نبيل الجابري
24-03-2009, 06:45 PM
المصطلح والنشأة
نبيل نعمه الجابري
لعل شكلاً كتابياً لم يمثل إشكالية ثقافية ولغوية وتجنيسية كما هو الحال في قصيدة النثر العربية، التي كلما تقدم بها الزمن نحو الأمام، كلما اتسعت بها دائرة البحث عن المصطلح وعن الجنس والبداية في البحوث والدراسات الخاصة بهذا المجال.
مصطلح (قصيدة النثر) هو الترجمة الحرفية للمصطلح الفرنسي poemin prose، أو هو الترجمة الحرفية للمصطلح الانكليزي poemen prose، كما وهو عنوان الباحثة (سوزان برنار) في دراستها الموسومة (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا)، وهو عينه الإسم الذي تبنته جماعة مجلة (شعر) اللبنانية وسعت لنشره في الساحة الأدبية العربية رغبة منهم في التأكيد على ((إن المصطلح أطلق عربياً بنوع من الطمأنينة رغبة في تسمية الأشياء بمسمياتها للخروج من البلبلة والخلاص من تشويه الحقائق)).
في حين نجد المصطلح – بهذا الاسم- قد فتح باب الجدل على مصراعية بدلاً من غلقه، وهذا الجدل في حقيقة الأمر – قائم على طبيعة التناقض الموجود في القصيدة فهو أصل موجود فيها أسست له وتبنت دعائمه (سوزان برنار) إذ تقول: ((وقصيدة النثر في الواقع مبنية على إتحاد المتناقضات ليس في الشكل فقط، وإنما في جوهرها كذلك، شعر ونثر، حرية وقيد، فوضوية هدامة وفن منظم)).
فالمعترضون كثيرون على هذا المسمى ويرون أنه يحمل التناقض في بنيته، فكيف يكون قصيدة ونثراً في الوقت عينه!وهذا مؤسس وفقاً للموروث الثقافي العربي، إذ لا بدّ أن تؤلف القصيدة على أوزان وإيقاعات، أي وفقاً لتعريف قدامة بن جعفر إذ يقول: (( وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز مع تمام الدلالة من أنه:- قول موزون مقفى ويدل على معنى))، ووفق هذه الرؤيا فان قصيدة النثر تتعارض أيما تعارض معها، لأنها جاءت لتنسف مما تنسفه لما هو مألوف من ذلك الأساس الإيقاعي والوزني الذي (ظل على الدوام ركناً من أركان الشعرية الذي لا يُزعزع)، فهذه الناقدة العراقية (نازك الملائكة) لها موقف تجاه هذه القصيدة إذ تقول: ((ولقد سموا النثر الذي يكتبونه على هذا الشكل باسم (قصيدة النثر) إن القصيدة إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة وليست نثراً..... فما معنى قولهم (قصيدة نثر) أذن؟))، فهي ترى أن الشعر قائم على الوزن فلا شعر بدون وزن، متناسية إن الشعرية تخلق وزن النص، ولا يخلق الوزن بالضرورة شعرية النص.
نحن نرى إن المصطلح إذا كان قد تعرض للأشكال في ذاته، فأن مما قاده إلى هذا الأشكال وهو الخلط بينه وبين غيره من المصطلحات التي واكبت قصيدة النثر العربية وحملت الدارسين على ذلك الخلط، ففي زمن وجيز تجمعت مجموعة من المصطلحات على صلة بموضوعة (قصيدة النثر) من مثل: (( الشعر المنثور، القصيدة المنثورة، الشعر المرسل، الشعر المنطلق، النثيرة ، النثر بالشعر......الخ))، فالمتأمل لهذه الأنواع سيلاحظ الفوضى السائدة بسبب عدم تدقيق وتوحيد المصطلح ضمن ما يتناسب والنسق الثقافي العربي.
أما ونحن نقف إزاء هذا المصطلح الذي نعده ضحية الترجمة الحرفية للمصطلح الغربي لا بد من نحدد موقفنا من هذا المصطلح نحن نرى بان قصيدة النثر هي جنس مغاير لا هو شعري ولا هو نثري يأخذ من الشعر كما يأخذ من النثر ما دمنا قد سلمنا بأن القصيدة غربية المنشأ وغير عربية فهم لم ينشروا تحت هذا المسمّى قصائدهم إلا إذا اعترف أصحابها بأنها قصيدة نثر، وفي هذه دلالة على أن هذه القصيدة كانت موجودة وكان موجود معها الكثير من الأجناس الأخرى.
أما فيما يخص النشأة فالإتفاق يكاد يكون مطلقاً في أن قصيدة النثر العربية لون من الألوان الكتابية الشعرية (وعنوان درج تحته شعراء مجلة (شعر) اللبنانية تجاربهم وإبداعاتهم الكتابية)، (كل من أدونيس، يوسف الخال، خليل الحاوي، نذير عظمه... هم الشعراء الأساس الذين شكلوا نواة تجمع شعر في البداية)، لحق بهم إنضمام أسعد رزوق، إنسي الحاج، خالد سعيد، كنقاد شباب لهذه الجماعة الأدبية، ثم إستطاعت مجلتهم ـ شعر ـ أن تستقطب في أوقات متباينة مجموعة أخرى من الشعراء الشباب نحو هذا التجمع وأبرزهم: (فؤاد رفقة, محمد الماغوط، منير بشور، شوقي أبو شقرا، عصام محمود).
هؤلاء هم من بشروا بلون من الكتابة جديد، مع عدم التطرق إلى تسمية محددة له، كون المصطلح كان ولما يزل غائما في أذهان الجماعة شأنه شأن كل جديد إلى أن أنجزت الباحثة (سوزان برنار)، أطروحتها للدكتوراه في قصيدة النثر الفرنسية والموسومة تحت عنوان:(قصيدة النثر من بودلير إلى ايامنا)، الأمر الذي حدا برواد كتابة هذا اللون إلى تناول المصطلح وبدأوا يسمون به كتاباتهم ونتاجاتهم النثرية فيما بعد.
فقد سارع أعضاء من جماعة ـ شعر ـ الأدبية إلى ترجمة كتاب (سوزان برنار) ـ ملخصاًـ وتبني المبادئ الواردة فيه، وكان أول من يسعى إلى ذلك هو أدونيس في مقالته التي كتبها (في قصيدة النثر) التي نشرها عام 1960 في المجلة عينها، تلاها إصدار لأنسي الحاج بكر مجاميعه تحت عنوان (لن)، ليصبح أول ديوان خاص في قصيدة النثر العربية متلائما مع ما وضعوه من قواعد وأصول للكتابة بهذا اللون الأدبي.
لذا فإننا لا نبالغ إذا ما عددنا أدونيس، يوسف الخال، إنسي الحاج هم الأسماء التي دعت إلى كتابة قصيدة النثر العربية وتبنيها نمطاً شعرياً، وأبرازها في الوطن العربي لما قدموه من نتاجات غزيرة، فضلاً عن سبقهم الزمني والتوسع في تبني مفهومات سوزان برنار بعد أن نقلوها إلى العربية.
أما فيما يخص إنتشار هذا اللون من الكتابة وتحت عنوان قصيدة النثر في الوطن العربي فقد كان المناخ مهيئاً – إلى حد ما- لإستقبال هذا اللون الكتابي نتيجة لإنتشار حركة الترجمة والبعثات العربية الى الدول الاوربية والاطلاع على ما عند الاخرين من آداب، فقد كان لظهور مجلة (الكلمة) عام 1968م في العراق لصاحبها حميد المطبعي خطوة أخرى للكتابة بهذا اللون من الشعر والتي قام بها شعراء شباب من العراق هم:(سركون بولص، صلاح فائق، فاضل العزاوي) وغيرهم من الشعراء، ثم توالت هذه المحاولات في مناطق أخر من الوطن العربي لنشر هذا النسيج الأدبي الذي أقتحم الساحة العربية وفرض هيمنته الفعلية في بداية وأواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم في سوريا ومصر والسودان والمغرب وغيرها من الدول العربية.
وللحديث تتمة......
نبيل نعمه الجابري
لعل شكلاً كتابياً لم يمثل إشكالية ثقافية ولغوية وتجنيسية كما هو الحال في قصيدة النثر العربية، التي كلما تقدم بها الزمن نحو الأمام، كلما اتسعت بها دائرة البحث عن المصطلح وعن الجنس والبداية في البحوث والدراسات الخاصة بهذا المجال.
مصطلح (قصيدة النثر) هو الترجمة الحرفية للمصطلح الفرنسي poemin prose، أو هو الترجمة الحرفية للمصطلح الانكليزي poemen prose، كما وهو عنوان الباحثة (سوزان برنار) في دراستها الموسومة (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا)، وهو عينه الإسم الذي تبنته جماعة مجلة (شعر) اللبنانية وسعت لنشره في الساحة الأدبية العربية رغبة منهم في التأكيد على ((إن المصطلح أطلق عربياً بنوع من الطمأنينة رغبة في تسمية الأشياء بمسمياتها للخروج من البلبلة والخلاص من تشويه الحقائق)).
في حين نجد المصطلح – بهذا الاسم- قد فتح باب الجدل على مصراعية بدلاً من غلقه، وهذا الجدل في حقيقة الأمر – قائم على طبيعة التناقض الموجود في القصيدة فهو أصل موجود فيها أسست له وتبنت دعائمه (سوزان برنار) إذ تقول: ((وقصيدة النثر في الواقع مبنية على إتحاد المتناقضات ليس في الشكل فقط، وإنما في جوهرها كذلك، شعر ونثر، حرية وقيد، فوضوية هدامة وفن منظم)).
فالمعترضون كثيرون على هذا المسمى ويرون أنه يحمل التناقض في بنيته، فكيف يكون قصيدة ونثراً في الوقت عينه!وهذا مؤسس وفقاً للموروث الثقافي العربي، إذ لا بدّ أن تؤلف القصيدة على أوزان وإيقاعات، أي وفقاً لتعريف قدامة بن جعفر إذ يقول: (( وليس يوجد في العبارة عن ذلك أبلغ ولا أوجز مع تمام الدلالة من أنه:- قول موزون مقفى ويدل على معنى))، ووفق هذه الرؤيا فان قصيدة النثر تتعارض أيما تعارض معها، لأنها جاءت لتنسف مما تنسفه لما هو مألوف من ذلك الأساس الإيقاعي والوزني الذي (ظل على الدوام ركناً من أركان الشعرية الذي لا يُزعزع)، فهذه الناقدة العراقية (نازك الملائكة) لها موقف تجاه هذه القصيدة إذ تقول: ((ولقد سموا النثر الذي يكتبونه على هذا الشكل باسم (قصيدة النثر) إن القصيدة إما أن تكون قصيدة وهي إذ ذاك موزونة وليست نثراً..... فما معنى قولهم (قصيدة نثر) أذن؟))، فهي ترى أن الشعر قائم على الوزن فلا شعر بدون وزن، متناسية إن الشعرية تخلق وزن النص، ولا يخلق الوزن بالضرورة شعرية النص.
نحن نرى إن المصطلح إذا كان قد تعرض للأشكال في ذاته، فأن مما قاده إلى هذا الأشكال وهو الخلط بينه وبين غيره من المصطلحات التي واكبت قصيدة النثر العربية وحملت الدارسين على ذلك الخلط، ففي زمن وجيز تجمعت مجموعة من المصطلحات على صلة بموضوعة (قصيدة النثر) من مثل: (( الشعر المنثور، القصيدة المنثورة، الشعر المرسل، الشعر المنطلق، النثيرة ، النثر بالشعر......الخ))، فالمتأمل لهذه الأنواع سيلاحظ الفوضى السائدة بسبب عدم تدقيق وتوحيد المصطلح ضمن ما يتناسب والنسق الثقافي العربي.
أما ونحن نقف إزاء هذا المصطلح الذي نعده ضحية الترجمة الحرفية للمصطلح الغربي لا بد من نحدد موقفنا من هذا المصطلح نحن نرى بان قصيدة النثر هي جنس مغاير لا هو شعري ولا هو نثري يأخذ من الشعر كما يأخذ من النثر ما دمنا قد سلمنا بأن القصيدة غربية المنشأ وغير عربية فهم لم ينشروا تحت هذا المسمّى قصائدهم إلا إذا اعترف أصحابها بأنها قصيدة نثر، وفي هذه دلالة على أن هذه القصيدة كانت موجودة وكان موجود معها الكثير من الأجناس الأخرى.
أما فيما يخص النشأة فالإتفاق يكاد يكون مطلقاً في أن قصيدة النثر العربية لون من الألوان الكتابية الشعرية (وعنوان درج تحته شعراء مجلة (شعر) اللبنانية تجاربهم وإبداعاتهم الكتابية)، (كل من أدونيس، يوسف الخال، خليل الحاوي، نذير عظمه... هم الشعراء الأساس الذين شكلوا نواة تجمع شعر في البداية)، لحق بهم إنضمام أسعد رزوق، إنسي الحاج، خالد سعيد، كنقاد شباب لهذه الجماعة الأدبية، ثم إستطاعت مجلتهم ـ شعر ـ أن تستقطب في أوقات متباينة مجموعة أخرى من الشعراء الشباب نحو هذا التجمع وأبرزهم: (فؤاد رفقة, محمد الماغوط، منير بشور، شوقي أبو شقرا، عصام محمود).
هؤلاء هم من بشروا بلون من الكتابة جديد، مع عدم التطرق إلى تسمية محددة له، كون المصطلح كان ولما يزل غائما في أذهان الجماعة شأنه شأن كل جديد إلى أن أنجزت الباحثة (سوزان برنار)، أطروحتها للدكتوراه في قصيدة النثر الفرنسية والموسومة تحت عنوان:(قصيدة النثر من بودلير إلى ايامنا)، الأمر الذي حدا برواد كتابة هذا اللون إلى تناول المصطلح وبدأوا يسمون به كتاباتهم ونتاجاتهم النثرية فيما بعد.
فقد سارع أعضاء من جماعة ـ شعر ـ الأدبية إلى ترجمة كتاب (سوزان برنار) ـ ملخصاًـ وتبني المبادئ الواردة فيه، وكان أول من يسعى إلى ذلك هو أدونيس في مقالته التي كتبها (في قصيدة النثر) التي نشرها عام 1960 في المجلة عينها، تلاها إصدار لأنسي الحاج بكر مجاميعه تحت عنوان (لن)، ليصبح أول ديوان خاص في قصيدة النثر العربية متلائما مع ما وضعوه من قواعد وأصول للكتابة بهذا اللون الأدبي.
لذا فإننا لا نبالغ إذا ما عددنا أدونيس، يوسف الخال، إنسي الحاج هم الأسماء التي دعت إلى كتابة قصيدة النثر العربية وتبنيها نمطاً شعرياً، وأبرازها في الوطن العربي لما قدموه من نتاجات غزيرة، فضلاً عن سبقهم الزمني والتوسع في تبني مفهومات سوزان برنار بعد أن نقلوها إلى العربية.
أما فيما يخص إنتشار هذا اللون من الكتابة وتحت عنوان قصيدة النثر في الوطن العربي فقد كان المناخ مهيئاً – إلى حد ما- لإستقبال هذا اللون الكتابي نتيجة لإنتشار حركة الترجمة والبعثات العربية الى الدول الاوربية والاطلاع على ما عند الاخرين من آداب، فقد كان لظهور مجلة (الكلمة) عام 1968م في العراق لصاحبها حميد المطبعي خطوة أخرى للكتابة بهذا اللون من الشعر والتي قام بها شعراء شباب من العراق هم:(سركون بولص، صلاح فائق، فاضل العزاوي) وغيرهم من الشعراء، ثم توالت هذه المحاولات في مناطق أخر من الوطن العربي لنشر هذا النسيج الأدبي الذي أقتحم الساحة العربية وفرض هيمنته الفعلية في بداية وأواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن المنصرم في سوريا ومصر والسودان والمغرب وغيرها من الدول العربية.
وللحديث تتمة......