المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اعترافات على ورق


اشراق
18-05-2009, 01:49 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
هذه الرواية من تاليفي الشخصي تم نشرها في بعض المواقع على الانترنت و اتمنى تنال اعجاب اعضاء و زوار منتدى منابع الادبية




اعترافات على ورق


إهداء:



إلى أمي التي أشتاق إليها و أنا في حضنها
إلى أبي الحنون
إلى كل من شجعني على الكتابة
إلى رفيقة دربي و توأم روحي
أهدي رواية على درب الحياة

إشراق








مقدمة الكتاب


:عزيزي القارئ

هذه الرواية مستوحاة من عدة قصص تناهت لسمعي تحاول أن تتقرب من غموض الحياة.
ربما في هذه الرواية شيء من أحلامي و بعض من خيالاتي. أحاول فيها تفجير قدراتي الكتابية المتواضعة كأول محاولة لي و مع ذلك أحس بالتقصير.
أكتب قصة تدور أحداثها في زمن المستقبل , قصة امرأة تحدت الدهر فأبى أن يستسلم
تحدّت كل شيء في الدنيا مقابل الحصول على السعادة و لو حتى الشعور للحظة بطعمها الحقيقي.
كنت طبيبتها و لكنها فارقتني .هي عينة من هذه الحياة الآثمة التي لا تبقي لنا سوى الذكريات على اختلافها و تجعلنا نشتاق للحظات السعادة التي عشناها. فهي امرأة عرفت
طعم السّعادة الحقّ بعد المرارة.
هذه المرأة حاولت أن تغير وضعها و لكن الزّمن سار عكس ما تريد. و كانت إرادتها القوية سرّ نجاحها في الصّمود و الحصول على مبتغاها.
لقد فارقتني بعد أن نطقت بآخر كلمة من سرّها المكنون في جوانح روحها المتألمة و بعد أن ملأت قلبي أملا في الحياة ذلك الأمل الذي كان تائها مني.
هي التي علّمتني معنى هذه الدنيا و فتحت عينيّ على حقيقة قد تخفى علينا نحن اللاهثون وراء قشور الحياة "الإيمان".
أخشى أنني أسهبت في الوصف ، بينما تغني حكايتها عن كلّ ذلك و شوقتكم إلى قصتها.

و إليكم ما قالته لي حين أخبرتها بخطورة مرضها و بقرب اجلها المحتوم:



الفصل الأول
قلب متعب

"لا حياة مع اليأس و لا يأس مع الحياة و لا وقت للأسف على الماضي الغابر يا بنيتي فالإيمان دواء و الأحزان شقاء. و لست بآسفة على حالي . و إنما أطلب من الله أن ينصفني ساعة موتي، فهو مخفف الآلام و الغني الحافظ الذي لا راد لقضائه و قدره. لا يعني هذا أنني أتهرّب من مسؤوليتي بما وصلت إليه من مرض ووهن. و لكن الظاهر أنني سأعود لذلك المكان القدسي إلى السماوات العليا حيث أطمئن و أحيا ثانية بسلام."

"آه كم أتوق إلى العودة إلى ذلك الهدوء و إلى تلك البراءة و لذلك السّكون كما في طفولتي قبل أن أعرف ما يخفيه لي القدر. ليتني أستطيع رؤية الأشجار كما كنت أراها طفلة . ليت الأشياء ظلّت أشياء."

و رمقتني حينها بنظرات حنونة كأنها تتفحص وقع كلماتها على نفسي الحائرة في حقيقة كلّ هذا الغموض في كلماتها ،هل أنا التي أصبت ببلادة الذهن ،أم هي التي تعمدت أن تكون كلماتها ألغازا مليئة بالمعاني ؟
و لم تمض سوى لحظات قصار من الصّمت و التمحيص كلتانا في عيني الأخرى حتى استأنفت كلامها.
"آسفة على إزعاجك. الظاهر أنني أصبحت خرفة ،امرأة لا تتفوّه سوى بالتفاهات و ما قد ينفس عن نفسها و يقلق راحة الآخرين .
هذا القلب العليل يا ابنتي تحمّل الكثير من الآلام إلى أن مرض و اعتل،و كتب نهاية مصيري .
سألتني أن أفتح لك قلبي و أنا التي سلمته لك بدخولي هذا المستشفى. هو مركز الدّاء و علّة نفسي،و ربما كان سبب هذا الحزن الدّائم في عيني.



الفصل الثاني
ذكريات طفولة

بدأت حكايتي منذ مولدي. كانت أمي تأمل في أن ترزق بولد ليكون ساعد أبي الأيمن في عمله كما هي عقليّة سكان الرّيف في ذلك الوقت. و لكن مشيئة الله جاءت معارضة لإرادتها، و هاهي آمالها تغرق في بحر عميق لا قرار له. هذا ما قاله لي والدي. فما انبعثت في قلبها ذرة من الأمومة، ذلك الإحساس الذي تتعطش له النفس أول ما يلامس عبق الحياة الدنيا أنفاسها. أّّّما والدي فقد كان قانعا بأن البنت نعمة لا تعوّض هي الأخرى. فأحاطني بحنانه و رعايته ليعوّضني حنان الأمّ الّذي أفتقده في وجودها. و لكنّ ذلك لم يكن يخفف عني.

كنت أحس بشيء ما و لا أدرك كنهه. ربما كان ذلك من نواميس النفس و كنوناتها التي تخفى علينا. و لكن ذلك الإحساس رافقني دائما في تلك الفترة و كلّما اقتربت من ذلك الصندوق المقفل في غرفة والدي و الذي كان يحجر علينا لمسه أو الدنوّ منه حتى لمجرّد نفض الغبار عنه، أنا و أمي.و كان يقال لنا حين ذاك أنه يحوي وثائق هامّة تخصّ ـملاك الأسرة و بعضا من حليّ جدّتي النّفيسة.

و مع الوقت كبٍرت و كبٌرت معي أحلامي و خيالاتي. كنت أقف كلّ ليلة أمام النّافذة أنظر إلى أشجار التوت البعيدة هناك في الأفق، إلى القمر في السّماء، فأدقّق فيه ، فإذا به يهمس لي من وراء السّحب . إلى أين أيتها النّفس المعذّبة بذلك السّر ّ الهائلِِ؟ ماذا يحويه ذلك الصّندوق اللّعين ؟ و ماذا سيحدث لي إن لمسته ؟ لن تكون نهاية العالم طبعا
.

لم يعجز ذهني الصغير عن فهم ذلك الحوار و فكّ ملابسات القضّية ؟ هذا تماما ما كنت أفكّر فيه.
لم أتمكّن يومها من رؤية جمال الطّبيعة كالعادة.
و كأنّ بتلك الحيرة قد شوّهت حسنا فلا ثمار تطلب قطافها و لا وجود لتلك الشّمس التي تتخذ من أوراق الأشجار نقابا لأشعّتها السّاطعة ، و لا سماء زرقاء و لا ظلال وارفة.
أقبلت على طعام الغداء و كأنّ شيئا لم يحدث ، و في داخلي صراع شديدة و أفكار تتداخل . لقد كدت أفتح تلك الكوّة المؤدّية إلى بوّابة الماضي ، و لكنّ ريحا صرصرا أغلقته و صدّته عني. و خفت حينها افتضاح أمري و ارتباكي ، فعيناي سرعان ما تفضحانني. فآه من هذه العيون؟

جلست إلى مقعدي أنظر ماليّا إلى السّبورة البيضاء المعلّقة أتأمّل أفقها ، و فجأة سمعت :
_ اقرئي ...هيّا..

و رفعت رأسي فإذا بالأستاذة تخاطبني. يا إلهي ماذا أقرأ من أساسه؟.
و يسود الصّمت في القاعة الواسعة،و تتحجر الدموع في مآقي. ما هذا الموقف؟ أ لا يكفي ما يحدث لي ؟ ماذا بعد؟ و رأيت زميلتي تشير إلى أحد السطور ، فوجدت نفسي أقرأ من ذلك المكان المجهول المشار إليه دون وعي بما أقول ، و كنت حينها أتمنى أن تنشقّ الأرض و تبتلعني لإحساسي باتجاه جميع العيون إلي و سخريتهم مني . تلك العيون الساخرة كانت تجرحني كثيرا و تؤثر في لدرجة دفعتني إلى الانعزال عن باقي الأصدقاء في الفترات الأولى من سنوات الدراسة.
ما أصعب أن تقاوم الواقع بالواقع . لذلك كنت أسبح في محيطات كتبي و قصصي،باختصار أقاوم واقعي بالحلم و الخيال ، ذلك الذي يأخذني إلى دنيا أخرى أعيش فيها بالطريقة التي تحلو لي.

لكن حين أفيق ؟آه ،من استفاقة هذه العيون بعد هيمانها . هي سبب ابتلائي، ترى كل شيء بحساب أمامها وتحاول الغوص في بواطن الأشياء : إذ لم تعد المظاهر و القشور تهمني بعد ذلك الحوار. أحسست أن تلك الأسرة التي أعيش فيها هي قشرة خارجية : مظهر من المظاهر الاجتماعية الضرورية لكن باطنها منهار و قلبها مريض معتلّ . هذا هو الفرق بين واقع يومي قائم على المظاهر المبتذلة التي نعيشها و نتأقلم معها و بين حقيقة روابط قد تنهار في أيّ وقت.

بالمناسبة يا ابنتي : هذه العيون التي ترينها أمامك هي التي تذكرني بالماضي . دائما يقال لي إنّ عيوني حزينة و لامعة كشظايا البلّور : تتلألأ دوما حتى عندما أكون في ذروة السّعادة . و لذلك قلت لك أنهما من تفضحانني دوما .
لنعد حيث توقّفنا .
لم أستطع النوم ليلتها : و تعبت كثيرا من التفكير إلى درجة الأرق و السهاد .
و مع الفجر تقريبا نعست من كثرة التعب و استسلمت للنوم .

الأعين الحزينة الذابلة رغم جمالها : هذه سمة عينيّ . ربما بسبب ما تعتقده عن مشاعر والدتي تجاهي : ذلك الوهم الذي لا اعرف إن كان حقيقة. هما عينيّ اللتين أحاول جاهدة جعلهما تضحكان و لكنني أفشل دائما : و أحسّ بالدموع تخنقني و بالأسى يسيطر على قلبي كلّما لاحظ أحدهم ذلك .
آه من هذه العيون التي تأبى إلا أن تشوه جمال صوري بحزنها . كم حاولت أن أضحك من عينيّ : أن يشرق وجهي كلّه و يتلألأ بسعادة الهدنة التي عقدتها مع أمي منذ ذلك الحوار الغامض ."

هنا توقفت محدّثتي فترة من الزّمن جعلتني أفكّر في كلماتها . أحسست أنها صورة لواقع قد يعيشه أي منّا في حياته الدّراسيّة و الاجتماعية و حتى الأسريّة . الأكيد أنّه علينا العودة إلى حيث توقّفنا من أحداث . فليس من حقي أن أعلق على شيء . فما أنا إلا شخص حاول اجتثاث عذاب الناس و تخفيفه قدر المستطاع باسم الطّبّ.
"و تستأنف محدّثتي كلام القلب الّذي ينبعث من وهل أوجاع قلبها المعتلّ ، ذاك الذي حيرني فما عرفت له دواء و ما قدرت على اجتثاث دائه من أصوله أنا الطبيبة صاحبة الشّهائد العليا ."

في هذا الموقف تؤكّد لك الطبيعة البشريّة أنها تخفي من أسرار خلق الإنسان و تكوينه ما نعجز نحن البشر عن اكتشاف كنهه دفعة واحدة .
" و مرة أخرى أعود الى الحيرة القاتلة و كأنني رهن حلقة مفرغة من العذاب و الهمّ يتخلّلها فرح قصير و سعادة عابرة سرعان ما تذوب في غمرة الأحداث .
أقول هذا لأنني لاحظت تغيرا غامضا في سلوك والديّ . أما أمي فقد صارت ترأف بي و تغمرني أحيانا بعطف يلوح لي كأنه شفقة أو إحسان . في نفس الوقت ،كان والدي يمضي كامل يومه في العمل ، و لم يعد يتحدّث إليّ كالعادة أو يهتمّ بصغائر الأمور التي تعتري حياتي .

و ظللت على تلك الحال أشهرا تتتالى و تتسارع في نسق غريب لم يسبق لي أن عهدته .
و مع الأيام ، اقتربت أكثر من هذه المرأة الجذابة التي لم أعرف أمّا سواها منذ وعيت على الدّنيا .
بدأت أجد نفسي أميل إلى الحديث إليها ، و بدأت هي تبتسم لي كلّما لمحتني ، صارت إنسانة أخرى مليئة رقّة و حنانا . و أعترف أنّ هذا جعلني أحسّ بالذنب تجاهها . هل يعقل أن أكون قد ظلمتها طيلة هذه السّنوات؟ هل يمكن أن تخفى عنّي مشاعرها الدافئة كلّ هذا الزّمن؟ لم يسعفني ذكائي بإجابة حينذاك.

" ـظن أنك يا ابنتي قد عايشت فرح الباكالوريا في فترة من فترات حياتك . هذا ما حصل لي بالضبط غير أن سعادتي لم تكتمل في ذلك الوقت. كنت أرغب في دخول كلّية الحقوق ، كان حلمي الأكبر و طموحي الذي لم أستطع الاستغناء عنه . لكن أبي و لسبب لم أدركه عارض الأمر بشدة متعللا بطول فترة الدراسة ، و بأنّ سلك القضاء صعب و لا يليق بفتاة مثلي ، وهي مسؤولية لست مؤهلة لحملها باعتبار النساء يحتكمن لعواطفهن أوّلا . لكنّ ذلك لم يقنعني أبدا . و قررت لأول مرّة في حياتي أن أخالف رغبته و أن أتمسّك برأيي . و قدّمت طلبا للانضمام لكلية الحقوق و قبل بسرعة لامتياز درجاتي . ووضعتهم أمام الأمر الواقع هكذا كسبت عداوة أبي ، فصار لا يطيق مجالستي و لا حتى النظر في وجهي و كأنني مجرمة هاربة من العدالة تستحق أن ينزل بها أشدّ العقاب."

"حين نصمم نحن البشر يا ابنتي على شيء فإننا نستطيع تحقيقه خاصّة ، و إن كان لا يتجاوز حدود الشرع و الأخلاقيات و المنطق . هكذا كانت قناعتي بأنّ ما فعلته لا يتعدّى اختيارا حرّا ، هو حقّ من حقوقي على والديّ تقبّله بصدر رحب."
" لقد صمّمت ، أجل تحديت الظروف و نظرة أبي الحانقة ، و ساعدتني حنية أمي المفاجئة على تخطي صعاب تلك المرحلة إلى أن قطعت شوطا هاما نحو التخرج . لم تكن تلك السنوات سهلة على الإطلاق ، و لكني تسلّحت بالصبر و الشجاعة و الإيمان . كانت تلك أسلحتي حين أيأس :الصبر و الشجاعة و الإيمان طوق النجاة حين تجرفني أمواج الحزن و الاكتئاب من وضعي البائس حسب نظرتي في ذلك الحين ."

"عندما عيّنوني قاضية بمرتبة الشرف ،شعرت بردّ لاعتباري . أجل قد تستغربين ذلك . لكن هذا ما حصل . انقلبت نظرتي للأمور . و صرت أرى نفسي أمسك بالقانون بيدي لأنصف به المظلومين ، فأنصف ذاتي بطريقة أخرى . لا تنظري إلي هكذا و لا تعجبي . فكل كلمة تنطق ببراءة مظلوم كانت تزيدني قوة و ثقة بالنفس و تنسيني شيئا من معاناتي في السابق من ظلم الناس و خسف الزمان ، و كانت كل كلمة براءة بحق ظالم تخرج من بين أضلعي و تقتلع روحي. و أجد نفسي أسعى جاهدة لفتح القضية و أنصاف صاحب الحق . لكني لم أحس بعجز القانون أو ضعفه أمام ذكاء البشر ".

ان شاء الله اكمل باقي الاجزاء

نووود
18-05-2009, 02:35 PM
تسلمي اشراق وفي انتظار باقي الاجزاء
دمتي بود ومحبة

اشراق
18-05-2009, 02:44 PM
شكرا على المتابعة اختي الفاضلة و لعيونك بعض الاجزاء الاخرى






الفصل الثالث
مرحلة جديدة

أظن أنك يا ابنتي قد عايشت فرح الباكالوريا في فترة من فترات حياتك . هذا ما حصل لي بالضبط . غير أنّ سعادتي لم تكتمل في ذلك الوقت . كنت أرغب في دخول كلّية الحقوق ، كان حلمي الأكبر و طموحي الذي لم أستطع الاستغناء عنه. لكنّ أبي و لسبب لم أدركه عارض الأمر بشدّة متعلّلا بطول فترة الدّراسة ، و بان سلك القضاء صعب و لا يليق بالفتيات، وهي مسؤولية لست مؤهلة لحملها باعتبار أن النساء يحكمن بعواطفهن . و بدى في حالة هستيريا.

لم يقنعني كلامه أبدا . و قررت لأول مرة في حياتي أن أخالف رغبته و أن أتمسك برأيي. و قدّمت طلبا للانضمام لكلية الحقوق دون إبلاغه و قبل بسرعة لامتياز درجاتي. ووضعتهم أمام الأمر الواقع.هكذا كسبت عداوة أبي ، فصار لا يطيق مجالستي و لا حتى النظر إلى وجهي و كأنني مجرمة هاربة من العدالة تستحق أن ينزل بها أشدّ العقاب .

"حين نصمم نحن البشر يا ابنتي على شيء فإننا نستطيع تحقيقه خاصّة و إن كان لا يتجاوز حدود الشريعة و المنطق و الأخلاقيات . و هكذا كانت قناعتي بأن ما فعلته لا يتعدى اختيارا حرا هو حقّ من حقوقي على والدي تقبله بصدر رحب .

لقد صممت .أجل تحديت الظروف و نظرة أبي الحانقة . و ساعدتني أمي هذه المرّة وحنيّتها المفاجئة على تخطي صعاب تلك المرحلة إلى أن قطعت شوطا هامّا نحو التخرج .
لم تكن تلك السنوات سهلة على الإطلاق ، و لكني تسلّحت بالصبر و الشجاعة و الإيمان. كانت تلك أسلحتي حين أيأس : الصبر و الشجاعة و الإيمان طوق النجاة حين تجرفني أمواج الحزن و الاكتئاب من وضعي البائس حسب نظرتي في ذلك الحين ."

" عندما عينوني قاضية بمرتبة الشرف ، شعرت بردّ لاعتباري . أجل قد تستغربين ذلك . لكن هذا ما حصل . انقلبت نظرتي للأمور. و صرت أرى نفسي أمسك بالقانون بيدي لأنصف به المظلومين ، فأنصف ذاتي بطريقة أخرى . لا تنظري إليّ هكذا و لا تعجبي . فكل كلمة تنطق ببراءة مظلوم كانت تزيدني قوة و ثقة بالنفس و تنسيني شيئا من معاناتي في السابق من ظلم الناس و خسف الزمان . و كانت كل كلمة براءة بحق ظالم تخرج من بين أضلعي و تقتلع روحي . و أجد نفسي أسعى جاهدة لإعادة فتح القضية و إنصاف صاحب الحق . لكني لم أحسّ بعجز القانون أو ضعفه أمام ذكاء البشر."






الفصل الرابع

صدف متتالية


و يصادف أن يشاء القدر التقائي بصديق قديم كنت تقريبا قد نسيت أمره كلّيا .
كان أحد الرّفاق الّذين أحترمهم و أقدّر مجهوداتهم و إصرارهم . كان هو من زرع فيّ روح التحدي في فترات الدراسة و تعلّمت منه الصمود في وجه الأبواب المغلقة. و هاهو الآن مهندس معماريّ قد شقّ طريقه بنجاح و لم يبق له سوى فتح مكتبه الخاصّ و بداية مشواره المهني .

كنت خارجة من المحكمة ، حين لمحته من بعيد. و لكني لم أميّزه لعجلتي . و لم تمض سوى دقائق حتى سمعت صوتا يناديني و يلحّ في النداء بلطف و هدوء. و استدرت ناحية الصوت لألمحه مبتسما ناظرا إليّ ، متطلّعا ردّة فعلي . هكذا جمعتنا الصدفة و أكملت خدمتها لتوطّد صداقتنا و ترجعنا إلى أيام الطفولة و الدراسة .

و مع مرور الوقت ، بدأت أحسّ بشيء غريب يدقّ باب قلبي و بنبضي يتسارع و بوجهي يتطلّق فرحا كلّما رأيته . و تهت بمشاعري ، ووقفت في نافذتي كالعادة ، لكني لم أفكّر هذه المرّة في القمر و لا في السحاب و أشجار التوت و الفجر ونسيم الليل و عتمته.
بل تهت في عالم آخر . أصبحت أشعر بالحيرة و أرغب في تفسير حالتي الجديدة . و هنا شعرت بالعجز . أنا حقا لم أعرف إن كان ما أشعر به حقيقة وواقعا أم وهما مثل كل أوهامي أو رغبة في ملء فراغ في حياتي .

و تساءلت عن مشاعره : كيف يمكن أن يوجد شابّ بقوّة الأسد في تحدّي الصعاب و ببراءة الأطفال في الحديث .
و لكن هيماني في هذا الموضوع لم يطل ، لأنني سرعان ما انشغلت عنه بما هو أهمّ و أعظم : تلك الخزنة اللعينة التي أقضت مضجعي ليال و أهملته سنين ثمّ عاد إلى الظهور ثانية ....

كيف عدت للتفكير فيه ؟ أكيد أنه ليس السّؤال الذي يطرح نفسه هنا. أنا أقرأ في عينيك سؤالا آخر هو ماذا بعد هذا؟
أجل ، ببساطة فتحت الخزنة يوما بطريقة ما، وجدته مفتوحا. اعتقدت أنّ مفتاح هذه الخزنة ملقى في بئر عميقة لا قرار لها .

لقد دخلت على والدتي متوقعة أن أجدها متمددة على سريرها كما يفترض أن تكون في ذلك الوقت المتأخّر من اللّيل . أردت سؤالها عن سبب تأخر والدي في العودة . و فوجئت بأمي واقفة قبالة تلك الخزنة ترتجف كأوراق الخريف في تساقطها، كانت حافية القدمين ، منتصبة القامة ، عيناها تكادان تخرجان من محجريهما ، مسلّطتان في نفس الاتجاه الذي لا تستطيع أن تحدّده و كأنها تنظر إلى الأفق أو تشاهد صورا من الماضي ، كان الشرود واضحا في لمعان بؤبؤي عينيها.
بقيت أنظر إليها لوهلة دون أن أتحرّك و أحسست بأنني أنكمش على نفسي . ثم انتابتني قشعريرة جعلتني أرتجف و أصدر صوتا خافتا، انتبهت له أمي. إذن لم تكن شاردة الذهن كليّا بل بدت في ذلك الوقت كأنها تحاول أن تستمع لهمس الرّياح السّاكنة.
ثم نظرت إليّ كما لو أنها تراني لأول مرّة . و علا الذّهول وجهها وواصلت تأمّلها و تمحيصها فيّ لدرجة أنني أحسست باختناق الكلمات في حلقها . صم بدت العبرات واضحة في مآقيها لتنفجر باكية.

إنّه الضعف الإنسانيّ الذي يظهر بعد الصدمة ، و يبدو البكاء المتنفّس الوحيد و المعبر عن هذا الضعف .و لكنه ربما يعتبر نعمة لنا نحن النساء . أجل ، أنا أعتبره نقطة قوة . لولا البكاء يا ابنتي ما قدرنا على مواصلة الحياة و لا على تحمل الصدمات. هي حكمة الله التي سهلت نزول عبراتنا .

لنعد للمهم . أنا لم أعي في تلك اللحظات شيئا. لم يخطر على بالي سوى استنتاج واحد وهو أن أمي قد وجدت في الخزنة شيئا عجيبا ، ربما ورقة سريّة أو صورة قديمة أو بطاقة أثارت فيها ذكريات مؤلمة أو ذكريات تحنّ لها كثيرا.
تقدّمت خطوة إلى الأمام ،ثم تسمّرت في مكاني . إذ أحسست فجأة بالخوف. لم و كيف؟ لا أدري . فقط تلك النظرات الغريبة التي في عينيها بدت لي مرعبة . أحسست أنني أمام شبح امرأة أراها لأول مرة.

و فجأة تقدّمت هي نحوي ، و مدّت يدها دون أن تنبس ببنت شفة. كانت ترتعش ، و ترتعش و يزيد ارتعاشها كلّما اقتربت يدها من خدّي. أنا لم أعد قادرة على الحركة . خلت أن شيئا ما على خدّي تريد أن تنتزعه. لكني فوجئت بها تمرّرها على رأسي ثم تجس ذراعي و تلمس ذقني كأنها تتأكد من أنني حقيقة و ليس سرابا، بأنني من تقف بشحمها و لحمها لا وهما أو شبحا. ثم احتضنتني و ابتسمت ،ثم ضحكت و بكت . بدت لي كأنها في هستيريا أو في نوبة من الجنون . بعدها نظرت إليّ في عينيّ و تمعّنت جيدا و قالت :"كنت أعتقد أنني فقدتك بلا رجعة. كنت قد فقدت الأمل ، لكنني لم أفقد مشاعر أمومتي إلى اليوم .

" صدقيني يا ابنتي عندما تسمعين كلاما مبهما في معانيه مختلطا بدموع ساخنة و ضحكات صادقة من أعماق القلب ، تفقدين الإحساس بالزمان و المكان و لا تدركين أ أنت في واقع أم في خيال. هذا ما أتذكّره عن تلك اللّحظات.
بعدها طلبت منّي أمي الذهاب إلى غرفتي . و لم أجرؤ بصراحة على سؤالها أيّ شيء،، حتى أنني نسيت أمر والدي.

و جافاني النوم ، وخمت في التفكير و ذهبت لأبعد ما يكون ، فكرت في كلّ الأمور ، في علاقتي بوالدي في هذا التغير المفاجئ لأمي ، فيما حصل تلك اللّيلة . لم أدري كم من الوقت مرّ عليّ و أنا أتقلّب في سريري ، و أقلّب المواضيع . و لكنّي كنت أعلم أنّ الوقت كان متأخرا جدا.
و دخلت أمي الغرفة ، دون أن تطرق الباب كما اعتادت أن تفعل عادة. و اقتربت من فراشي في الظلمة و بدت غير منتبهة إلى أنني لم أنم بعد.

جلست على فراشي بمحاذاتي ، ووضعت يدها على شعري و جعلت تربت عليه في حنان كبير و تقول بصوت يكاد لا يسمع ، تخنقه العبرات :"كيف لم أعرفك ؟ كيف تجمّد إحساس أمومتي كلّ هذا الوقت ؟ كيف لم أنتبه إلى هذا الشبه الكبير الذي يتألّق في عينيك ؟ أين تهتي منّي طيلة هذه السّنين ؟ أنا قسوت عليك يا عزيزتي . أنا، أنا...

ليتني لم أعرف قطّ ، هذا أفضل من أن أراك تعيشين معي بين فكي ذئب لا يرحم. كيف صدّقت خبر موتك في ذلك اليوم . مازلت أذكر يوم قالت لي الممرّضة أنك قد فارقت الحياة ، كما أذكر يوم دخل عليّ ذلك الوحش الكاسر في ثوب حمل وديع يحملك في يده و يقول : هذه الفتاة يتيمة سنتبناها عوض التي ماتت . أذكر أنني تقبّلتك يومها بفرح غامر و احتضنتك بكلّ الحنان الذي قد يحويه قلب أم . أذكر أنني اعتنيت بك كما لو كنت الطفلة الوحيدة التي خلقت في هذا الكون . و كنت أضحك معك و أنت تبتسمين في نعومة . كنت ملاكا صغيرا ووردة تنتظر أن تتفتّح . لكنّه منعني عنك . أراد أن ينتقم منّي ، أن يعذّبني ، افتككي منّي و زرع في عقلك تافهات و أكاذيب حولتني في نظرك إلى امرأة غريبة و جعلتني أقسو عليكي محاولة أن أبيّن له أنّه لم يقهرني . لكنّي لم أعد أحتمل التظاهر بذلك.
و اليوم أكتشف أنك ابنتي التي ماتت منذ أربع و عشرين سنة. لو تعلمين كم كنت أتمزّق حين أراكي ترتعبين لمجرّد أن أناديكي . كم كنت أكره أن أفرض عليكي القيام بما لا طاقة لك عليه ، لكنّي كنت أنانيّة . أردت أن أتحدّاه بك، فإذا بالورقة التي ظننتها رابحة تكتب هزيمتي السّاحقة ."

حينها تذكّرت ذلك الصوت الحنون و تلك الضحكات الرّقيقة التي تزورني من الماضي دائما دون أن أعرف مصدرها . إنّها هي .

حينها تذكرت ذلك الصوت الحنون و تلك الضحكات الرقيقة التي تزورني من الماضي دائما ، دون أن أعرف مصدرها . إنّها هي.... أنا لم أخطئ أبدا حين قلت أنّ ما من أمّ تكره أولادها . لكن من هو الذئب و الوحش الكاسر ؟

أنا أؤمن بمقولة :"لا تضحك لأنك سعيد لكن اضحك لتسعد." هكذا قرّرت أن أنسى ما حصل و أن أسعد لأنني لو فكرت سأصل إلى طريق مسدودة كالعادة.
لكن النسيان ليس بيدنا كما نعتقد. و الله سبحانه و تعالى يخلق الأسباب دائما ، من حيث لا ندري فتنقلب أحوالنا فجأة،ليكون بذلك دوام الحال من المحال .

أجل ، لن أنكر ذلك الإحساس الذي قلب كياني فجأة دون استئذان، حتى أنه أخذني إلى عالم آخر يتقاطع مع عالم أحلام الطّفولة و يجذبني من جديد لجنّتي الصّغيرة.
أصبحت الطبيعة ذات رونق جديد لم أعهده من قبل . أصبح كلّ شيء من حولي جميلا بل رائعا بل ..... لا أدري حقيقة َََ ماذا أصبح......

المهم أنني بتت أحسّ بشيء أقوى من الروح تتملكني ، صرت أسمع خفقان قلبي و أفتقد شخصا ما. بصراحة أفتقده. لكنني لم أدرك ما معنى ذلك و أوعزته إلى رغبة في ملئ فراغ أو التعلق بشيء يخرجني من أجواء الغمّ و أنا في هذا العمر.ربما لأنني لم أفكّر في أن أحب أو أن أرتبط . أحيانا أقول أن هذا يعود من خوفي الذي يسيطر على عقلي الباطن . أجل، أخشى أن يعيد التاريخ نفسه معي . و ماذا تستطيع امرأة مثلي أن تفعل ؟ مهما ادّعيت القوّة فبداخلي شيء يتمزّق . كان منارا بضوء الطفولة و إشراقها فإذا به يخبو.. و ينطفئ...... و يموت................

هو الذي أنار هذا الجزء ثانية ، هو الذي جعلني أكتشف ذاتي بطريقة ما. كنت قد فقدت ابتسامتي بسبب تلك الليلة . و ازداد الحزن في عينيّ و التمعتا برغبة جامحة في البكاء. أتذكّر يوم كنّا نسير على حافة الطريق ولسبب أذكره ارتسمت على شفتيّ ابتسامة شاحبة ، لكني حاولت أن أبتسم من عينيّ وقتها . و إذا به يقول :" لم يخطئ من قال أصدق ابتسامة، ابتسامة في عيون دامعة."
ثم نظر إليّ مبتسما وواصل السير في صمت ذي معاني. أحسست أنه يتساءل عن سبب حزني ، ثم أحسست أنه يحاول أن يجعلني أنطق بما بداخلي. لكن ذلك كان أصعب ما يمكن أن ينجح في بلوغه بشر. لم أتعود على أن أشتكي لأحد . تعوّدت على أن لا أكسب أحزاني إلا على ضفة النهر و النسيم يعانق الأرجوحة في تحركها . أليست الشكوى لغير الله مذلّة ؟ فلم أبوح بما يثقلني ؟

هو لم يلحّ ، و لكنه تفهّم بطريقة ما أن حالتي النفسية سيئة للغاية.
مع الأيام ، بدأت ألحظ تغيرا في ملامحي. لا أقصد أنّ شكلي تغيّر و لكني شعرت ببريق غريب يلتمع في تقاسيم وجهي ، و كأنها السّعادة المتحجّبة في خجل.
لم أعد أهتمّ بما يكدر عليّ يومي ، فقط أشعر به من حولي و أينما ذهبت ، و أحسّ به يكلّمني و يعاتبني.

" غريبة هي الدنيا ، تضعنا في اختبارات من حيث لا ندري. هكذا فكرت ، يجب أن أحدد طبيعة ما يحصل لي ، يجب أن أحدد نهاية لكل هذا، ماهو مصير هذه الصداقة؟"
" تنهدت محدثتي في محاولة لتفريغ ما أثقلها ، ثم استأنفت حديثها:"
كان أسبوعا مليئا بالشجارات و المشاحنات بين والديّ و التي تندثر حالما أدير المفتاح في قفل الباب.
و في إحدى تلك المرّات ، سارع والدي بالخروج من البيت بينما ذهبت أمي إلى إحدى الجارات و الغضب يهزّ كل كيانها . و هنا انتبهت إلى كوني وحيدة مع تلك الخزنة اللعينة. و عندها ، أحسست أنني انقسمت و تضاعفت . لقد صرت شخصيتين: إحداهما تحثني على التقدم نحوها و الثانية تؤنبني لمجرّد التفكير في ذلك."

لم أعرف عندها على ما أقدم. هل من الخطأ أن أتقدّم و أمدّ يدي و أفتحها ؟هل من الخطأ أن أكتشف صورة الذئب الحقيقي؟ هل من الخطأ أن أعرف سرّ البنت اليتيمة في حضور والديها؟ ما هذه الأفكار؟ أكيد لن تنتهي الدنيا لو فتحتها. إنه و لا شكّ ذلك الضمير الذي لا ينام خاصّة بالنسبة لشابة يافعة في سلك القضاء . إنّه تعد على حقوق الغير و اعتداء على بوّابة الماضي و نبش في ملفات دفينة. أنا جبانة؟ ربما و ربما لا . إنّها الحيرة الممزوجة بالخوف ، بل هو الخوف من المجهول الممزوج بالرغبة في إزاحة ذلك الغموض. لا ربما هو إحساس جامع لكلّ هذا، حيرة و خوف و فضول في الآن نفسه . إنّ الإنسان حقّا لظاهرة غريبة في حدّ ذاته.

تقدّمت خطوة أولى تليها خطوة ثانية ، و هرولت سريعا ثم مددت يدي بأصابع مرتجفة و شعرت بكل شيء يختفي من حولي و كأنّ الغرفة أصبحت ظلاما دامسا و ليس هناك غير الخزنة أمامي ، هي وحدها المضاءة في فضاء هذه الغرفة. و لفّت بي الأرض قليلا و ارتجّت و كأنّها تحتجّ. لكنني قرّرت ، أجل لن أكون جبانة، سأغامر سأفتحها . لكن أين المفتاح. لقد نسيت أمره .

لحظة واحدة. أمي فتحتها في غياب والدي ، هذا يعني أنها عثرت على المفتاح. هذا يعني أنّه في مكان ما هنا، أمام عينيّ و لكن وضع بحيث لا أتمكّن من رؤيته أو اكتشاف مكانه، بطريقة لا تخطر على بال. يجب أن أبحث ، يجب أن أفتحها اللّيلة قبل فوات الأوان.
وقلبت الغرفة ، باحثة عن المفتاح. لم أترك شبرا إلا و بحثت فيه ، و لا زاوية إلا و قلبت محتوياتها . تذكّرت حينها ذلك المفتاح الذي كان يعلقه دائما في رقبته لكنني لم أره منذ ذلك الحوار الغامض. ثم بحركة عفوية حملت ا لخزنة ، فإذا بالمفتاح تحتها . أيّ مغفّل يترك المفتاح تحت كنزه الثمين ، أو ربّما ليس مغفّلا، لأنّ لا أحد يمكن أن يتوقّع ذلك. كلّ ليس مهمّا.

جلست على الفراش و وضعت الخزنة أمامي و أدخلت المفتاح ثمّ أدرته بخفّة، فأحدث صوتا اهتزّ له كياني ، و سحق لرنينه صدري.

كدت أنفجر ضاحكة . إنّها رزمة من الأوراق و بعض النقود و عقد لولبيّ. إذن الأكيد أنّها كما قال أبي عقود بيع و شراء و مجوهرات جدّتي لا أكثر. لكن هذه الأوراق تبدو مهترئة و قديمة. و أغلقت الخزنة و أرجعتها لمكانها. ثمّ خطوت نحو باب الغرفة و توقّفت فجأة و كأنّ هنالك من شلّ حركتي . و بعد لحظات أسرعت باتجاهها أفتحها . و جعلت أتفحّص الأوراق ، لقد فاتني أن أتذكّر ما قالته أمي عند فراشي. يا لني من حمقاء . كيف لم أنتبه ؟ و شرعت أقرأ و أتمحّص في المستندات ورقة ورقة ، و أكتشف بذلك جزءا من الحقيقة التي تذكرا المستندات.
بنت في الشهر الثاني من عمرها، تسلّمها ممرضة إلى والدين ماتت ابنتهما منذ شهرين ووصل بتسلّم الممرّضة لنقود من عند الأب ، و شهادة وفاة لرضيعة بتاريخ تبنّي الأخرى . ثمّ هذه الفتاة المتبناة مجهولة النسب، من تكون؟
الأكيد ليست أنا، و إلا.....

لا أعرف حينها في ماذا أفكّر بالتحديد . كلّ ما أعرفه أنني حاولت ربط بعض الخيوط، كلام أمّي بما تثبته الأوراق. أنا ممّا لا شكّ فيه ابنتها. هذه هي النتيجة الوحيدة التي وصلت إليها. لا يمكن أن أفقد هذا الحنان بعد أن وجدته ، بعد أن عشت أكبر وهم ممكن أن يختلقه عقل. كلا الفتاتين تحملان نفس الاسم. إنّهما واحد على حسب ما أذكر من تلك اللّيلة. لا أعرف ............ شعور خانق لأبعد الحدود. ربما الإنصعاق بالكهرباء أهون، على الأقلّ ترتجّ كلّ جزئيّة فيك ثمّ تعود إلى حالتك الطّبيعيّة إن أسعفك الحظّ، أو تموت و ترتاح من همّ الدنيا و قسوة مفاجآت الحياة . أذكر أنني حينها من كثرة ما أحسست بالاختناق و بشلل في التفكير . انطلقت أعدو إلى الحديقة. كان همّي الوحيد هواء نقيّا دون غبار الماضي ، هواء يزيل هذه الأيدي التي تضغط على حنجرتي ، هواء يطهّر ما قرأته منذ قليل.

اشراق
19-05-2009, 03:45 PM
الفصل الخامس
حقائق صادمة

.... و تذكّرته . أجل، هو الوحيد الذي خطر على بالي في تلك اللّحظة . سارعت نحو الهاتف ، و بأصابع مرتجفة و أوصال مرتعدة ضغطت الأرقام، و انتظرت قليلا. و أوّل ما سمعت صوته قلت:" أريد التحدث إليك الآن ، أنتظرك أمام المحكمة."
و أقفلت الخطّ دون أن أنتظر جوابا ، و أسرعت إلى الغرفة أعيد كلّ شيء لمكانه ،ثمّ جهّزت نفسي بسرعة و خرجت أمشي في الطريق كأنني أسير فيه لأوّل مرّة، لا شيء من حولي ، لا أرى شيئا. الطريق خالية و الأصوات شاحبة و الشمس تؤذي عينيّ ، و أنا أسير و كأنني مبرمجة أو مسيّرة .

و فجأة ، سمعت صوتا يناديني إنه صوته، استدرت و نظرت كأنني أبحث في فراغ. و إذا به يبتسم و يقول:" لماذا كلّ هذا الشرود و الشحوب؟ هل أنت بخير؟".
"أيمكن أن نتمشى قليلا ، سأخبرك بكلّ شيء."
" طيب ، تفضلي ، لقد أقلقتني نبرات صوتك في الهاتف . ماذا هناك ؟ يبدو الموضوع هامّا."
حينها سكتت ، عجزت عن الكلام. إذا كنت أنا نفسي لا أفهم شيئا ، ماذا سأقول و كيف سأبدأ.
"لماذا سكتتي ؟ أنا أسمعك...."
" اليوم....... اليوم........."
"مم..... ماذا؟اليوم ماذا؟....."
" فكّرت ماذا سأفعل إن رفضوني ، أقصد إن رفضوا طلبي البقاء كقاضية بهذه المحكمة؟."
"و هل يستحقّ هذا كلّ القلق الذي في عينيك ؟ و كلّ هذا الارتباك الذي يهزّك بوضوح.؟"
" طبعا، طبعا، أليس مستقبلي؟"
"لا تقلقي ، خير إن شاء الله ، دعي أملك بالله كبير. و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. ثم أنا إلى جانبك. إن احتجت لأيّ شيء ، أنا جاهز."
" شكرا...
" هذا واجبي ، لا تشكري صديقا على أبسط واجب يقدّمه."
"إذن سأذهب أنا الآن..."
"بهذه السّرعة ، ألم تقولي تودّين أن تتمشي."
" إيه، صحيح ، لنذهب على الواجهة البحرية."

و واصلنا السّير و كلّ منّا ساكت ، أمّا أنا فلم أكن صامتة بداخلي، بل كنت أغلي و أكاد أنفجر مثل البركان . ما هذا الذي قلته؟ لٍم لم أتحدث عن مشكلتي الحقيقية؟ أنا لم أقل ما أتيت من أجله ، أنا أخفي الآن ما يكدّرني. أليس صديقي الذي أثق به ، فلم لا أخبره؟
ربّما لأنني أخشى أن يصغر مقامي في نظره ، ربما لأنني أخجل من أن أتحدث عن اعتدائي على خصوصيات والدي.
لا ليس هذا هو السبب. هناك شيء آخر منعني من أن أبوح . كالعادة ،أنا لا أعرف. شيء آخر ينضاف إلى قائمة الأشياء التي تحيرني.
و سمعته يسعل ، إنه ينبّهني لوجوده. أنا أفهم عليه جيّدا ، أحفظ كلّ حركاته الآن سينظر إليّ بطرف عينه ، سيسألني إن كنت أريد شرب عصير في تلك الكافيتيريا ، سيقول أنه ليس مطمئنّا لحالتي ، أنني لست بخير ، أنه يشعر بي و يفهمني.

" ما رأيك في كوب عصير ،سيهدأ أعصابك، تبدين متوتّرة ، هذا واضح."
" أنا بخير ، إنه ضغط العمل فقط."
"بل أنا أعرفك. إنه توتر بسبب دراسة ملف نقلك. و إن كنت أحسّ بشيء آخر ، لأننا سبق و تناقشنا في هذا الموضوع و كنتٍ أقلّ توتّرا."
" موعد تقرير مصير طلبي اقترب و لذلك أنا متوتّرة."

و واصلنا السير ، و شربنا العصير ، و بذل هو جهدا لا ينكر في إضحاكي و في الترفيه عنّي ، فأضحكني رغما عني ، و نسيت جزءا من همّي.

ثم عدت إلى البيت بعدما ودّعته ، لم أحسّ بالوقت معه، نسيت كلّ شيء، حقا إنه لطيف معي ، على الأقلّ هناك من يسمعني و يحترم مشاعري و يساعدني.

كيف سأواجه الآن من في البيت و قد عرفت جزءا من الحقيقة؟.... هناك التباس في ذكرى مولدي عليّ معرفته ، و هناك ذئب عليّ الحذر منه . لكن هل يمكن أن يكون أبي ، ذلك القلب الطيب ، ذلك الذي طالما دافع عنّي.

" هنا لم تستطع محدّثتي إمساك عبراتها التي جعلت عينيها أشبه بمنبع ماء صاف رقراق يسيل على طرفي خدّيها في هدوء ."
"" اعذريني يا ابنتي إنّ البكاء يطهّر جرح الماضي و كلّ جرح في هذه الدّنيا رغم أنه لا يداويه و لكن يريح ."

دخلت البيت و أنا متوترة للغاية. لم أستطع اصطناع تلك الابتسامات الكاذبة و لا إخفاء دموع حبيسة.
لا يوجد أشياء يمكن أن نطلق عليها اسم أسرار ، مادام كلّ شيء يفتضح في النهاية. هكذا أصبحت أرى أنّ الأمور لها وقت يأذن فيه الله بالكشف عنها فقط. لا وجود للأسرار الأبديّة. تأكّد لي ذلك حين رأيت أمي و نظرت في عينيّ و سألتني عن سبب قلقي و اضطرابي، لم أجبها بل بقيت أنظر إليها و أبكي، وهي تستغرب سبب بكائي.
و لاحظت في عينيها كتابا مفتوحا تتساءل صفحاته عمّ إذا كان سبب اضطرابي اكتشافي لشيء ما من الموضوع الذي تخفيه. كان باديا بوضوح أنّها تريد أن تقول : هل سمعت كلّ شيء؟ هل عرفت شيئا؟

و لكنها قالت بهدوء مفتعل:" كلّ شيء يمكن أن نتعامل معه بعقلانيّة و هدوء ، تعالي و احكي لأمّك ، أو اعتبريني صديقتك و أفرغي ما لديك. على كلّ لن أرغمك على شيء . أنا في غرفتي إن أردت التحدث ."
تبعتها إلى الغرفة و أنا أقول في نفسي:" أنا التي يجب أن أكون الصديقة التي تعترفين أمامها بكلّ شيء ، أنا من يطلب الإجابات ، أنا لا أخفي الأسرار ، بل أنت ، هاتي ما لديكي ، و اعترفي . اليوم سأنهي عذابي أو أبتدئه أنا من تطلب تفسيرات أنا...."
ثم نظرت إليها و قلت:" أيّ الفتاتين هي أنا.؟"

و لا تسأليني عن وجهها، لأنني أعجز عن وصف هول كلماتي ووقعها في نفسها ، و لكنّها قالت :" عمّ تتحدّثين ؟ أيّ فتاتين؟"

"_ أمي ، و الله لا أعرف حتى إن كان من حقي أن أناديك أمي "
"_ أكيد ، أنت ابنتي ، ما بك؟ ما هذه التخاريف هل جننت ؟"
" _ لو لم تكن هناك أوراق تقول العكس ، لفكّرت أنني قد أكون مصابة بهوس أو لا أعرف ماذا بالضّبط."
"_أوراق ماذا هذه التي تتحدثين عنها؟ أنا لا أفهم شيئا."
"_ لا فائدة من إخفاء الأمر ، لم يعد سرّا ، هيّا لماذا لا تعترفين ؟ قولي لي ، لا أريد أن أصاب بالجنون ، من هذه الحيرة القاتلة . أرجو كي ، ماذا فعلت حتى أستحق هذا؟"

و انتابتني هستيريا بكاء ، ثم بكاء ، فنواح حدّ الإغماء . و أفقت أخيرا في فراشي ، و أمي بجانبي تبكي في هدوء ، فتحت عيني و كأنني كنت في حلم ، بل تمنّيت لو كان كذلك.
و هاهي تقول:" لا تتوتري و لا تحزني ، فأنت حقا ابنتي . و سأخبرك بما تودين معرفته، لكن يجب أن يبقى هذا سرّا بيننا ، أنا و أنت ، و يجب أن تعديني بأنك ستواصلين العيش كما كنت سابقا، كأنّك تجهلين الأمر، لا أريد أن أخسرك مرتين أمام عينيّ ، أرجوك يا ابنتي ."
و أومأن برأسي كأنني أعدها ، أو أطمئنها ، لكنني لم أقل كلمة و لا نبست بحرف ، فقط كنت استمع و احبس أنفاسي حتى لا أقطع حديثها. و قالت :"من أين تودينني أن أبدأ ، الحكاية طويلة لكنني سأختصر: أنا ولدت في عائلة محافظة ، لكن تهتم كذلك بالمظاهر كثيرا ، و كبرت و كبرت معي أحلامي كأي صبيّة شابة يافعة في سن الزواج. و أحببت كما تحبّ كلّ الفتيات شابا كان أول حب في حياتي و أول سعدي كذلك. كنت سعيدة بخطبتي له.لكن الله يشاء أن يتوفى في حادث سير ، فأعيش أياما سوداء من الحزن و قلبي يتمزق أسى على فقدان أمله في الحياة.
و لم يمض أكثر من شهرين على وفاة خاطبي ، ليتقدّم لي صديقه ، الشاب الغني ابن الأكابر الذي لا يمكن لأهلي أن يرفضوه. فهو الفرصة التي لا تعوّض و مطمح كلّ فتاة . كان هذا والدك.
رفضت في البداية . و أصرّيت على قراري لكن أهلي ضغطوا علي و أرغموني بكل الوسائل و شتّى الطرق.
و لو لم يكن الانتحار من الكبائر لفعلت و لحقت بمن أحبّ إلى حيث لا يمكن لأحد أن يجبرني على شيء .
إنه قدري، الذي اقتنعت به أو لأكون صادقة قبلت به كما هو مسلّما .لكنني لم أستطع أن أنسى الحبّ القديم ، و أن أكفّ عن بكائه كلّ يوم أو أن أنسى ذكراه. إنه شيء أقوى مني . ووالدك لم يكن ذلك الصديق المخلص الوفيّ . بل كأنه انتظر موت صديقه بفارغ الصبر ليفتكّ منه كنزه. لم أستطع أن أحبّه رغم ما بذلته من جهد ، و كان يدخل أحيانا فيراني باكية . كنت أفتعل الضحكات و أرتعب لمجرّد اقترابه منّي . كان واضحا له أنني لا أطيقه.
و حملت بعدها. و قلت في نفسي لعل هذا سيغير مجرى الأمور الى الأحسن. و يوم ولادتك قرّر أن ينتقم مني ، فاتفق مع الممرضة على أن تأخذك مني و تقول لي أنك متت. بعدها أحضر لي فتاة صغيرة ، رضيعة بعمر الشهرين ، قال أنها يتيمة يمكن أن نتبناها.
أحسست خلال ذينك الشهرين أنه يتلذذ بعذابي ، عذاب فقداني لأغلى ما يمكن أن تمنحني إياه الحياة .

أحسست أنه يستمتع برؤيتي أتألم عقابا لي على أنني عجزت على محبته ، عقابا لي على وفائي لذكرى خاطبي و جزاء على برودتي معه طيلة تلك الفترة.

فكرت أنه ربما أشفق عليّ بعدها ، فأحضر رضيعة لأتبناها . فرحت بك كثيرا ، شعرت أنك تعويض من الله ، لكنه كان يبعدك عني بين فترة و أخرى لأي سبب واه.

و بعد فترة ، بدأت أحواله المادية تسوء جدا و بدأت أعصابه تفلت منه أحيانا ، فيصرخ و يحطم ما يراه أمامه ثم ينظر إليّ و يقول أنني سبب ما يحصل له من مشاكل.
و مع الأيام ، اكتشفت أنه يمر بأزمة مالية حادة تطورت لتصل حدّ الإفلاس . و لم يبقى له شيء .فبدأ يحتال على الناس بعقود لشركات وهمية ، كلها عبر الهاتف ووكلاء مزيفين ، حتى اشترى هذه الأرض و بنى هذا المنزل بنقود التحيل. و لما وقت في وجهه هدّدني بك و أبعدك عني و لم يكن لدي خيار رغم أنني لم أكن أعلم أنك ابنتي الحقيقية إلى حين ذاك اليوم الذي فتحت في تلك الخزنة.

كان يجب أن أصبر من أجلك . أنت فقط من كان يؤلمني رؤيته يعيش في هذا الوسط.
و كبرتي و بدأ يزرع فيك الخوف مني و يجذبك إليه ليستعملك أداة ضغط عليّ ، و أنا أردت أن أريه أن هذا الأسلوب لن يغير من سلوكي تجاهه ، أردت أن أكون قوية و لو لمرة في حياتي ، فأذيتك بقسوتي ، آذيت مشاعرك البريئة ، و لم أنجح في إثبات شيء له، فقط أحييت مشاعر الأبوّة في قلبه ، لكنّ هذا لم يغيّره . أبوّته لم تجعله يفكّر في التكفير عن ذنوبه بل جعلته أنانيا أكثر و أكثر ، و لم يخبرني حتى أنّك ابنتي ، لم يعترف لي بشيء . لم يصفح عني حتى الآن و لا أنا أستطيع ذلك. أنا عرفت بالصدفة أنه يتهرب من الكثيرين الذين تحيّل عليهم من المكالمات الغريبة التي تأتيه. لقد أخذت منه المفتاح وهو نائم و نسخته بالشمع ثم ألصقته تحت الصندوق قلت في نفسي لن يشكّ قي ذلك .
" لكنني وجدته تحته لم يكن ملصقا."
" ربما أنا لم أحسن تثبيته جيدا لكنني أعرف أنه لا يحركها من مكانها لذلك وضعت النسخة تحتها."
" والدي لا يمكن أن يكون بهذا السوء ، إنه طيّب . لماذا تحاولين تشويه صورته أمامي ، هذا أكثر مما يمكن أن أسامحك عليه."
" ألم أقل لك ، أنه أخذك مني."
" لا ، لا ن مستحيل. لا يمكن . أبي ليس مختلسا و لا محتالا. ليس شريرا إلى هذا الحد. إنه يحبني لا يمكن أن يفعل بي هذا."

هكذا صحت حينها. تخيلت أن أمي هي منبع كل هذه الخرافات التي أسمعها و أن ما قالته لا يمكن أن يكون حقيقة . هل يوجد زوج بهذه القسوة حتى يعاقب زوجته بإخفاء حقيقة
وجود طفلتها بجانبها؟ هل يمكن أن يحصل هذا إلا في الأفلام و الروايات؟ أو ربما لأنني لا أسمع هذا كل يوم ، ربما لأنني لم أخض بعد في قضايا مهمة ، لم أصادف مثل هذه القصة، سأعترف بأنه عندما تدرس الحقوق تستمع إلى عجائب الدنيا لكن لا تتوقع أن تكون منها، أن تنتمي في يوم إليها. أن تعيش مع مجرم في بيت واحد. أنا قاضية المستقبل أشارك متهما في سقف بيت واحد. أنا من تدعو للعدالة و من تقول لا ترحم المذنب حتى لا يكرر فعلته مرة أخرى ، تواجه اليوم مذنبا من نوع جديد: أباها. بأي منظور يجب أن أقيّم الوضع ؟ من ناحية القضاء و العدل و هدفي الذي ينحصر في تطهير المجتمع من المستهترين بالقانون أم من ناحية الابنة التي تكتشف حقيقة أبيها تلك الحقيقة الصادمة التي تخشى كل فتاة أن تصدم بها يوما ؟ يا للمهزلة.
بقيت مذهولة ، عاجزة ، صامتة ، لأنني ببساطة أواجه حقيقة غير عادية. من العاديّ أن يتواجد المختلسون ، المحتالون ، أناس خلف شركات وهمية ، أناس منعدمة الضمير ، أناس يتلذذون بعذاب الآخرين ، لكن ما ليس عاديا هو أن يكون والدي من بين تلك الفئة.
" لماذا نرفض تصديق الأمور عندما نكون طرفا فيها ، نرفض تطبيقها على أنفسنا و على المقربين منا. لكن إن سمعناها نقول يمكن ، ربما ، لا أستغرب وقوع هذا أو نهزّ برؤوسنا قائلين لا حول و لا قوة إلا بالله ."

حقا إن من تكون يداه في النار ليس كمن يضعهما في الماء البارد. و من يقول أنه يحس بك و يتفهم إنما هو لا يحس في حقيقة الأمر شيئا .يا لسخرية الأقدار حين تضعك في موقف مشابه. أمي تطلب مني أن أعيش حياتي ، أواصل التعامل مع هذه الكذبة و أشارك فيها ، كأن شيئا لم يحصل. من يقدر على تجاهل الحقائق و العيش على هامش الحياة ؟ ليس أنا بالتأكيد.

لو تساءلت عن أكثر شيء ٍ آلمني في ذلك الوقت ، سأقول لك ببساطة أنني شعرت بالخيانة . أجل ، أحسست أن صورة الأب المثالي لديّ تهتزّ، أنه قد خانني و مزق واجهة حياتي ليريني خلفيتها . خان محبتي له و ثقتي به. كان الشخص الذي لم أتخيل أنه يمكن أن يكون. آلمني أنني كنت أداة بيد كل منهما ، أن أحدا منهما لم يراعي مشاعري ، أن كلا منهما نظر إلى المسألة على أنها تحدّ خاض و أنا كنت الضحية . قسوة و حقد و غيرة من شخص ميت بل من ذكراه ، تسببت لي في كل هذا الأذى. جشع و طمع جعل من والدي من ذلك المثل و تلك القمة تنهار أمامي ، صرح محبّته ينهار. لكني لم أعرف إن كنت قد كرهته أم لا. فقط أشعر أنني مشوشة ، أن جزءا مني يتمزق ، أنني أريد أن أطير من هذا المكان لأعانق الهواء النقيّ ، الهواء الصافي الخالي من شوائب الحياة الخانقة.

و الآن ، هل سأقف مكتوفة الأيدي أنظر إلى مختلس ينهش في رزق الآخرين . هل أسكت عن التجاوزات التي أراها ؟ ألست ممّن يمثلون القانون؟ ألست قاصية مرتبطة بقسم و مبدأ.
إنّ من أصعب الأمور في الحياة أن تواجه والديك بقناعات قد تغيّر مجرى حياتهما ، و أنا قناعاتي تحتّم عليّ أن أتّخذ خطوة قد تجعلني أندم على ذلك طوال حياتي . لكن أليس من العدل أن أطبق القانون على الناس كافة.؟ أليس من باب الصدق مع نفسي و الوفاء لقسمي أن أعاقب هذا المختلس و المزور؟

عندها فكرت في أمي قد تكون مذنبة من نوع لا يعاقب عليه القانون . هي لم تراعِ
كونها متزوجة من شخص له مشاعر أيضا . ظلّت حزينة على ذكرى إنسان اندثر و تحلل و صار ترابا . هي لم تمنحه السعادة التي أرادها ، فجعلت منه مجرما. ملأته بالغضب و الحقد و الغيرة حتى أعمته ، فجاء انتقامه بشعا بقدر بشاعة ما تغلغل في كوامن نفسه من غضب و ما غلّف قلبه من سواد الغيرة القاتلة.

" آه ، يا بنيتي لو اعترفت بأن الحبّ الصادق يأتي لوحده و ليس بيدنا في ذلك الوقت ن لعذرتها. فهي أرغمت على الزواج بوالدي و لم تختره بإرادتها. و القلوب و إن كانت بأجسادنا فنبضها خارج عن إرادتنا لأن أقدارها مسطّرة مسبقا.
إنها الحياة ، في النهاية اختبار و أيام معدودة ."

و تنهدت محدثتي تنهيدة نابعة من أعماق قلبها خلتها قد أفرغت فيها آخر أنفاسها ، تنهيدة جمعت أصوات الألم و نسجتها مثل صوت الناي الحزين ، و فيها لوعة حارقة ، شيء لا يمكن وصفه لأنني أعتقد أن الكلمات تتبخر أمام حرارة هذه الأنفاس فتقصر عن تبليغ المطلوب و المنشود.

" طالما تنهدت بعمق ، بل ربما أعمق مما سمعت الآن . خاصة يوم اتخذت قراري بأن أواجه والدي . قلت في نفسي أنني دائما كنت جبانة ، اعجز عن المطالبة بتفسير لما يجري من حولي . دائما لا تسمع مني سوى حاضر و نعم و أكيد . إنني الابنة المطيعة التي ترفض كل أشكال التمرّد ، إنني الابنة التي تعجز عن اتخاذ القرارات المصيرية و تدع الآخرين يقررون مكانها . لكن هذه المرة لا . هذه المرة ، سأكون أشجع من قبل . قرار دخولي كلية الحقوق ن صحيح كان تحديا و لكن لم أكن لوحدي ، كانت أمي تساندني و كل من أخبرته كان يشجعني ، أما القرار الذي اتخذته ذلك اليوم لا يمكن لأحد أن يتقبّله بسهولة، قرار سيراه الجميع بمنظور لا إنسانيّ أو بالتحديد لا أخلاقي. لا تنظري إليّ هكذا، لأنني لن أخفي عنك شيئا. لقد قررت أن أنبش في الماضي الغابر ، أن أخرج التفاصيل من سجلّ الذكريات ، و أن لا أتردد في اتخاذ خطوة جادّة لمعاقبة المذنب إن وجد حقا، حتى و إن كان أبي . كنت أقول في نفسي، هناك خيارات تأتيك مرة واحدة في الحياة،فإما أن تقبلها و تحارب من أجلها و من أجل ما تؤمن به و إما أن ترضخ للواقع و تعيش كما يريد الآخرون . لا يهم إن كنت على خطأ . أنا لن أعيش سوى مرة واحدة و لا ضير أن تحملت نتيجة خطئي . لن يحدث لي شيء أسوء من الموت إن واجهت الأمر وهو آت لا محالة اليوم أو غدا. قد أبدو لك بهذا الموقف مثالية جدا لكن هذا خطأ . لست كما تعتقدين.
كنت أعرف أن هذا القرار لم يكن نابعا من قناعتي بمبادئي كما كنت أوهم نفسي، بل من شيء آخر.
هل تؤمنين بأن الأحقاد تورّث . أنا ورثت ذلك الحقد ، ورثت الحقد على أقرب الناس إليّ ، فكانت المواجهة بالنسبة لي استعادة لقيمتي و انتقاما من سنين أضعت فيها سيولا من الدموع على حافة نافذتي .
و كأنني حينها أردت أن أكون فيصلا و سيفا يقطع خطّ الماضي ليخطّ بنفسه مصير الآخرين.

لو لخصت عذاب حياتي إلى تلك اللحظة ، فلن أقول أكثر من أنني كنت صانعته، أنني عشت وهما كاذبا ، كبر و كبر بداخلي إلى أن أقنعت به عقلي الباطن. أكيد أنك فهمتني . ببساطة أوهمت نفسي أن أمي تكرهني بسبب جفائها و نقص الحنان الذي عشت فيه. ثم توهمت أن أبي هو الصرح الشامخ و الملاك المتخفي في صورة بشر يطوقني بجناحيه.
على كل ، شعرت حينها أنني غبية ، إنسانة تافهة ، حساسة لدرجة قد توصلها للجنون . أما الآن ، و في هذا الفصل من حياتي ، صرت أخشى الناس. بدى لي أن كل حمل وديع يمكن أن يكون ذئبا و أن كل المفاهيم تنقلب في لحظة.

لذلك قلت ، الأكيد أن ما اعتقده حبا تجاه ذلك الشاب ليس سوى رغبة في سد نقص.
المهم أنني حرصت على أن أتعامل بشكل عادي مع كل من حولي في تلك الأيام حتى لا يدرك أحد مخططاتي ثم ترصدت الوقت المناسب الذي يكون فيه والدي خارج البيت لفترة طويلة و أتفرّد فيه بتلك الخزنة. أخذت منها كل الأوراق التي تتعلق بعقود بيع و شراء إضافة إلى أوراق التبني المزورة و الوصل و كلّ شيء.و نسختها كلّها بالحاسوب كي تبدو كالأصلية تماما . و استخدمت أوراقا قديمة في الطباعة .
لكن أمي كانت تعيش تلك الفترة في خوف بأكل أوصالها و يمتص صحتها، لتكتشف في النهاية اختفاء الأوراق من الخزنة لأنها كانت تتفقدها كل يوم و كأنها تريد أن تتأكد من نسياني للموضوع.
و هاهي تدخل غرفتي ، تكاد عيناها تشتعلان غضبا و خوفا في الآن نفسه . و سألتني أين اختفت الأوراق . كنت قد خططت لهذا أيضا قد جهزت أسلحتي ، قد صنعت إجابة حفظتها عن ظهر قلب .
" لقد أخذتها أنا ، و سأرجعها بعد أن أتأكّد من شيء."
" ماذا إن علم بالأمر؟ سيهددني ، سيذيقني الجحيم. إن اللبؤة حين تحس بالخطر تأكل أولادها ، ووالدك لن يتردد في شيء إن اكتشف أنك عرفت ، إن أحسّ بالخطر قد ينسى أنك ابنته قد يعاقبك كما لم تري من قبل."
" لا تخافي ، لم أفعل شيئا. إنه لا يفتح الخزنة . سأعيد الأوراق ، كنت أحاول ترتيب الأحداث وحدي ليس إلا . هاهي ذي كلّها ، أعيديها أنت لمكانها بنفسك."

و أخذتها مني بسرعة و هرولت في الرواق الطويل و دخلت غرفتها و أعادت كل شيء لمكانه و لم تقل شيئا من شدة خوفها لم تحقق معي بالموضوع حتى. إن الاختلاط بالمتهمين في قاعة المحكمة و مشاهدة المسلسلات تعلّمك العجب العجاب. أنت و لا شكّ تضحكين في نفسك عن طريقتي في التفكير . لكن صدقيني ، في هذه الحياة من لا يفكر جيدا لا يمكن أن يجد مكانا فيها . و مهما كانت حيلتك قليلة فالوسائل متعددة. لقد سلّمتها المستندات المزيفة طبع
التفاصيل الدقيقة غير مهمة جدا ، المهم أنني استعنت ببعض زملائي و معارفي في البحث في هذه القضية و توليت الإشراف على الأمر و مراقبة التحقيقات بنفسي على أن جاء اليوم الموعود.
خلال هذه الفترة ، كنت في أشدّ الحالات النفسية سوءا. كنت متوترة ن باكية طوال اليوم، أو عندما أريد أن ادعي التجلّد و القوة كنت أخفي عيوني المنتفخة من السهر و البكاء بنظارات سوداء.
لم يكن يٌذهب عني كل هذا التعب و الألم و العذاب إلا هو. كلماته الرقيقة ، و مشاعره الصادقة تجاهي كانت تظهر كل يوم و تزيد و تشتدّ. و أنا أيضا كنت أنجذب إليه و أتعلّق به أكثر، لكن كنت أقول سأخسر هذا الصديق بسبب الفضيحة الكبرى التي أقدم عليها. لا أريد أن أصدم بأنني تركت العنان لمشاعري في طريق أكتشف في النهاية أنها مسدودة بسبب الفضيحة و العار الذي سيلحقني بعد كشف حقيقة والدي .كيف يمكنني أن أنظر في عينيه بعد ذلك و أنا أشعر بالذل ؟ كيف يمكن أن أسمح له بتعذيب قلبي بعد ذلك بأي كلمة مهينة.
حمدت الله على أنني لم أصارحه بشيء من الحقيقة و إن كنت أشعر بأن هناك كلاما يأتي على طرف لساني كلّما تحدّثنا ، كل مرة تمشينا فيها على الطريق. هو كان يحس بذلك. نظراته المتسائلة حركاته عن التماع عينيه وهو يحدثني عن المستقبل الذي يطمح إليه و عن الشيء الذي ينقصه و لا يعرف كنهه ن عن الفراغ الذي يحس به و يريد ملأه بعد فقدان والديه.
ووجدتني في يوم أقول له:" ماذا إن وجد شخص نفسه في ظروف لم يخترها بإرادته ، ماذا لو ارتبط اسمه بشخص سيء لكن لا يستطيع أن يتبرّأ منه لأنه والده."
" ماذا تقصدين؟"
" أقصد .....أقصد.....هل يؤاخذ الأبناء على أخطاء آبائهم؟"
" طبعا لا."
" هذا لأنك لا تعايش الموقف."
" وضحي كلامك ،أي موقف؟"
" ماذا لو اكتشفت أنني ....أنه ... لدي مثلا مجرد افتراض طبعا، لديّ والد مختلس و خارج عن القانون ، هل ستغيّر نظرتك لي ؟ هل ستنسى صداقتنا و تتخلى عني؟"
" و هل ما يحدث فعلا؟ تكلمي أنت لا تجيدين الكذب علي للأسف."
" لا أريد أن أكذب ن أنت تفهمني جيدا ، لا أعرف كيف أفسر لك ، أنا...."
" لا داعي لتكملي، فقط اسمعيني. الإنسان ليس ما يكون عليه والده بل ما هو عليه . أنا لا يهمني من يكون والدك واو إن كان سيئا ، أنا أهتم فقط بك أنت ، بما أراه أمامي. قد لا تصدقينني لكن الحب أعمى ماذا أفعل؟"
" ماذا ؟:
" أنا أسف ،لكني كلما أردت أن أحدثك بالموضوع، أخجل و أخشى أن تفهميني خطأ."
" اعتقد أن الوقت غير مناسب ، أرجوك ، فأنا في مشكلة كبيرة ."
" أسف ، لم أقصد. كنت أحس أنك تخفين عني شيئا ، لكن لم أشأ إحراجك."

و بعدها فسرت له الوضع و حكيت له كل شيء بالتفصيل و أخبرته أن تصريح القبض على والدي قد صدر و أنه سيتم التحقيق معه ثم تحويله إلى القضاء . و أنني سأستقيل .
و فوجئت به يقول لي :" لا أدري لماذا أحس هذا الآن؟ أنا عوض أن أنفر منك مثلما يفعل الكثيرون في هذه المواقف ، أحس أنك قد كبرت في نزري ، لقد ازددت إعجابا بشخصيتك . لا تسعفني الكلمات حقا ، لكنك نادرة الوجود في هذه الأيام ن اقصد أن أمثالك نادروا الوجود...."

و ابتسمت حينها ، ابتسامة جمعت بين الألم و الحرقة التي أحس بها و طعم الانتصار و الشموخ في الآن نفسه. لا أعرف إن كان من حقي أن أقول أن كلماته أشعرتني بالفخر و لكنّها فعلا قد رفعت من معنوياتي.

و جاء اليوم الموعود ، اليوم الذي ثم فيه إلقاء القبض على والدي الذي بدأ يدّعي البراءة من التهم المنسوبة إليه و ينكر و يلحّ في الإنكار. و أنا أنظر إليه في جمود دون ذرّة من الشفقة أو الرّحمة. لقد تحوّل بنظري إلى واحد من أولئك الذين كنت أراهم في قفص الاتهام ينكرون و يقسمون كذبا ثم يعترفون في النهاية أو يسلّمون أمرهم لله.

أما أمي فلا تسل عن حالها . لقد أغمي عليها من هول الصدمة و أدخلت المشفى و بقيت فيه أياما بعد أن اعتلّت صحتها بسبب الفضيحة.
هنا فقط أحسست بالذنب ، أنا أقتلها يوما بعد يوم ، أنا سبب معاناتها الآن ، ليتها تسامحني على ما فعلت بقلبها .
و بعد أيام ، حوّل والدي على القضاء و حوكم محاكمة عادلة أخذ بسببها سنوات من السجن ، لم أهتمّ لطولها ، لأنني لم أستطع أن أفكر في شيء حينها إلا في عذاب ضميري.
و لا زلت أذكر كلماته قبل أن يأخذوه لمصيره:" أنا لست غاضبة منك . أنا سعيد لأنك اخترت الصواب ، لأنك لم تكوني مثلي ، أنا الأب في النهاية و أتمنى أن يكون أبنائي أفضل مني . أنا أخطأت في حياتي كثيرا ، و أنا نادم حقا ليس لأنني اختلست بل لأنني خذلت ابنتي و خنت ثقتها بي . لست الوحيد الذي اختلس ليعيش و لكن ابنتي حكمت علي و عاقبتني . أهذه هي الحياة؟"

كلماته كانت قاسية بالنسبة لي ، فهو يظن أنني من عاقبه ، معه حقّ فأنا التي بلّغت عنه . لكن الآن كل ما يهم هو أن لا أخسر آخر ما بقي لي في هذه الحياة : أمي

اشراق
20-05-2009, 04:13 PM
.
الفصل السادس

المواجهة و الحيرة

مرت سنة على تلك الحادثة ، ازداد فيها مرض أمي و لكن علاقتي بذلك الشاب بقيت على حالها لم تتغير كما ظننت أنه سيكون بعد ما حصل .
و في يوم من الأيام ، رنّ الهاتف.
في تلك اللحظة ، دقّ قلبي بسرعة على رنينه و كأنه يبلّغني أن حدثا جديدا ينضاف لدفتر حياتي .
رفعت السماعة بسرعة ، فإذا بصوت مرتبك أرقّ من النسيم يهمس في أذني " أريد أن أتحدث إليك ، نلتقي أمام الكافيتيريا المعتادة."
ارتجف كل جسمي لهذا ، و ابتسمت دون أن أشعر . ووجدت نفسي أهب لملاقاته ، كأنني طفلة تنتظر أن يأتي والدها بقطعة حلوى و يربّت على رأسها لتبتسم في دلال و مرح.
و أتى ، و يا ليته ما فعل .

رفعت رأسي لأرى تألّق عينيه و لمعانهما ، و احمرار وجنتيه و ارتعاش شفتيه و كأنّ الكلمات تثقلهما فلا ترضيان الخروج. صم سلم عليّ و دعاني لنتمشّى قليلا.
هذه عادته ، عندما يريد أن يتحدّث بشيء مهمّ ، يسير و ينظر إلى الأفق الرّحب و يطلق تنهيدة من أعماقه ثم يباشر الحديث عن طموحاته أو مشروعه أو غير ذلك...
لكنه هذه المرة ، لم يفعل . هذه المرّة لم ينظر إلى الأفق بل إلى عينيّ و كأن الأفق رمز لطموحاته و عيناي كتاب سيقرأ منهما موضوعا جديدا.
و لكنه قال :" لا أعرف كيف أبدأ أو من ماذا أقول . كل ما أعرفه أن حياتي تغيرت بلقائك. أنني صرت إنسانا آخر ، أنني نسيت بفضلك سنوات غربتي ووحدتي و حزني القاتل على وفاة والديّ دون أن يتسنى لي حضور جنازتهما . تعلمين أنني كنت بالخارج حين حصل الحادث."

و اختنق صوته و كأنه يقاوم رغبة جامحة في البكاء. و خلت أنا لوهلة أنني أمام طفل يائس من الحياة ، أو أمام حزن أشد من حزني و ألم أقوى بكثير. لكنه واصل حديثه:" أنت ، أنت وحدك من استطاع أن يعيد لإليّ طعم الحياة من جديد ، رغم الحزن الدائم في عينيك كنت دائما تبتسمين ، أنت من شجّعني على أن أستعيد ثقتي بنفسي. لقد علّمتني الابتسام. كنت دائما تبتسمين كأن شيئا لم يحدث أنت حقا قوية و أنا أعتز بهذا."
و لاحت مني التفاتة إلى السماء ، تصحبها ابتسامة بريئة.
قال:" لعلّك تسخرين من كلماتي ، لكن صدّقيني هذه هي الحقيقة ، ما فعلته حرّك بي مشاعر خلتها ماتت و لن تعود. لقد جعلتني أحبّ. آسف ، لم أقصد الإساءة ، أعرف أنك تكرهين المقدّمات لذلك سأكتفي بهذا و أصارحك بما بداخلي.
لقد صرت أحسّ أنك تشاركينني جزءا من حياتي و أتمنى أن تفعلي ذلك حقّا ، أتمنى أن تسمحي لي بمقابلة والدتك و طلب يدك منها .... أنا أردت أن أكون واضحا معك ، أنا..."
و هنا ارتأيت أنه يجب إيقافه عند هذا الحدّ . لقد تمادى كثيرا في طلبه. لم لا يفكّر بعقلانيّة ؟ أنا لا أصلح له بأيّ شكل من الأشكال . أنا ابنة مختلس و هذا سيؤثّر على سمعة مشروعه ، أنا قاضية تعيش اضطرابات في عملها بسبب هذه الفضيحة بلغت بي حدّ الاستقالة. أنا لا يمكن أن أسمح بإعادة التاريخ و تكراره. لا أريد لقصّة أمي أن تتكرّر معي ، لا أريد أن أخسر كلّ من أحبّهم. لذلك لا يجب أن أحبه أو أن أتعلّق به أكثر من حدّ معيّن .
كيف سأفسّر له هذا؟ لن يفهمني ، سيصرّ على أن المظاهر لا تهمّه ، يجب أن أردّ عليه بطريقة أخرى.

ووجدتني أقول قبل أن يتمّ جملته:" أنا لست من تبحث عنها، آسفة. أنت بالنسبة لي لا تتعدى حدود صديق، لا أكثر. آسفة إن كانت تصرفاتي قد جعلوك تفكر بمنحى آخر ، لكن هذا مستحيل."

هكذا دفنت آماله و أحلامه التي أتى يحتضنها و بقي يرعاها طيلة تلك الفترة ، هكذا دفنت مشاعري دون أن أحتاج إلى التأكد منها . لم أعطي لنفسي حتى فرصة التفكير فيما إذا كان شعوري تجاهه حبا صادقا حقيقيا أم مجرّد إعجاب و صداقة أو تعلق لملئ فراغ.
قطعت كل خيط أمل قد يجعله يفكّر في مفاتحتي بالموضوع ثانية .
لكنه قال :" شكرا لأنك اعتبرتني صديقا على الأقلّ ، إن احتجت لشيء تعرفين كيف تجدينني ."

وواصلنا السير ، و أنا أرى حبات لؤلؤ تلتمع في عينيه وهو يداريها . وودعته على عجل دون أن أبدي اهتماما بالموضوع أو بمشاعره . و عدت أهرول إلى البيت.
و عندما وصلت أحسست برغبة جامحة في البكاء . فارتميت على فراشي و جعلت أبكي بحرقة . أليس ذلك ما أردته أنا ؟ ألم يكن اختياري ؟ لم البكاء إذن ؟ هل أسأت فهم نفسي كالعادة؟ و إن يكن هذا أفضل لكلينا.
بقيت طول الليل أعاني الأرق و السّهاد ، و نهضت فجأة لأقترب من نافذتي أتأمل قطرات الندى وهي تنزل في الفجر . و أرى السحب تسألني:" ماذا عن حلمك الجميل؟ أنسيت رغبتك في الارتقاء فوقي و ملامسة قرص الشمس ثم المضي قدما و ملاقاة القمر الفضي و النجوم المتلألئة ؟
لقد أخذتني الأيام من أحلام الطفولة و تحطّمت آمالي أمام أبواب المحكمة حيث بدأت.










الفصل السابع
فرار مجروح

الأكيد أنك تسألين عمّ حصل بعدها . ببساطة صرنا نلتقي في فترات متباعدة جدا. يقتصر حديثنا على أشياء تحدث من حولنا لكن لا تخصّنا البتّة . ثم ، شيئا فشيئا ، انقطعت أخباره عني. لم يكن يجيب على الهاتف و لا يذهب إلى عمله ، قالوا أنه أخذ إجازة .
حاولت أن لا أهتم بالأمر ثم وجدت نفسي أبحث عنه ، و أسأل أصدقاءه فلم أجد جوابا يريحني إلى أن وجدت رسالة موضوعة تحت باب بيتي.

ركضت بسرعة إلى غرفتي ، و أوصدت الباب و جلست على فراشي أقلب الظرف :"
لن أطيل عليكي في هذه الرسالة . فقط أردت أن أدعوك لأمسية شعرية بالمكتبة الوطنية ، سألقى فيها قصيدة من تأليفي غدا ، في الثالثة. و أتمنى أن ألقى منك ردا نهائيا على موضوع سبق و طرحته . أعدك أن تكون آخر مرة ترينني فيها ، بعدها بأسبوع سأسافر إلى الخارج. لقد قبلوا طلبي العودة إلى هناك للتدريس و اكتساب الخبرة . أتمنى أن تحضري حتى أتمكن من وداعك أو أسمع منك سببا لبقائي.

و السلام


ماذا يمكن أن أقول بعد هذا. الظاهر أن الحياة تمنحني فرصة أخرى ، أو أنني سآخذ منه غدا الأمل الذي منحته إياه ، إنه يهرب حتى ينساني ، إنه يطلب وداعي ، يطلب رؤيتي لآخر مرّة كأنه يحتضر .
أتعلمين بماذا أحسّ أيتها الطبيبة؟ أحسّ أنني وباء ينتقل بحرية في هذه الحياة و يصيب كل من أحبوه بالحزن القاتل . لكنني قلت في نفسي : سينساني و يتغلب على حزنه ، فليس أول و لا آخر شخص يحبّ و يفشل في ذلك.

و أتى الموعد ، و جهزت نفسي و خطوت باتجاه الباب و مددت يدي لأفتحه ، فإذا بها تعود إليّ و تأبى أن تمتدّ. و قرّرت أن أتشجع و أن أفتح الباب و أذهب . يجب أن أثبت له أنه صديق عزيز لا أكثر ، و أنّ حضوري لن يغيّر شيئا.
و في نفس تلك اللحظة ، أسمع صرخة اجتثت روحي من أعماقها و احترق لها جوفي.
إنها صرخة أمي . أسرعت لها ، ناديتها ، فإذا بها تتخبط في الأرض تصارع آلام صدرها المبرّحة ، أسرعت أتصل بالإسعاف و أنا أحاول أن أجعلها تتنفّس بانتظام ، ز لكن الموت يا ابنتي لا يمهل أحدا.
إنه دقيق للغاية في مواعيده بحيث نعجز عن إيقافه إذ لا سبيل لذلك.
هكذا رأيتها تموت أمامي ، تنسل روحها من بين يديّ ، و عيناها تنظران إليّ بحنان و خوف.
هاهي تحتضر ، إنها تموت ، تموت لقد ماتت.
و صرخت و ناديتها مرارا و بكيت ووضعت رأسي على صدرها و ترجّيتها أن تنهض ، أن تكلّمني أ ن تسمعني صوتها قبل أن ترحل ، أن تقول لي أنها سامحتني على كلّ شيء حقا ، لكنها لم تفعل ، لم تتحرّك إطلاقا.
و أتت سيارة الإسعاف ، لتجد أمامها جثة هامدة لا تحتاج لشيء غير تقرير طبيّ إعتياديّ للمباشرة بالدفن و مراسمه.

هكذا خسرت كل شيء في لحظة ، خسرت أبي ثم صديقي الوحيد ثم أمي ، أكثر من أحبني في هذه الحياة .
لكنه هو ، أتى ليواسيني ، أتى لتعزيتي و التخفيف عني و لم يفارقني و لو للحظة إلى أن تمّ كل شيء.
كان يأتي كل يوم و يجلب لي معه بعض الأكل و يترجاني أن أقتات ما يجعلني أستمرّ في العيش و يمسح دموعي المتناثرة كالسيول، و يصبرني بكلمات لا تداوي جرحي ، و إنما تسكّن الآلام لبعض الوقت.
و مرت هكذا الأيام بساعاتها الثقال لأجد بعد أسبوع مخاوفي في رسالة ثانية تحت الباب.
لم أمهل هذه المرّة ، بل فتحتها بسرعة ، لأقرأ الآتي:
لم أشأ أن آتي لأودّعك ، لأنني أكره لحظات الوداع و لأن الدموع التي في عينيك تعتصر قلبي و لأنني قرأت في عينيك جوابا واضحا و أنا لا أستطيع تأجيل سفري. آسف على صراحتي ، و أنت في هذه الظروف سأسافر تاركا ورائي أغلى ما وهبتني إياه الحياة. أردت أن تعرفي فقط أنني لا أتخلى عنك ، لكنك من اختار هذا و لا أظنك تتراجعين عنه . أرجو أن تستمري في الحياة بقلب صامد قويّ كما عهدتك . أرجو أن تنال القصيدة إعجابك ن لم أرد أن تفوّتي سماعها و قد كتبتها لك:
فرار مجروح

تأتي و تذهب مثل الخواطر
و قلبي إلى الأشواق ناظر
أين المفرّ من عذاب القدر
إنني أموت أموت أحتضر
لو تسعفني يداها من ظلال الخطر
سأفرّ

سيول و أنهار واحات و أشجار
إني أجري أجري أفرّ
لو تأتيني قطرات المطر
تحملني لبلاد النور
تملأ قلبي بعبق الزهور
تنير دربي للحبور
تستأصل حزني ...فأفرح
تمسح دمعي .....فأمرح
تشاركني الأتراح... تبتسم للأفراح
تلك هي الروح تأتي و تروح
و أنا أمشي أمشي..........
المجروح


بقيت تقريبا ساعة من الزمن أنظر إلى هذه الرسالة ، فلا يغادر بؤبؤ عيني كلمة مجروح.
لقد تهت بين السطور ن همت في الكلمات ، فككت رموزها و فهمت المعاني . ليست قصيدة أراد أن يسمعني إياها ، بل إحساس أراد أن يعرّفني كنهه.
إنه الضياع الذي يسكن الروح بعد أن تفارق أحباءها . إنني أعرفه جيدا ، أقصد ذلك الشعور المحبط بالضياع.
لقد خبرت هذا الشعور مرات على حافة نافذتي ، أمام تلك الخزنة ، في المحكمة و أنا أقدم استقالتي ، عند جثة أمي الهامدة و قبلها عندما نطقت بكلمة صديق.

ماذا يمكن أن أفعل الآن ، إن كنت أنا نفسي ضائعة في هذه الحياة، حائرة في مستقبلي ، حائرة في الآتي الغامض ،حائرة في نظرة الناس القاسية لي .
الضياع ليس تيها في الطريق فقط ، بل ضياع الروح أكبر و أعتم. إنه أن تمشي و تمشي دون هدف ، إنه أن تسلك طريقا في حياتك ، أن تختار في العتمة فتظلّ الصواب ، هو أن تجد نفسك وحيدا في الدنيا و الناس من حولك.

يئست ن أجل أحسست أنني بائسة من بؤساء فيكتورهيقو ، أنني وحيدة على سطح الأرض التي فقدت والديها و أصدقاءها و عملها . فماذا بعد؟
كنت أتذكره ن فأحس بالذنب ، و أوعز ذلك للشفقة. أقول ربما كلمة مجروح جعلتني أحس أنني ظلمته ن كسرت قلبه ، خنت مشاعره ، أقفلت بابا في وجهه. لكن الحياة مستمرة ، سينسى ذلك مع الوقت ن سيجد من تستحقه و لا تكون ابنة مختلس مثلي و قاتلة أمها.

أنا قاسية؟ لن أدافع عن نفسي لكنني سأقول أن قسوة أمي عليّ جعلتني أفتقد حنانها و فاقد الشيء لا يعطيه ، أليس كذلك؟
كنت كلما تذكرته ، قرأت الرسالة:" أرجو أن تستمري في الحياة بقلب صامد قويّ".
طبعا سأستمر ، لن انتحر ، لن أنهي حياتي لن أتوقف من أجل أحد لأن أحدا لم يوقف حياته من أجلي حتى هو سافر و تركني قبل أن يسمع كلمتي الأخيرة. كلماته تبعث فيّ أحيانا الأمل لدقائق ليخبو بمجرّد خروجي من غرفتي.
و الآن ، لا بدّ لي من إيجاد عمل ن لا بدّ أن أواصل طريقي ن فالرحلة طويلة و شاقة. سأبدأ حياتي من جديد ، سأعمل سأحقق ذاتي ، سأعيش بمالي الحلال و أترك بيت المختلسين بلا رجعة.
و طفقت أبحث عن وظيفة محترمة بإحدى الشركات ، إن شهاداتي العالية في الحقوق قد تؤهلني لأكون مثلا مستشارة قانونية بإحدى الشركات . أو ربما أجد نفسي في شيء آخر لا أعرف بالضبط ، لكن الأيام كفيلة بإيضاح المستقبل.
و عثرت عليها بعد بحث طويل و صبر جميل ، مشرفة على قسم الشؤون القانونية بشركة محترمة للهندسة المعمارية . ليست بداية سيئة بالتأكيد.
لقد ارتحت كثيرا في تلك الوظيفة . بصراحة ، في البداية كنت أكثر من خائفة، كنت وجلة مرتعبة ، إنني أختلط بالناس من جديد ، ابنة المختلس و القاضية السابقة ستصبح جزءا من المجتمع بعد أن استقالت منه.

لكنني يا ابنتي اكتشفت أن هنالك من لا يهتم بتاريخ الماضي و لا يسأل عن شيء . ترى هل لأنني من مدينة أخرى ؟ ألم تصل الأخبار إلى هنا؟
و اندمجت مع زملائي في العمل و تحولت شيئا فشيئا من إنسانة متقوقعة ن منغلقة على نفسها إلى أخرى مختلفة تماما ، متفتحة ، متفهمة ، تحس بعذاب الآخرين و ترحمهم و تجد الأعذار لمن أذنب بعد أن كانت تدين المذنبين بلا رحمة.
هكذا تذكرته من جديد. لأكون صادقة ، أنا لم أنسه للحظة في حياتي ، بل أنام و أصحو على ذكراه.

لماذا لم أنسه؟ لماذا أشعر بشيء بداخلي لا يوصف ؟ بشيء لا أعرف طبيعته ؟ شيء يخنقني حدّ البكاء ، ثم أشعر برغبة في تذكر نبرات صوته ، في رؤيته ، فأخذت صورة مدرسية قديمة و تأملتها ثم أعيد قراءة الرسالة بعين دامعة.
أنا أفتقده ؟ لن أنكر هذا. صحيح أفتقده كثيرا لدرجة القلق و الأرق و السهاد. أفكر ماذا فعل في حياته. إلى أين وصل في طريقه التي اختارها؟ يفصل بيننا بحر شاسع يجعلني أعجز عن الاعتذار ، أريد أن أعتذر على كل كلمة قلتها ، كلمة أحسست بعدها بالضياع .
لا تنظري لي هكذا أنا أعترف يا ابنتي و لا أخجل .
مع طلوع فجر كل يوم ، أتأكد من أنني خنت قلبي ، من أنني كسرت جزءا من روحي من أنني مذنبة بحق نفسي.
لقد أحببته كثيرا ، بل إني أحبه أكثر من أي شيء.لكن أين هو؟ لو أراه فأعتذر ، هل يسامحني؟
لكنني لم أفعل شيئا غير أنني قلت له أنه صديقي فحسب. و هل هذا قليل؟
كم أريد أن أبحث عنه ، أن أعترف له بما في قلبي أن أنفجر بالحقيقة على مسامعه ، لكن عزّة نفسي لا تسمح لي.
ها أنا ذا من جديد ، أصرّ على العناد . أيّ نخلة لم يهزّها ريح؟





الفصل الثامن
الصدفة مرة أخرى

الآن تمرّ السنوات ، لتطوي سنوات أخرى ، ليتقدم العمر . أربع سنوات مرّت على سجن والدي و لا أعرف عنه شيئا ، و سنتان مرّتا على وفاة أمي .
إنّ العمر يمرّ و يتقدّم بأسرع مما اعتقدت . لكن مفاجآت الحياة لا تنتهي أبدا ، فكل يوم بقصة و كل قصة بحكمتها و تقديرها.

من يستطيع أن يتكهّن بالمستقبل ؟ من يستطيع أن يقف في وجه القدر عندما يشاء أن يفرض أقداره؟
وجدته . وجدت الأمل الضائع مني ، وجدت قبس الحياة و نورها وجدت قلبي ، وجدته.

كانت لهذه الشركة التي أعمل فيها ، علاقات خارجية من أجل تطوير وسائل العمل و الخطط التنفيذية و لذلك يقومون بإرسال مستشارهم القانوني صحبة ثلّة من المهندسين لتبادل الخبرات و التشاور في أمور العمل.
هكذا وجدته ، الأكيد أنك عرفته.أنه المهندس المبتدئ الذي كان يريد فتح مكتب صغير للهندسة. هاهو الآن مدير قسم بشركة كبيرة بالخارج ، لقد شق طريقه بنجاح ، الظاهر لم يؤثر جرح قلبه في عمله و لا في مستقبله ، هل نسيني؟
كل تلك الهواجس التي اعترتني أول ما رأيته اضمحلت في لحظات بابتسامة عذبة لاحت منه وهو ناظر إليّ و يتقدّم مرحبا بي في حرارة.و قال:" مرحبا بصديقتي ، كيف حالك؟"

هكذا وجه لي خنجرا حادّ الشفيرة إلى صدري ، أحسست أن الجرح ينزف بعمق ، لكن من قلبه هو، ينزف سخرية و استهزاء ممزوجا بحرقة الماضي.
و خانتني الكلمات ، فاختنقت و اختنقت ، ومددت يدي أسلم عليه ، ثم تمالكت نفسي و قلت في حشرجة :" الحمد لله أحسن بكثير ........صديقي..."

و تواصل التعامل مع تلك الشركة ، فتعددت لقاءاتنا . كنا نتبادل نظرات حارقة في البداية ، نظرات ملتهبة فتحسّ أن كلينا يود الانفجار في وجه الآخر . ثم أصبحت نظرات فاحصة لأثر الزمان على نفسينا . ثم كلمة من هنا و أخرى من هناك تحولت نظراتنا إلى عتاب قاس جارح .

لن أتذمر ، لن أشتكي من الألم الذي أحسه عندما يرميني بسهام نظراته القاسية.
كانت أحاديثنا في خلاف ذلك سطحية جدا . و سألني ذات يوم:" لم لم تتزوجي إلى الآن؟
نظرت إليه مستغربة ، حقا لم أفكر في هذا الموضوع و لو للحظة ، لكنني أجبت:" لم أجد شخصا مناسبا يفهمني دون أن أتكلّم ، يواسيني حتى عندما أجرحه ، شخصا لا يهمه الماضي ، بل فقط ما أنا عليه حاضرا . و أنت؟"
هنا أجابتني إحدى الزميلات :" هذا شيء خيالي لا يوجد رجل بهذه الصفات في أيامنا هذه. لقد أخذت المادة معها كلّ شيء. المشاركة الفعلية صارت كلاما و نظريات فقط لا غير."
فقلت :" ليس صحيحا، كل شيء نسبي في الحياة . سأجده يوما."
ابتسم هو في لطف و كأنه فهم من كلماتي أنني أعتذر ، لكن كالعادة اعتذار ضمني لا يضع أنفي في التراب ، اعتذار بين السطور فقط. هذه أنا أأبى الاعتذار حين تكون عزّة نفسي في الواجهة.
قال:" ليس هناك من تستحقّ."
قالها بكل برودة دم ن و بكل هدوء . هل أنا سيئة لهذا الحدّ.؟
لكنه واصل الحديث بعد سكوت طويل:" كانت هناك واحدة تستحقّ فعلا، لكنها..... لكنّ قلبها لم يكن ينبض من أجلي حسب ما قالت."
فانطلق لساني بالسؤال:" و أنت هل مازل قلبك ينبض من أجلها . آسفة.....ربما تجاوزت حدودي، إنسى الأمر.."
" لم تتغيري أبدا."
" ماذا؟"
فقالت زميلتنا:" كأنكما تعرفان بعضكما منذ زمن طويل."
فاستدرك هو الأمر قائلا:" لا شيء الأحسن أن نعود إلى الاجتماع انتهت فترة الاستراحة...."
قالها كمن أراد أن يبتلع كلماته و يعيدها إلى جوفه و أنا التي تمنيت أن ينطق ، أن يقول أنه قد صفح عني.
و بقيت طيلة الاجتماع هائمة صامتة، أختلس النظر إلى عينيه لأقرأ فيهما أسئلة كثيرة هي تقريبا نفس أسئلتي. أتساءل عن عبث الزمان بقلبينا و ما إذا بإمكاننا أن نصلح الأمر أم أنها صفحة و طويت كما تطوى باقي صفحات حياتي. الشيء الوحيد الذي أريد التأكد منه هو ما إذا كانت هناك رواسب من ذلك الحب القديم أم أنه صار مجرّد ذكرى.
لن أختلق الأعذار لنفسي ، فقط أردت أن أعبر عن فداحة الخسارة التي أحس بها.

و ذات يوم ، سمعت خبر عقد صفقة جديدة محورها دمج الشركتين ، أو بالأصح شراء تلك الشركة العالمية للشركة التي أعمل فيها في نطاق توسيع أعمالها و استثماراتها. كنت خائفة من فقدان وظيفتي في البداية إلى أن أتتني دعوة لحضور حفل بهذه المناسبة و تشير الدعوة إلى أن الشركة الجديدة لم تستغني عن الموظفين القدامى.

و فوجئت به في الحفل يعتلي المنصة و يقدم نفسه معلنا عزمه على تقديم قصيدة هدية بسيطة لتوسع استثمارات الشركة و آفاقها.
خفق قلبها حينها كما خفق عند كل مرة قرأ فيها القصيدة الأولى . و ها هو يقف بقامته المنتصبة و ينظر إليّ في هدوء ، ثم يبتسم.
هذه المرة ، لم تكن ابتسامة سخرية ، بل هي تلك التي أفتقدها بشدة . أنها ابتسامته الحنونة المليئة بالمعاني و الصدق. و قال :"

عودة أمل

أمل يعود
يمسح دمعا بالأخدود
روح تعود
ترى عبق الورود
أمل جديد
لحن مجيد
نور سعيد
حياة جميلة
لروح كانت عليلة
بسمة عادت
لشفاه سكتت
ضحكة ملأت
قلوبا ذبلت

....
هكذا الحياة
خوف ووجل
يأس فأمل
و أعود بلا كسل
للحياة شابا عنيد
شابا سعيد
إنه أمل يعود
يمسح دمع الأخدود
شكرا


كان في كل مرة ينطق فيها بكلمة ينظر إليّ متفحّصا تأثيرها فيّ . و أخيرا ابتسم لما رأى حبات اللؤلؤ تتدحرج من عيني في خجل و أنا أداريها .
ثم نزل من على المنصّة الشرفيّة و توجه ليسلم على زملائه الذين وقفوا مصفقين له بحرارة و اندفعوا ليعبروا له عن إعجابهم بما ألقاه على مسامعهم.
فسمعت أحدهم يقول:" لقد عادت البسمة إلى شفتيك منذ أيام. و ما إن سمعت القصيدة حتى فهمت أنك قد عثرت على أملك الضائع."
هنا اشتد خفقان قلبي ، لن تغيب عني معاني كلماته، لكن بقي أن أتخذ أنا خطوة مهمة و حاسمة لهذا الموضوع. أجل ، أنا التي التزمت الصمت ، أنا التي كنت كتومة معه ، أنا التي كنت جبانة أمام قلبي ، يجب أن أقهر هذا الضعف الأنثويّ بداخلي . يجب أن أكون أكثر جرأة و شجاعة ، هذا ما يتطلّبه الأمر ليس أكثر.

و فكرت كثيرا ووجدت أنني ربما لا أكون قادرة على المواجهة المباشرة وجها لوجه. لذلك قررت كتابة رسالة ، عن لقيت صدى لديه ، فهذا يعني أن الأمل الذي تحدث عنه الآن لم يكن سواي أنا.
و أخذت القلم لأكتب ، لكن يدي صارتا ترتعشان كثيرا و خانتني أصابعي فما قدرت على كتابة شيء.
ثم قلت في نفسي سأستغل كل ما يأتيني من إلهام و من الكلمات و أحاول صياغة قصيدة . أكيد أنني سأرتكب الكثير من الأخطاء لكن على الأقل أحاول:"

حبي لك

حبي لك نور يضيء شمعه
حبي لك عين تبعث دمعه
حبي لك قلب يحترق ولعه
حبي لك شمس تنضج ثمره
حبي لك سماء تحمي زرعه
حبي لك تيه يرسم دمعه
...
لو تراه تعرف قلبا
لو تلمسه تشعر سحرا
لو تشمه تلمح عطرا
لو تسمعه تحس صدقا
....
إنه حبي لك يملأ الوجود
إنه حبي لك يمسح دمع الأخدود
إنه حبي لك.....


ماذا يمكن أن أقول أكثر من هذا في رسالتي .
هذه الكلمات كافية ، بل أكثر من كافية ، إنها تصريح واضح بأنني أود أن أكون الأمل الذي يمسح دموع خده و البسمة التي تفرح قلبه و الضحكة التي تملأ الأجواء بعدما سكتت.فماذا أكثر من هذه الجرأة؟
و بعثتها موقعة باسمي ، حتى لا أظل الطريق مرّة أخرى ، حتى أستعيد ما كان لي و أضعته في لحظة غباء تواصلت لسنتين.
ستقولين أنني جريئة و أنها خطوة مهمة.
سأرد عليك بأنني كنت أجبن مما توقعت . فانا لم أذهب بعدها للعمل ، بل أخذت إجازة لأسبوع.
لقد شعرت بالخجل مما فعلت . فما هذا بتصرّف فتاة ناضجة في مثل هذا العمر. بل هو تصرف مراهقة طائشة لكنني قلت :" ربما يكون الطيش أحيانا مفيدا.
و مر يومين ، كنت فيهما كمن تنام على خشبة ملتهبة و تمشي على جمر حام. هي أيام تمرّ دون معنى أعيش فيها على الماضي و لوعة الانتظار تقتلني و ألف هاجس يعترضني . لو اعرف فقط ماذا يفعل الآن و فيما يفكّر.
و ملأت الهواجس رأسي ، الأكيد أنه يتّهمني بالكذب و النفاق ، يظن أنني طائشة و مراهقة ، الأكيد أنه لن يلتفت إليّ ، لقد تغيرّ من ناحيتي. لو كان صادقا معي فلماذا لم يتكلم إلى الآن ، لماذا لم يجب و لو برنة هاتف.

كم أود أن أقتلع هذه المشاعر التي تسبب لي هذا الألم ، أن أنتزعها من جذورها و أرمي بها في حفرة عميقة ليس لها قرار. لم لا يرن هذا الهاتف اللعين ؟ سأنسى أمره ، لا يهمني عذابه ، لا تهمني كلماته ، لا يهمني إن بقيت عانسا أن كسرت قلبي ، فهو في النهاية مكسور منذ البداية ، لقد عانى بما فيه الكفاية . إذهب أيها الحبّ من قلبي و دعني أعيش بسلام ، لا تزد عليّ قهر الدنيا و خطاياها ، أتركني لحالي فأنا قد شربت كأس المرارة لآخرها و هذا يكفي ، دع تلك القطرات الراسبة في قعر الكأس لا أريد تجرعها.

أنا جننت أم ماذا؟ ما الذي يعتريني ؟ إنها الوحدة . لأول مرّة أحسّ بأنها قاتلة خانقة أكثر من اللازم.

هكذا يا ابنتي عرفت معنى أن تصاب بالجنون ، حالة نفسية غريبة ن وهم كبير يدخل رأسي فأحلم و أتألم و أفرح و أكلم نفسي في المرآة في الآن نفسه. تولّدت لدي قناعة حينها أنني بحاجة لطبيب نفسيّ و إلا سأصل لمبلغ الجنون الذي لا دواء له."

لم أستطع تحمل كل ذلك و قررت فعلا زيارة طبيب نفسي. ترددت كثيرا قبل دخول العيادة ن لم أكن أتصور أنه سينتهي بي المطاف عند طبيب المجانين. كنت خائفة من أن يراني أحد يعرفني هناك.
سألتني السكريتيرا:" ما هو اسمك بالكامل و سنك و عنوانك و هل هذه أول مرّة تقابلين طبيب نفساني ؟
" أنا ...أنا...لست مجنونة أو مريضة ، في الحقيقة أريد أن أقابل الطبيب لسبب شخصي."
ابتسمت المرأة في مكر و قالت :" كلّهم يقولون هذا في البداية ، ليست مشكلة يا عزيزتي ، نحن هنا نحتفظ بالسرية التامة ."
هكذا وجدت نفسي أدلي بالبيانات اللازمة و ادفع الأجرة ثم أدخل إلى ذلك المكتب الذي أسميه بوابة الحقيقة.
كنت أرسم للأطباء النفسيين صورة غريبة ، أناسا مضطربين قد لا يختلفون كثيرا عن مرضاهم في حالاتهم العقلية. لكنني وجدت الهدوء يسود المكان و رجلا لطيفا يقول:" تفضلي يا آنستي ، أتمنى أن تتصرفي على راحتك ، ربما تودين التمدد على الكرسي و التكلم عما يضايقك . إن أردت أغمضي عينيك كي لا تشعري بالإحراج ن لكنك ستتعودين سريعا على هذا أؤكد لك هذا. دائما المرة الأولى في أي شيء تكون صعبة."
و لاحت منه ابتسامة جعلتني اعتقد أنه عليم بما أخفي. تمددت على ذلك الكرسي المخصص للاعترافات و أغمضت عيني ليمر شريط حياتي أمامي. قال لي:" أريد ان أسمع منك وصفا لما ترينه و أنت مغمضة العينين." فإذا بي أقول:"أنا التي جعلت نفسي أتعذب ، أنا سبب كلّ هذا. أرى أيام طفولتي ن ووهمي الكبير ، أمي لا تحبني و تقسو عليّ و ترسّخ ذلك لديّ كحقيقة لا تقبل الشكّ. بل ذهبت لأبعد من ذلك لأصدق تخيلا زائفا مفاده أنني لست ابنتها . ثم عشت عذاب الضمير المهني و عذاب أن أكون ابنة خائنة ، ثم عذاب أن أفقد صديقا اعتبرته جزءا من حياتي، بعدها أما الله أعلم إن ماتت وهي راضية صافية القلب أن تحمل شيئا من الحقد تجاهي.

أحس أن قلبي ينتفخ و ينتفخ و كأنه سينفجر. لم أعد أفكر إلا في شيء واحد . أن يرن الهاتف ، أن يوصل لي الباب رسالة أو يستقبل دقاته لأفتح له مبتسمة . لكن لا شيء يحدث ، إنه فقط الإنتظار و الإنتظار لساعات لأيام تصبح مثل الشهور ، بل إنه الدهر يسخر مني و يطوي أيامي بتأن ليذيقني لوعة الإنتظار. "
و فتحت عيني عندها. فرأيته يجلس بقربي و الاهتمام باد على وجهه .ثم قال:"اهه، أنت إذن تعانين من ترسّبات الماضي ."
و شرحت له شيئا فشيئا ما حدث بالتفصيل فقال لي:"سنرى ما يمكن أن نناقشه بشأن هذا في المرّة القادمة ، أما الآن فسنكتفي بدواء للأرق و مهدأ خفيف المفعول."

حتى الطبيب لم يهتم كثيرا ،سأبقى أذهب كل مرة إليه لأكشف له أسراري و أزيده فوق ذلك أجرا دون أي نتيجة. ما نفع المهدئات معي ؟ أنا هادئة .

و قررت العودة إلى العمل ، يجب أن أنسى أحلامي التافهة و ألتفت إلى شغلي ، يجب أن أطوي الماضي أو ترسباته كما يقول . سأصبح جيدة بعدها ، هذا هو الدواء النافع .
دخلت المكتب و كأنني أدخله لأول مرّة .كنت أحس بالخجل ، خجل يعتريني من رأسي لأخمص قدميّ و كأن كلّ من في المكتب يعرف ما فعلت و قرأ ما كتبت.
لم أستطع فعل شيء ، كنت أنظر في الأوراق أمامي كأنني أنظر إلى بياض السحاب ، تائهة في السطور ، في الأحرف ، عاجزة عن تمييز الصحيح من الخطأ و عن فهم محتواها أصلا.
لا أعرف كم مرّ على دخوله، أو إن مضت دقائق على وقوفه أمامي لكنني انتبهت لوجوده لما أطلق صوت حشرجة ثم سعال قويّ اجتثني من هيماني.
ثم قال:" هل تسمحين لي بدقائق من وقتك ؟ لو سمحت."
و نهضت دون وعي ، ثم سرت وراءه كما تتبع الخراف صوت الناي.
و مشينا جنبا إلى جنب في طريق طويلة ، دون كلمة واحدة . ثم دخلنا مطعما صغيرا على ناصية الطريق . قال لي :" لن تمانعي إن دعوتك للغداء.؟ "
انتبهت حينها إلى أن الساعة صارت منتصف النهار ، كم مضى من الوقت على هيماني في المكتب ؟ غريب أنني لم أحس بمرور ثلاث ساعات بأكملها.
دخلت المطعم دون أن أنبس ببنت شفة . كنت كمن عقد صفقة مع الصمت. و جلسنا إلى إحدى الطاولات نختلس النظر إلى بعضنا. لم يجرؤ أحدنا على قول كلمة في البداية لكنه بصراحة كان أجرأ مني فيما بعد.
قال لي و كأنه قد انتظر كل هذا ليستجمع شجاعته :" قصيدة جميلة ، كلمات مؤثرة لكنها مملوءة بالأخطاء خاصة في الوزن الشعري ، كما أن بعض الكلمات غير متناسقة تدلّ على عجز في الاختيار أو تراكم للكلمات في ذهنك حينها أو لعلّ الكلمات تاهت منك.
أنا أقول لك رأيي بصراحة . إنها تستحق أن تنشر في إحدى الصحف دون مجاملة لكن يلزمها بعض التعديلات الهامة ."
هل يسخر مني بكلامه هذا؟ ألم يفهم بعد؟ أم تراه يدعي ذلك؟
اكتفيت بابتسامة شاحبة و قلت:" يجب أن أذهب الآن ." ورددت في نفسي :" أنا لم أفكر في كتابة شعر بل لا أعرف كيف كتبت ذلك."
: لكننا لم نتغذى بعد."
" آسفة ، تأخرت و علي أن أعود ، لدي الكثير لأفعله . و نهضت كاليائسة و هممت بالانصراف . و إذا به يمسك يدي و يقول:" انتظري ، لا أريد أن يغادرني الأمل بعدما وجدته ثانية."
و تجمدت في مكاني و اغرورقت عيناي بالدموع ، بقيت واقفة أعجز عن الالتفات كمن تعاني الشلل.
و لكنه استطرد :" أردت فقط أن أجعلك تتكلمين و تفصحين عما بداخلك ، لكنك لا تتغيرين أبدا . دائما كتومة ، و كتومة جدا أيضا."
و ضحكت ، حقا ضحكت و التفتت إليه فإذا به يشرق بابتسامته الدافئة ، و صوته الحنون العذب. و قال :" هل يمكن أن تجلسي ، و تشاركيني الغداء ، إنه آت قريبا لقد أوصيت على طبقك المفضل . ما أجملك حين تبتسمين."
ثم قال:" لم أنسك في غربتي لحظة واحدة ، و كنت أتساءل عن حالك كل يوم ، لم أتركك كنت دائما جزءا من كل شيء ، غريب أنني أصفح عنك بعدما كسرت قلبي ذلك اليوم.
:صديق" هكذا قلتي لي يومها ، فهل تراني مازلت كذلك ؟ كان شيء بداخلي يقول أنني لا يمكن أن أكون كذلك بالنسبة لك ، لكنني حاولت. رؤيتك في تلك الحال أثبتت لي أنني لا أستطيع أن أكون صديقا ، آسف لأنني تركتك في تلك الظروف."
فخرجت من بين شفتي كلمات خجولة ، لكنه القلب يتكلم في مثل هذه المواقف :" ربما كنت صديقا ، لأنني لم أقدر على فهم نفسي في تلك الفترة العصيبة من حياتي ، الآن أشعر أنك يمكن أن تعوضني عما فقدته بسبب الماضي."

و أتى الغداء في تلك اللحظة ، دائما في الوقت غير المناسب . سبحان الله لا يتغير حظي حتى في لحظات السعادة.
لم أحس برغبة كبيرة في الأكل مثل ذاك اليوم ، لم أحس بالجوع الشديد و الرغبة في أكل كل ما هو متوفر أمامي من أطباق شهية مثل تلك اللحظة .لكنني خجلت من نفسي. و أمسكت عن الأكل.أيعقل أن أبدو أمامه أكولة و حمقاء.
لكنه قال:" أشعر بجوع شديد كأنني لم آكل منذ أيام ، فلا تضحكي علي إن التهمت كل شيء." ثم ختم قوله بضحكة ملأت الأجواء لدرجة أن كل من في المطعم التفتوا إلينا."
فقال:" أنا آسف أيها السادة ، عفوا......."
و هنا بدأت أضحك في لطف ، ثم نظر هو إليّ و انفجر ضاحكا ، محاولا كتم صوته .
تمنيت أن يتوقف الزمن في تلك اللحظة فأواصل حياتي ضاحكة ، أعوض ما فاتني و أدخر شيئا للآتي.
و تحدثنا بعد ذلك ، ما يقارب ساعتين نسيت خلالهما أن لديّ التزامات في العمل و نسيت أنني لم أطلب رخصة للخروج كذلك.
لكن ذلك لا يهم ، لأنني أخيرا وجدت ما يضمن لي أن أضحك من أعماق قلبي مستقبلا ، وجدت ما ينهي قصة الألم و المعاناة.
لقد تعلّمت يا ابنتي أنه في أحلك الأوقات و أشدّها قسوة لا بدّ لنا من الأمل.
اليأس لا يوصلنا سوى لطريق الألم و الظلام الدامس إنه ظلام الروح، أما الأمل فهو شمعة تنير الدرب و تجعلنا نتمسك بالحياة و إلا لكنت فكرت بالانتحار منذ بداية قصتي.
الصبر و الأمل هما اللذان أوصلاني إلى طريق السعادة. الصمود أمام ما قد يعتريك من خسف الزمان. لا يمكن أن أصف مقدار سعادتي يومها ، لأنها كانت سعادة حقيقية ، فمجرد ذكراها تجعلني أبتسم و أفرح من أعماقي



في انتظار ردودكم و بعدها ساكمل الحكاية

اشراق
20-05-2009, 07:52 PM
حقوق النشر محفوظة لموقع الماس التونسي
امضاء: الكاتبة اشراق الغشام

لون الثلج
22-05-2009, 12:43 AM
:

أشراق

متابعين لك بصمت لاتحرمينا البقيه

لك كل الحب والورد..

إح ــترامي

}

اشراق
22-05-2009, 01:57 PM
اعزائي الكرام اكمل طرح الرواية
(حقوق النشر محفوظة:ممنوع نقل الرواية لمنتدى اخر بغير اذن رسمي )
الكاتبة:اشراق الغشام

الفصل التاسع
حلم غريب
أحيانا تأتينا إشارات النهاية ، فلا نفهمها ، أحيانا نعجز عن تفسير الأشياء من حولنا. هو ذلك الحلم الغريب الذي يشغل بالي و لم أجد له تفسيرا.
نور أبيض يخترق السحاب الأسود و يقترب أكثر فأكثر من جهة الأفق ، ثم يتقدم و يتقدم في طريق طويلة إلى أن يغشى بصيرتي، فأعجز عن فتح عيني و أحاول النظر إليه لرؤية مصدره فلا أستطيع. ثم أستفيق منفزعة ، أفرك عيني كأنني أتأكد أنهما لم تغادرا محجريهما.
هذا الحلم و إن شغلني فهو لم ينسني الحلم الأجمل على الإطلاق الذي أعيشه. و أخيرا سأنهي سلسلة العذاب و الألم و أرى الحياة بوجهها الضحوك و أنا داخل القفص الذهبي .
لعلك تتساءلين لماذا حين أفرح أعتبره حلما و حين أحزن واقعا مرا.الإجابة بسيطة . نحن نذكر دائما لحظات السعادة على أنها قصار تمر مر السحاب مثل الأمنيات و الأحلام بينما نطيل وصف و شرح العذاب لأنها تمر مثل القرون.
لم يكن يكدر علي سعادتي غير التفكير في أن أمي ربما ماتت وهي غير راضية عني. لكن وجوده إلى جانبي كان يخفف عني آلامي و يمنحني القوة على المضي قدما.
لم أكن أعرف أن محبة الناس من حولك تمنحك طاقة على المواصلة ، لم أكن أعرف أن الحب و الحنان من شخص يرى الدنيا بعينيك يمكن أن ينسيك ما تعجز عن نسيانه لوحدك.
لن أقول أن لا شيء في الحياة يستحق دمعة لأن الحياة كلها أمر عظيم ، زمن لا نعيشه إلا مرة واحدة و لذلك فهو يستحق منا كل شيء، و كما تستحق أن نبكي لأجلها ، تستحق أن ننعم بالراحة.
هكذا بعد أن سكبت من الدموع ما تجف له المآقي ، طرت على أجنحة السعادة إلى الأعالي ، شعرت أنني خفيفة الوزن منبسطة السريرة ، أمتلك الدنيا بقبضة واحدة أصبح سيدتها بعد أن قهرتني .
لقد عشت عيشة الملوك من غير قصور و لا جواري و خبرت الحب دون أن أنام لمائة عام .
أنا الآن أدفع ما بقي لي من لحظات في الحياة لمجرّد أن أرى تلك الأيام في أحلامي .
عشت معه و أنا أرى الدنيا بعينيه ، كل المشاكل كانت تمر كسحابة صيف عابرة . كل شيء عاد حلوا جميلا من جديد أو ربما أحلى مما كان عليه من قبل .
عندما أراجع نفسي أحيانا أندم بشدة على سنين مضت و ضيعتها بسبب تسرعي في الحكم على حقيقة مشاعري . كم تسببت له في آلام حادة كل تلك الفترة. جرحته كثيرا و لكنه صفح عني .
" و دمعت عينا محدثتي ، لتنزل قطرة لوعة صادقة تتدحرج على جانب عينها ، تعانق سطح الوسادة و تتبخر فيها تنهيدة من الماضي الجميل هذه المرة . لم تكن تنهيدة حزن ، بل شوق إلى الأيام الخوالي حيث وجدت السعادة."
عندما قدم اليوم المنتظر ، الذي أرتبط فيه بذلك الشخص . أحسست برغبة جامحة في البكاء لأنني تذكرت أبي.
ربما كان طيف أمي يحلق حولي و يبارك سعادتي و لكن نقمة أبي تتبعني. لم أكن أعرف ماذا يحس تجاهي و لا حتى زرته في سجنه . لكن كل ما فعلته أنني كنت أتقصى أخباره من بعيد و أسأل عنه بين الحين و الآخر ، و أحاول أن أساعده عندما يحتاج لذلك دون أن أجعله يراني . بصراحة ليست لدي الجرأة لذلك . لم أكن أعرف ماذا سأفعل يوم يخرج من السجن . عندها أيعقل أن أقدمه لأبنائي و عائلتي ، أم أتجاهله ، أم ماذا؟
ثم قلت في نفسي:" لم أجعل من أسعد أيام حياتي أتعسها؟ فلأبتسم أصمد و أنسى . لن يحدث لي أسوء مما حدث..
فعلا الأمل دواء يا ابنتي. لو استسلمت للوحدة و الحزن لغرقت في بحر من الظلام الدامس و لعجزت عن الاستمرار.ليتني أستطيع أن أخبر أبي فقط بأنني لازلت أحبه رغم كل شيء ، و أنني لازلت أرى فيه في مكان ما من أعماقي صورة للأب الحنون و المحب.
الفصل العاشر
أيام لا تنسى
كل ما حدث بعد ذلك من أحداث كان رائعا . عشت حياة سعيدة . كنت أستيقظ كل يوم و أنا أشعر كأنه أول يوم عشته. سأتجاوز كل هذه التفاصيل لأنها خاصة جدا و لست أقدر على وصفها لأن الكلمات لا تسعفني.
المهم يا ابنتي هو أن السعادة عرفت دربي و أن قناعتي بسوء حظي قد زالت و أن الحياة جادت عليّ من كرمها بعد أن كدت أيأس .
واصلت سنوات من حياتي هكذا ، و أعتمد مبدأ " أضفي على حياتك طعما جديدا كل يوم." كانت أول مفاجأة ، قدوم ابننا الأول الذي ملأ علينا الدنيا فرحا و قربنا من بعضنا.
يومها عرفت إحساس الأمومة ، أدركت كم كنت ظالمة و قاسية في حق أمي غفرت لها من قلبي . الأكيد أنني كنت كل حياتها و النور في عينيها و لكنني لم أحاول اكتشاف ذلك الجانب فيها الأكيد أنها أحبتني كما أحببت أنا أولادي ، لقد تركت وهمي يأسرني بعيدا في عالم الخيال الزائف.
أغدقت على ابني كل الحب و الحنان و العطف ، كل ما يمكن أن يجود به قلب أم على أبنائها . وهو كان سندا لي و أبا صالحا و حنونا.
معه كنت أشعر أن كل يوم هو اليوم الأول من زواجنا ، لا شيء تغير. بالعكس ، ازداد تعلق كل منا بالآخر .
" تلك الأيام الخوالي ، لا تنسى أبدا. بعدها أنجبت ابنتي طفلتنا الثاني. كل شيء كان يسير على ما يرام ، راقبنا ابنينا و هما يكبران . استغلينا كل دقيقة من حياتنا في بناء مستقبلنا و تأسيس أسرة متكاملة متماسكة.
أمضيت ثلاثين سنة زواج تأكدت خلالها أن الماضي لا يعيد نفسه بالضرورة و أن لكل بشر حياته الخاصة حسب تصرفاته ، لا يعني وجود نقطة سوداء في الماضي أنها ستكرر نفسها في صفحات حياتنا.
نسيت في غمرة هذه الحياة الجديدة الهانئة كل آلام الماضي و جروحه . عشت إنسانة جديدة و حاولت جاهدة التجرد من الشخصية القديمة تلك الشخصية الواهمة التي تبني من أبسط الأسباب وهما كبيرا و تلك الشابة التي لا تعرف ما تريد تماما.
الفصل الحادي عشر
نهاية المأساة
مثلما تعرفين : تدور عجلة الزمن و في خضم هذه الحياة لا بد من حدث مميز.
كان يوما لا ينتسى ، رأيت فيه ذلك الحلم الغريب من جديد ، أفقت منزعجة. كان زوجي يبذل قصارى جهده لتهدئتي وهو يقول :" النور خير لا تخافي."
ثم هب كل منا إلى عمله كعادته ، و كان يقول لي:" اليوم مميز جدا ، فهو آخر يوم لي في العمل . أتعرفين ؟ سآخذك للعشاء بمناسبة تقاعدي ، ثم آخذك في رحلة حول العالم ، سنرى مع بعضنا ما لم يستطع أن يراه الآخرون. الأولاد كل منهم شق طريقه و صارت له حياته الخاصة و لم يبق سوانا في هذا المنزل . ما بك ؟ لست على ما يرام . أهو بسبب الحلم؟"
" _ لا أعرف ، فقط أحس بقلق يطبق على أنفاسي و يخنقني . لا أعرف كيف أصف هذا..."
" حاولي أن ترتاحي ، لا داعي لتذهبي إلى العمل. ثم ليس هناك ما يقلق. اتصلي بي إن لم تذهب حالة القلق هذه. اتفقنا؟."
و أومأت برأسي ، و احتضنته في دلال كأنني أشكره على حنانه و رقته معي.
و بعد مغادرته البيت بحوالي ساعتين اتصل بي يسأل عني و يخبرني أنه ذاهب لتفقد أحد المشاريع و سيعود متأخرا قليلا على الغداء.
ترجيته أن لا يذهب ، و أصريت ، فوعدني بأن يسرع في العودة. أمام إلحاحه وقفت عاجزة ثم أحسست بألم يعتصر قلبي و يجتث روحي و كأن قلبي صار ينزف و سمعت صرخة مدوية في أذني ارتج لها جسمي ن. و رن الهاتف.
"في هذه اللحظات الحاسمة من روايتها تنهمر دموع هذه السيدة كالسيل ، و يختنق صوتها بفائض الدموع ، لتسيل معها دموعي في عفوية بالغة."
" آلو . هلا حضرت فورا إلى المستشفى لمرافقة المصاب.."
هذه كانت الجملة الوحيدة التي تمكنت من فهمها و استو عابها مما قاله لي المتصل المجهول. و أسرعت نحو المستشفى لتستقبلني فوضى عارمة . بحثت في قسم الاستقبال عن حقيقة الاتصال فأعلموني أن زوجي مصاب وهو الآن في غرفة الطوارئ. انتظرت أمام ذلك الباب الكبير أدعو أن يخرج أحدهم ليطمئنني. و بعد دقائق خرج أحد الأطباء يقول لي :" آسف يا سيدتي إن حالته خطيرة جدا إن مجموعة الألواح التي سقطت عليه أصابت دماغه إصابات بالغة جدا ، و لو لا الخوذة لمات من فوره. المشكلة الآن أننا لم نستطع التحكم بالنزيف في مستوى الدماغ و دماء زوجك من فئة نادرة لا يسعنا إلا الدعاء له على أمل أن نؤمن كمية الدم اللازمة و أن نتمكن من السيطرة على الوضع."
و أمضيت ساعات أنتظر و أنتظر . إنه نفس الألم الذي شعرت به يومها يعتصرني الآن . إنه الموت يسخر مني مرة أخرى ، و لا أتمكن من إبعاده عني ، إنه يعتصرني ، يعتصرني ، يعتصرني......
لا تسألي عن حالتي بعدها ، بعد أن ألقى الطبيب على مسامعي تلك الأنباء الجديدة . بقيت أدعو و أتضرع و أنا في أشد حالات اليأس. لكن الموت سرقه مني كالعادة و لم يترك لي مجالا لتوديعه حتى.
دخلت في حالة هستيريا أدت بي إلى اكتئاب حاد . حتى إبنيّ وقفا عاجزين أمام الحالة التي وصلت إليها.
كانت الصدمة بالنسبة لهما قاسية لكن لم تكن أقسى مما أحسست به أنا. كان كل حياتي و الآن خسرت كل شيء خسرت أبي و أمي ثم ظننت أنني استعدته لكن سرق مني ثانية.
اشتد بي الاكتئاب و احتدّ كثيرا إلى أن تطور و تسبب لي في اعتلال قلبي. هذا القلب الذي حيرك فما عرفت له دواء بقي سنة كاملة يقاوم الألم بمفرده دون مسكنات.
يئس أبنائي من شفائي و أسلموا أمرهم لله. أما أنا فأصبحت أرى ذلك الحلم كل ليلة و أبقى أفكر فيه و في حقيقة ذلك النور.
فكرت أن الحياة تعاقبني على إهمالي لأبي و عدم سؤالي عنه . لقد نسيت أمره بطول المدة و ما عدت أسأل عنه.
في تلك الفترة حاولت أن أجد خيطا يربطني به ، أردت أن أتخلص من عذاب الضمير ، كان الزمن قد طوى الكثير.
كنت يائسة من معرفة أي شيء عنه ، و لكن مشيئة الله خدمتني كثيرا. قصدت إدارة السجن الذي كان فيه. و تحدثت مع المسؤولين هناك لأعرف أنه قد قدم طلبا لدخول دار المسنين إثر خروجه من السجن و أنه نتيجة لحسن سلوكه طيلة فترة الحجز قد وافقوا على ذلك.
أخذت عنوان المؤسسة بيد راجفة و سعيت للوصول إليها. ذهبت إلى هناك بعد تردد كبير ، خلت أنني سأجد ذلك الرجل القوي الذي أعرفه ، فإذا بي أرى أمامي شيخا هرما على مشارف الخامسة و الثمانين ، شيخا يرتعش و يعتمد على إحدى ممرضات الدار في المشي و التنقل من مكان لآخر ، شيخا يبدو عليه التعب و الوهن و الضعف.
حاولت أن أكلمه ، أن أعرفه على نفسي و لكنه كان ينظر إليّ مبتسما و أنا عاجزة عن النطق بكلمة واحدة.
قال لي فجأة:" غريب ، أنك تشبهين واحدة أعرفها ، و لكن لا أتوقع أن تزورني أبدا . هي تظن أنني غاضب منها و حاقد عليها ، لأنها لا تعرف معنى الأبوة . ليتها تسامحني كما سامحتها . أنا لم أقصد إيذاءها . لم أقول لك هذا؟ ربما لأنني أبحث في وجه كل فتاة أو امرأة أو حتى طفلة صغيرة عن ملامحها رغم أنني أعرف أنها لو لا تزال على قيد الحياة فستكون امرأة ناضجة في الثامنة و الخمسين تقريبا.
قلت في ذلك الوقت بصوت مرتعش و عيون دامعة :" هل ستغضب منها إن لم تزرك ، إن نسيتك ، إن....؟"
و اختنق صوتي فجأة.
" أبدا ، أعرف أنها لن تنساني لأن قلبها صاف و رغم أوهامها الكثيرة و حساسيتها فهي لم تخطئ في شيء ، لقد فعلت ما كان يجب أن يكون . أنا لا ألومها ، أريد فقط أن تعرف أنني راض عنها و فخور بها رغم كل شيء لكن قلبي حزين و يود رؤيتها قبل موته و لو لمرة واحدة . لقد كانت الشخص الذي عاقبني و لكنني كنت أستحق ذلك. أعترف مع ذلك أنه كان من القاسي جدا أن أتلقى تلك الضربة من ابنتي ."
لم أستطع حينها أن ٌول له شيئا فقط خرجت مسرعة أبكي كمن انزاح عنها هم كبير بعد أن أثقلتها الجروح. خرجت من هناك لا أعرف إلى أين أذهب. لكنني شعرت بتلك الطفلة البريئة تحيى بداخلي في هذا العمر ، ووجدت رجليّ تحملانني إلى حيث لم أتوقع أن أعود يوما، إلى مهد الطفولة . وصلت أمام باب ذلك البيت القديم و نظرت حوله ، لأفاجئ بخرابة و أعمال بناء قائمة الذات على هذه الأرض التي كنت أركض في رحابها ذات مرة. مشيت نحو المزرعة في ذلك الطريق المعهود ، كل شيء تغير منذ رحيلي لم يبق شيء على حاله. مشيت و مشيت إلى أن وصلت إلى قطعة الأرض ، تلك التي يقطعها الوادي فإذا بالأرجوحة تتدلى بين شجرتين ذبلتا و انحنتا بفعل الزمان . لكن الطفيليات هجمت على أغصانهما تلتهم لحاءهما و الأزهار الجميلة اختفت بين الأعشاب و ماتت . أخذتني الذاكرة لوهلة إلى تلك الأيام ، فرأيت تلك الفتاة الصغيرة بضفائرها تطير في السماء صعودا و نزولا و تلاعب مياه الوادي ذلك الذي أراه الآن قد جف و صار أحافير قديمة في تربة الماضي .
و أردت السؤال عن هذه الأيادي الآثمة التي تهدم هرم طفولتي . لم أفاجئ بالجواب أبدا. فمن الطبيعي لأرض قد تركت من سنوات طوال و لم تجد البلدية مالكها بعد سنوات من البحث ، أن تحوّل إلى ملكية عامة تابعة للدولة و أن تستغل في مشاريع أخرى.
رحلت عن ذلك المكان مسرعة خشية أن يتعرف على احدهم . و اشتد بي المرض بعدها و خشيت أن أموت قبل أن أخبر والدي حقيقة من أكون . و بعد يومين ، فكرت أن أبعث له رسالة ، أخبره فيها أنني أبنته و أنني ممتنة لصفحه عني . لقد ترددت كثيرا و ارتعش القلم بيدي كثيرا و أنا أخط له رسالة الاعتذار و الاعتراف في نفس الوقت:
" أبي ، لا اعرف كيف أبدأ و ماذا أقول . لقد أحسست بشلل في لساني ز أنا واقفة أمامك في ذلك اليوم . أردت أن أرتمي في حضنك و أبكي كما كنت أفعل و أنا طفلة صغيرة . أردت أن أعتذر و أعتذر. لقد تعذبت كثيرا لفكرة أنك ناقم عليّ و تكرهني بسبب تصدّي لك.
و لكن صدقني كان ذلك رغما عني . لن أقدّم تبريرات و أعذار ، أنا فقط أريد فقط أن تعلم أنه بداخلي لا تزال لديّ تلك الصورة القديمة الحلوة عنك. تعذبني رؤيتك هكذا. و لكن الحياة تقسو علينا و نحن تحت أمرها. سأزورك حين تسنح لي الفرصة .ربما هنالك الكثير لأقوله لك و لأسمعه منك و لكنني أخشى أنني تأخرت في البحث عنك. لم تعد صحتي تساعدني على التنقل .شاخ قلبي من هول ما رأى من آلام ."
ابنتك التي لم تنساك يوما .
و ختمت الرسالة بدموعي و أرسلتها في نفس اليوم.
لم تسمح لي الفرصة بزيارته ثانية. فقد اعتلت صحتي و زاد بي المرض و توغل الداء في أعماقي.
خرجت أتمشى في ذلك الطريق الطويل الذي اعتدت أن أتمشى فيه مع زوجي دائما حين فاجأتني النوبة و أطاحت بي وسط زحام الناس. لم أفق إلا و الأطباء محيطون بي من كل ناحية و صوتك الدافئ يا ابنتي يناديني في حنان.
البقية تعرفينها ، لكن ما لا تعرفينه هو أنني صرت أرى الآن ذلك النور الأبيض في نهاية الطريق المظلمة الطويلة . إنه أمامي الآن ، لقد صرت أراه في يقظتي و لكن هذه المرّة دون أيّ شعور بالخوف.
و التمعت عينا محدثتي ببريق لؤلئي و ازداد تنفسها اضطرابا و اتسعت حدقتاها و سارعت أتفحّص نبضها ، فإذا به يتباطؤ و يتباطؤ.
أسرعت أحاول إنقاذها ، و لكنها كانت قد عبرت الظلام الدامس و سارت بخطى ثابتة نحو ذلك النور الساطع دون أن تسمح لي بجذبها إلى الوراء.
و كلما تقدمت هي جذبها النور إليه شيئا فشيئا إلى أن بدأ بالتقلّص و التقلّص . ومدت محدثتي يدها في الفضاء كأنها تمسك بشيء ما ، ثم أخفضتها إلى الأبد...
قد تتساءلون ماذا وجدت في نهاية ذلك الأفق النير ، إنني أراها ترتدي حلة النور و تمسك بيد زوجها و تبتسم له وهو بطوّقها بذراعه في سعادة . إنها الآن في جنة السعادة الأبدية حيث ترقد بسلام مع أحلام طفولتها الوردية و حبها النقيّ ، تاركة وراءها جسدا مفرغا و قلبا هامدا و ذكرى تكتسي رداء الألم و المعاناة تغمرها لذّة السعادة بلقاء الأرواح من جديد.
لعلها كانت محطّة عابرة في حياتي ، أقفل بها كتاب الرّوايات هذا و أفتح صفحات جديدة لا تزال ناصعة البياض.
"تمت بحمد الله "