الابريقين المصنوعين من البلاستك من تحت تلك المنضدة البائسة وتوقف ينظر الى والده وهو يعد ماجناه من سهر الليل وكدّ النهار .
- ابي من اين اجلب الماء لاغسل الدكان ؟
- الم اقل لك نظفه بالمكنسة اولا ؟
- نعم ياابي سافعل بعد ان اجلب الماء .
- الا تعرف من اين تجلب الماء ؟ اهي المرة الاولى التي تفعل ذلك ؟!
- لا ياابي ولكن اخاف من بهية فهي طردتني في المرة السابقة وحذرتني ان عدت من جديد ستضربني بعصاها .
- هيا تحرك لا تكن جبانا لاتهتم لكلامها هي امرأة عرجاء لا تستطيع ان تفعل لك شيئا هيا تحرك .
- يخاف من بهية هه ! تلك المرأة الخرقاء العانس ذات الساق الخشبية .. هه يخاف منها .
- هيا بسرعة
- فراس اذهب مع مدحت واجلبا الماء ثم اغسلا الدكان جيدا وعودا الى البيت مباشرة , لم يجب فراس الذي وصل لتوه .
- مدحت عجّل بني اذهب مع خالك ولا تتاخر عد الى البيت بعد ما تنتهيا اياك ان تتأحر فانت تعرف ماذا يعني ان تأخرت .
- نعم ابي .
سار مدحت باتجاه ذاك الببيت القريب من دكان ابيه في الجهة المقابلة له ودواخله تشتعل حيّرة ماذا سيفعل ان احست بهية به وهو يملآ اباريقه ., هي فعلا لاتستطيع اللحاق به بساقها الواحدة وعكازها الخشبي الطويل ولكنه خائف ان تكمن له وهو يتوسط حوض الماء,
اينبغي ان يهرب ان سمع صوت عكازها بركيزته الحديدية الذي يقرع الارض كأنه طبل حرب أزفت ساعتها ويملأ صداه ارجاء الدار ؟
هل يترك اباريقه وسط حوض الماء ؟ وان تركها فمن ينقذه من والده ان اراد به ضربا موجعا او تأنيبا شديدا ان رجع اليه خالي الوفاض ؟
هل يحملها ويجري بها ؟ ولكن كيف سيجتاز ذاك الدهليز الطويل والمظلم راكضا باتجاه الباب وهي مملوءة بالماء ؟
بينما كانت تلك الاحتمالات المتعاقبة التي يبدو انها اكثر من ان يحصيها تغزو عقله الصغير بنتائجها الرهيبة , احس بيد تمسك ياقته وصوت قادم من ورائه يختلط بلهاث متسارع ..
- مدحت اذهب انت واطرق الباب وانا سأنتظرك هنا .. قالها خاله فراس وعيناه الخبيثة تحمل تلك النظرة الاستعلائية النافذة الى قلب مدحت الذي يملأ اركانه الوجل.
- تعال معي ياخال ارجوك , لنذهب سوية فعسى ان رأتنا بهية نحن الاثنين معا قد تتراجع عن تهديدها .
- لا اذهب انت لوحدك لاتعاندني هيا .. قال ذلك واسند ظهره الى الجدار القريب من ذاك البيت مبينّا لمدحت انه لن يتحرك مهما حاول وتوسل .
- قد يفضحني صوت انسكاب ماء الحنفيه على قعرابريقي الفارغ فتوقع بي بهية متلبسا فماذا عساني ان افعل ؟
- لن تراك هي الان نائمة او تتناول وجبة الغذاء .. انا متأكد انها ان تراك , هيا اذهب سينادينا ابوك في اي لحظة هيا تحرك .
رفع بصره باتجاه خاله يستعطفه بنظرة يملأها الرجاء عسى ان يرق قلبه لحاله فيحرك جسده البدين داعما له , لكن عبثا يحاول فعينا خاله كانت مشغولة بشيء اخر غير عابئا به ولا يهمه ما تتنازعه من هواجس .
تقدم مدحت باتجاه باب الدار مشجعا بعضه بعضا ...
وللحديث بقية ......