المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ((( لونٌ من الخريف ءاخر )))


قطرات من ندى
17-12-2006, 12:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
" فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و إليه ترجعون "
سبحان الله العظيم و بحمده تعالى و تبارك الله ربي
مساء عذب من يوم الثلاثاء 6ذو القعدة 28/11/2006ف
الجو يمتلئ بعديد أشياء ،
منها مزعجات الأشياء و منها جالباتها،
و في خضمها تتشكل لوحة عذبة حين أرنو إلى صفحة السماء.
غيومٌ غطتْ بعد الظهيرة صائفَ النهار و لَوْنَ شمسه،
فما عاد للخريف مجالٌ أن يتخفى،
أو يتوارى،
خلف الأكمام المرتسمة على امتداد النظر.

أهلاً يا خريف العام ،
أهلاً بمن أطـلَّ بِـوَجْهٍ بارقٍ خلف الغمام ،
كنتَ بالأمس صغيراً، في أوائل الورق الطائر عن غصن أمه،
ليس لأنه ما احتمل البقاء،
بل لأن الرحلة قد بدأتْ،
و بدأ معها دربُ الانحناء.

لغة الخريف في سطر الجملة ليستْ بذات نَـسَـقِ اللوحة في الطبيعة،
فتوزيع الألوان في الأخيرة ،
تتشعب معه كل المفردات في الأولى .

كتبتُ خلال الثامن من شهور العام صفحاتٍ عن خريف الشجر و البشر ،
ففي الأول منهما ،
تناثرتْ تأملاتي مع الألوان البنية الداكنة للورق المتساقط عن حضن الأم،
المتطاير مع نسماتٍ تأتي،
و أخرى تذهب.

و في الثاني ,,,
أشعلتُ شمعةَ البدايات لأعتاب الخريف الحقيقي ،
الذي يتوارى خلف الجلد و العظم،
حين يهيبُ بنا النصفُ الآخر من العمر،
هاتفاً،
بصوتٍ جازمٍ بمرمى السمع منا،
منادياً:
أين الحصاد.

آهٍ يا حصادَ العُـمُـرِ منا و السنون،
يا زمناً ،
ما أفْـنَـيْـناهُ إلا في سراب الشك فينا و الظنون،
كيف الـمَــسِـيـرْ،
و كيف تَـحـْتـملُ العَصَا كَـفّ الضريرْ،
مُـتَـوَكِّـئٌ عليها ضعيفْ،
قد صار بعد الصيف يعانيه الخريفْ.

كل التفاصيل للمظهر الخارجي لأيٍ كان، تكون فكرةً عن طوله و وزنه، و عن النواحي الجمالية التي قد حازها في شكله،
و الأخيرة رهينةٌ بالتذوق الفردي لجماليات الأشكال.

لكن ,,,
هل لنا بإلتفاتةٍ أخرى ،
إلى أبعد من درس التشريح المعتاد في كليات الطب البشري ،
أعني لوناً من التشريح ءاخر ،
أغوص من خلاله خلف الطبقة الخارجية للجلد إلى ما هو أبعد في المعاني.
فكل الأوزان التي نقرأها على مؤشرات الموازين تشير إلى كمية الشحم و اللحم المتكدس فوق العظم، و الذي تغلفه طبقات الجلد الخارجية ،
و هذه الأوزان تنمو على امتداد مراحل العمر جميعا،
فهي تبدأ بامتصاص دم الأم و لبنها،
و تتطور إلى هضم كل المتوفر للحياة ،
في رحلة البحث عن الحياة.

لكن هناك امتصاصاً من نوعٍ ءاخر،
يتسرب إلينا مع كل جرعة،
هو الأخلاق،
و المبادئ ،
و القدوة الحسنة.
جميعها تأتينا مع كل غداء نتغداه،
فتقوم أدمغتنا بهضمه،
و تصنيفه ،
و تخزينه،
كما يهضم الكبد و غيره الغداء الآخر.
هذا غداء للروح ،
و ذاك غداء للجسد،
و مع نمو الأخير و تزايد حجمه، يصبح له مجالٌ حركي يتناسب طرديا مع الكيمياء المتفاعلة في طبقاته،
و مع كل حركةٍ يحدث الاحتراق،
فتتلاشى الطبقات التي ليس لنا بها حاجة،
و تنمو العضلات لنقول أنه اشتد الساعد،
و تضمر,,,
لنصل إلى مرحلة المشيب و التقاعد.
و خلال كل هذا يتواصل عطاء الغداء الروحي، و يتوظف في كل موقفٍ،و يتزايد مع كل عِبْرة.
و طوال كل مراحل التجارب ... لا يحدث احتراق.
و حين نتساءل لماذا لا احتراق...؟
تنفتح أبواب الإجابات الواسعة في الأذهان.

و أرى أن هذا الغداء طوال فترة مكوثه في غياهب العقل الإنساني،
إما أن يبقى على حاله،
و إما أن يتضاعف،
فالذي يبقى على ما هو عليه دون نموٍّ أو زيادة،
ففي حال افتقاد الخبرة في توظيف المعارف و العلوم في الطارئ و الجديد.
فالاحتراق يتضمن الفقدان،
و الفقدان يليه النقص،
و هذا يحدث في القيمة و الوزن،
و المعايير الصحيحة لا يمكن أن تنقص قيمتها ،
فقد يعلوها غبار التهاوي ، و تتراكم عليها الانهيارات في داخل الفرد ، و بالتالي لا يظهر بريقها ، و تنحجب عن مجال الرؤية حين ننظر إليه،
و لكنها...
تظل مبادئا لها ذات القيمة ونفس المعيار،
لأنها ليست رهينةً بسلوك الفرد،
بل الفرد رهينٌ بها،
فتزداد قيمته أو تنقص، بحسب القيم التي يحملها،
و حمله لها يعني عملُه بها،
و ظهورها في أعماله.
نقول عند ظهورها، و شعورنا بقوة هذا الظهور، أن فلانا كبير أو نبيل ،
و حين يبهرنا هذا الظهور نقول عظيم ،
و الأحرى أن نقول حكيم.
و الحكيم يعرف عند الشدائد.
فكم من احتراقاتٍ تـناقص فيها هيكل اللحم والعظم،
و تزايد فيها محصول المبادئ و القيم،
و المثال السريع هو الصيام،
كعبادةٍ يتحد فيها الجسد مع الروح،
فتحترق طبقات الأول،
و تكسب الثانية،
و في احتراق الأول خيرٌ كثير،
و في كسْب هذه الربح العميم.
و الورقة المتطايرة عن غصنها،
قد أودعتْ خلاصة عملها في فرع أصلها،
و ما تزال الشجرةُ تثمر،
ما كان لها جذرٌ ثابت ،
و فرعٌ نابت ،
مهما تساقط من أوراقها في الخريف.
و مهما صَـغُـرَ حجم الشكل للإنسان ،
أو كَـُـبر،
تظل قيمته رهينةً بعقيدةٍ وعمل،
فصلاح هذه و ثبوتها دوماً معاً،
يتأصَّـلُ هذا و يتفرع ذا.
لذا...
يا خريف...
ما غبتَ يوماً،
إلا
لكي تكون المُضِيف.

" ألم تر كيف ضرب الله مثلاً
كلمةً طيبة
كشجرةٍ طيبة
أصلها ثابت
و فرعها في السماء
تؤتي أُكُـلَـها كل حينٍ بإذن ربها
و يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون
و مثل كلمة خبيثة
كشجرة خبيثة
اجتثتْ من فوق الأرض
ما لها من قرار
يثبت الله الذين ءامنوا
بالقول الثابت
في الحياة الدنيا و في الآخرة
و يضل الله الظالمين
و يفعل الله ما يشاء
ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً
و أحلوا قومهم دار البوار
جهنم يصلونها
و بئس القرار
و جعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله
قل تمتعوا
فإن مصيركم إلى النار
قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا الصلاة
و ينفقوا مما رزقناهم سرًّا و علانية
من قبل أن يأتي يوم
لا بيعٌ فيه
و لا خلال "


*****
سالمة محمد اكحيل
زليتن - ليبيا
11.30 ليلا 28/11/2006ف

مشاعل ابراهيم
17-12-2006, 09:55 PM
أختي قطرات من ندى







ألف شكر لك على هذا الموضوع الرائع والغارق بالجمال والعذوبة









تحياتي لك

( حايره )
18-12-2006, 03:32 AM
قطرات من ندى

لم تتركي لنا شيء لنقوله

فقد أستحوذتي على جميع فصول السنة

وليس الخريف فقط :)


لكِ أجمل تحية
وأتمنى أن نجد مداخلاتك ومشاركاتك مع مواضيع الأعضاء

محمد الفرحان
18-12-2006, 04:36 AM
.

.

قطرات من ندى

و

قطرات من حبر

زينت هذا المتصفح العابق بالجمال

.

.

العزيزة :

قطرات من ندى

اتمنى ان اشاهد تفاعلك وان اقرأ ردودك

على ماتقدمينه ومايقدمه زملائك في هذا

القسم فأنتِ قلم لديه الكثير ليقدمه . .

.

.

سعيد بمعانقة حروفك

.

.

تقبلي فائق تقديري واحترامي

إيمان السعيد
23-12-2006, 01:47 AM
يا حصادَ العُـمُـرِ منا و السنون،
يا زمناً ،
ما أفْـنَـيْـناهُ إلا في سراب الشك فينا و الظنون،
كيف الـمَــسِـيـرْ،
و كيف تَـحـْتـملُ العَصَا كَـفّ الضريرْ،
مُـتَـوَكِّـئٌ عليها ضعيفْ،
قد صار بعد الصيف يعانيه الخريفْ.




قطرات من ندى

ومتصفح عابق بالجمال




كل الود لكِ


إيمان

فهد الدباسي
28-12-2006, 08:42 PM
قطرات من ندى



تواجدكِ مختلفٌ و أنيق


و نحنُ نبحثُ عن الفائدةِ دائماً و أبداً


فـ شكراً جزيلاً على مواضيعك الثرية بـ الفائدة و الجمال


و تأكدي بـ أننا ننتظرُ منكِ الكثير



تحياتي