تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : الغصن الهزيل


حسين نوح مشامع
20-02-2011, 10:18 PM
الغصن الهزيل
خرجت من بيتها هائمة على وجهها, لا تعرف أين تذهب والى من تتجه, كعطشان قتله الظمأ بفقده جراب مائه، وظل طريقه بفقده دليله.
شعرت وهي في وضعها المزري ذاك، كأنها وسط غابة كثيفة مخيفة متشابكة الأغصان لا يمكن للضوء الوصول إليها أو النفوذ منها. والسماء فوق رأسها متجهمة عبوس قمطريرا، تحاول التخلص من جنينها لتقذفه حمما ونارا.
واصلت طريقها وسط الجموع المتجمهرة، والحشود الغاضبة، فازدادت غربتها وازدادت وحشتها. وجرفها التيار الثائر والسيل الهادر، فصمت أذنيها أصوات المتجمهرين وهتافات المعتصمين، ففقدت تركيزها وثقل سمعهما، كأنما سرقت منها أذنيها.
كبرت مصيبتها مع دخول الليل، وانتشار لحافه الشتوي الثقيل الممتد عبر الأفق. تتطلع لوجوه الناس حولها، وتنصت لأصواتهم بصعوبة، كمن يبحث عن ضالة قي كومة قش.
ضنها البعض دسيسة، فحاولوا ردعها وطردها. واستهجن أسلوبها آخرون، فحاولوا التهجم عليها والفتك بها، لتدخلها في شئونهم واقتحامها خصوصيتهم. لكن كبر سنها وبؤس حالها غفر لها عندهم، فتركوها في حالها تفعل ما تشاء.
كانت لا تتردد من إدخال رأسها حتى في خرم إبرة، بحثا عن شيء ما. وبقيت هكذا حتى تمكنت من رمي شباكها على لاقطة احد المذيعات، كعنكبوت جائعة تلتف على حشرة ضالة.
أخذت تسرد قصتها وهي تبكي بكاء مرا، وتقلب مواجعها جروحا وحروقا. أنا لا علم لي بما تقومون به هنا، ولا افقه مما يجري حولي شيئا. أنا عجوز عقيم أكل علي الزمان وشرب, شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
قطعت جذوري، فلا أب يرعاني ولا أم تحن علي. ومال جداري وقارب على السقوط، بعد موت بعلي وخفوت صوته. سقطت أوراقي وفقدت معظم غصوني، أما بموتهم في ظروف مختلفة، أو هجرتهم بحثا عن لقمة العيش.
لم يبقى لي إلا غصنا هزيلا صغيرا، أتطلع لمستقبل أفضل من خلاله، لكني فقدته مع انطلاق ثورتكم هذه.
يقلم: حسين نوح مشامع – القطيف، السعودية

العف الخجول
25-02-2011, 01:01 AM
قصه رااااااائعه اخي
استمتعت بقرائتها جداً
الله يعطيك الف عافيه
ننتظر جديدك بشوق
تحياتي

راعي محل
27-02-2011, 06:48 AM
حسين نوح مشامع

ما أجمل هذا القلم الرائع

قصة جميلة جدا وقاص مبدع ومتمكن

شكرا لك على هذا الابداع

ولك مني اجمل تحية

زهر البيلسان
27-02-2011, 10:55 AM
لا أدري كيف "لعجوز عقيم" أن تنجب، حاملة "جنينها" وسط الجموع!

طبعاً هذه القصة -حسب قراءتي لها- سياسية وإسقاطاتها واضحة

كُتِبت من وحي الأحداث التي يشهدها وطننا العربي حالياً

قد يكون المقصود بتلك "العجوز" "الحرية" أو "العدالة"

و"الغصن الهزيل" هو "الديمقراطية" أو "الشعب"...

واحتمال أن أكون مخطئة في تصوري هذا!

الأخ حسين نوح مشامع

اسمح لي أن أحيي قلمكَ على قدرته الفائقة في وصف المشهد بدقة عالية وحرفية متناهية

إن أمتع القصص هي التي تحتمل التأويل والقراءة من مختلف الأوجه والرؤى...

وفقكَ الله

احترامي وتقديري لشخصكَ الكريم

:152:

سمو القلم
13-03-2011, 01:03 AM
شكراً لك

قصة توثيقية عن حال الاحدااث في العالم العربي

تقديري

قديم الشوق
22-03-2011, 09:29 AM
حسين نوح مشامع

أشكرك على هذا السرد القصصي الجميل

والطرح الراقي والمميز

الله يعطيك ألف عافية

وتقبل فاائق تقديري واحترامي