:
” تك ” ، ويُطفَأ نُور الغرفةِ .
أختي تُريد أنْ تنَـام ، لا تَعبأ بِي ، ضَحِكتْ عَلى جِلسَتِي المِحْرابيَّة السَّاكنة الصَّامتة الغَارقة فِي تأمُّلٍ طويــل ،
وَدُونَ أنْ ألتفتْ – إِن كَان يَهُمها أنْ ألتفتَ لأبتَسِم بِسُخفٍ مُتحضِّر – دَخلتْ فِي فِرَاشِهَا ونَامَتْ !
لا يهمُّ الآخرينَ سِوى النِّهايات التي نَصلُ إِليها ، كَم عَابرًا بِي مرَّ دون أن يكترثَ لكلامٍ يُولَدُ مِن فمي بَعد أن أرْهقني استخراجُه مِن غَيابة البِئر السَّحِيقة
ونَمَتْ بِشراسَةٍ في طَريقهِ الأشْواك وتجرَّأت عَليه سِباع الحُزن ، فخرجَ مكدودًا مرهقًا خائفًا إلى صَحراءٍ لا تَحفَلُ بِخروجه لِلحَياةِ الأخْرى عَلى أيّ هيئَةٍ كان !
يَهُمُّ الآخَرون نَهايَاتِنَا / نَهايات حُروفنا وشكلهَا الخارجيّ ، يَهُمهُمْ ذلكَ ليَملؤوا بِها أفواههم في جَلسة شايٍ فاترة لِيَلوكونَها بَمَوْت
( لَمْ تَخرُج بالجَودة المُعتادَة ! لَو أتَى بِها بهذه الصِّيغة لامتلأنا دهشة ، لَو … )
ولَو أتينا بِها كما يَظنوُّن بِوسعنا أن نَّفعل لانْتهينا قبلاً ولتبددنَا مَع دهشة الوَجع التِي يُريدونها ، رُوحنا وأنفَاسُنا تَحْضُر / تَحتَضِر عَند تدوِين وجعٍ ما ،
نَأرقُ ، نَبكِي ، تَشتَعِل حَرائق ، نَنكفئ ، ويَكادُ المَوت أنْ يأخذنا رَحمةً مِن احتضَاراتٍ طويلة مُغدَقة عَلينا حِين الكتابة !
نَتحاشى تَماهِي الوجع ، لنُبقِي رَمقًا نَحتضرُ بِه في النصِّ القَادم !
وَحين نَعرضُها للآخرين ، نَتركها بَين أيديهم ليُلبِسوا عَليها ما شَاؤوا مِن أرديةِ النَّقد ، ليقْرؤهَا حَزينة ، جَميلة ، رتيبَة ، …
حِين نكتبُ شيئًا ، ونشعر أننّا استخلصنا مَا فِي رُوحنا مِن مشاعرٍ تُجاهَه ونُلقِيْ به للآخرين ، فإننَا نُخِرج بِه ذُنوبُنا ونتطهر مِنهَا !
الحُروف ذُنوبنَا وَفضائِحنا المَرئيَّة التي يَمُوت بِها مَاء وَجهنا حِين إظهارها !
يَعلقُ فِي نِهايتها خَيط صَغير يشي بأنها كانت يومًا تَخصنا وكُنا يومًا نَستُرها عَن الآخرين ،
ثُمَّ ، مَا عَادتْ لنَا ومَا عادت تَخُصنا بمُجرّد أن يراها الآخرون !
الحُروف : الخَطايَا المبتورة منَّا ، التي تَشهدُ على كُفرِنا بها ورغبتنا التامّة بالتخلص منها !
مُنذ أشهرٍ وأنا أريدُ أن أتطهَّر ، أن أكتبَ شيئًا ،
أجِدُ فِي نفسِي قُصاصاتُ الحَكايا ، خُلاصتها التامَّة التي تَحتاجُ أن أعِيدَ قِراءتَها فِي جوٍّ أدبيّ ، كي تَخْرُج سالمَةً من عَرجِ الفِكرَة الأولَى .
ألبسُ الفِكرة فَتهترئُ بالتَّأجِيل ، وتَأجِيلاتِي طَويلة قَاتلة تَمحُو دَهشة الوُجود ، وَكُل أشيائي تَموتُ بهذهِ الطريقةِ البَاردةِ المُتوحِّشة ،
يَحدُث أحيانًا أن أكتبها مهترئةً وأوقِّع في نِهايتها : لا تَنتمي إلى أحَد !.
أخافُ مِنها أن تَشِي بِرداءة حَرفها المُهترئ ، وأنها خَرجت مني !.
أكفُر بها أوَّلاً ، وأرمِيها كَفتاةِ الخطيئة ، ثُم حِين أراها في ملجأ أحَدهم ، يَستيقظُ الانتماءُ متأخرًا ،
أخشَى أن تُحرِّقَني بِعذَاباتِها التي تَركْتُها تَصرعُها دُون عِنايةٍ مني / أنْ يعرفَ الآخرون أنها ابنتي الشَّرعية التِي لَم أدوّنها في سِجل العَائلة !
أخشَى تَكاثُر الأسئلة – وأنا التِي لا تعرف تنميقَ الإجابات المقتضَبة والهاربة – فَأمضي بِحسرة تَطعن الذاّكرة من ناصِيَتها ،
دُون أن أخبرَ أحدًا بِسرِّي المُفضوح سلَفًا فِي عيني !
وأمْضِي ، وَتمضي ، لنَسير في خطّ العذابات الجارفَة !
يَحدُث أيضًا أن أحدِّث عن مَجيئها أحد ، فتُوأَدُ مِن فورها ، وَأحاول عبثًا حَتى يتملّكني البُكاء واليَأس في أن تحيا ولو عَرجاء مُشوَّهة !
مُنذ أشهرٍ وأنَا أحاول كتابة شَيء ، لَديّ الكثير مِن الأفكار الحَاضرة التي تَنتظر أنْ آخذَ بيدها لتأتي مُكتملةَ البهاء والوجع .
لَكنَّ شيئًا من ذلكَ لم يحُدث ، حَاولت أن أسْتثيرني بالمشاركة في منافسات أدبية ، أحيَا بفكرةٍ موحَّدة حتى ينتهي أجلُ التّقديم دون
أنْ أُحدِثَ شيئًا مِن حرف ، سِوى أن أخبر الأصدقاء أني أريد أن أكتبَ شيئًا ، وأنِّي لم أعد أقدِر !.
بَعضُهم يعزِّي اليَأس المتجذِّر ، والبعضُ يَتستَّر بالصّمت ، والبَقية الأخيرة تُخبِرني أنها تَحمل ذات الموت
للأحرفِ الكثيفة المُسجّاة في دَاخلها على هيئَة مقبرةٍ جماعيّة !
كِدتٌّ أقول : أنًّ الكتابة طَريقٌ قصيرٌ للموتِ ، للاهتِراء ، لكنِّي تذكرتُ أنّي لو لم أكن أكْتب ، مَاذا سَيحدُث لي ؟
الكِتابة حَياة باقيةٌ تُخلِّد أثَرنا ، وتُلقمنا رمقًا نَنبضُ بِه حين نُوشك عَلى الموت !
وأنَا أرْثِي لِلذين لم يَهتدُوا للكتابَة والفنِّ بَعد ، كَيفَ يعيشُون / يتنفسون اختِناقاتهم ؟
ومَازِلتُ أريد أنْ أكتُب ، أنْ أمسِك بقيّة الأمَل الأخِير ولو بِفكرةٍ عابثةٍ سَخيفة تُثبت أنَّ حَرفي مَازال عَلى قَيْد حَياة ، حِينَ اليأسُ الأخير استغشَاني ،
انكَفأتُ على فكرةٍ بِها أيقنتُ أنّي أقفُ عَلى نَعش الحَرف لدي ، وأنّي الآنَ أغسِله وَأغمره مسكًا وكافُورًا ، ثمَّ أسْبِل عَليه أكَفانَه وأقدِّمه للمُصلِّين !
اليَأسُ ، احتِضَار الأمنياتْ وتَشهّدهَا الأخِير .
وهَا أسْمعُ تشهُّد الحَرف يُكرِّر صَوته في الذَّاكِرَة المخروقَة ، فَانكَفأتُ كَ أمٍّ ثَكْلَى يَصرُخ صَمتُهَا المَفجُوع فِي أُذُنِ الوَجع وَيهزُّه !
بَحثتُ فِي بَقايَاي عَن حُروفِي التي دوَّنتُها يومًا وَتناثَرتْ منْ خلفي ، مررتُ على الطرقِ القديمَة ، قرأتُ ما كتبتُه عَلى الجُدارن
كَأبسَط طَريقةٍ أتّخذُها لتخليدِ الحَرف في ذاكِرة العابرين – الذين يمرّونَ ليلتَهموا الطرق ولافتاتِ الحوائط – قبل أن تمرّ عليه البلديّة
– حينَ تزجّ نفسَها في ركب التطور – وَتدهنه بِلون يُلحِده في ذاكرة الحوائط !
ذَهبتُ إلى صَناديق البريد المُعطّلة التي كنتُ أراسلها بِاستمرارٍ على علمٍ منّي أنَّ رسائلي لن تهتدي إلى البيتِ المقصودِ أصلاً ،
بِإضاعة عُنوانها مِن عَلى ظهر الرِّسالة ، أو بِعلمي أنّ أصحابَ البيتِ غادرُوا منذُ أمَدٍ ،
أو بِالعناوين العَشوائيَّة التِي لَم أعلم مَن يَكُمن خلفَها ليستقبِلَها !
وَأخذتُ أقرَأ بِخشُوع ، كَأنِّي أُؤَبِّن الحَرف الذي كَان يخرجُ حينَ يُريد بسهولةٍ !
حَفظت نسخًا للرسائلِ التي قرأهَا الآخرونَ كثيرًا – ولمْ أرجِع إليهَا سِوى الآن – لأقرأهَا على مهلٍ كأمٍّ تلملم بقايا ابنهَا الرَّاحل !
.
قرأتُ الخطيئةَ الأولى :
( احتفظ بِأحلامكَ ولا تتفوَّه بِها ، إنَّك بِهذا تُعرضها للتَّلف ) !
وكَأننا نَكتُبنا قَبل أن نَفْعَل ، نُحذِّر الآخرينَ من ارتكابِ الجريمة ، ونَنسى كلامنا مُباشرةً كي نَقع في الجُرْم !
هَا أتْلَفتُ أحْلام الحَكايا ، حِين تفوَّهتُ بِها للآخرين .
أقلِّبُ الحروفَ ، وَفي رأسِي يتَكلّمُ واسيني الأعرج قائلاً ” نَبحثُ داخِل الكَلماتِ عَن أشيائِنا الضَّائِعة
” وأبْحثُ عَنِّي في سواد الكلمات الماثلة أمامِي التي كَانت يومًا تنتَمي إليّ قبل أن أبتِرها على بياضَاتِ الورق ,
ويلكزني سُؤال : هل تنتمي حروفنا التي انتهكنا قُدسيّتها حين عرضناها على الآخرين إلينا ؟
هل يحقّ لنا أن نعدّل شططًا فيها لم يعد يروقنا ؟.
أتجاهل صخب الأسئلة وأعيد انكفائي على الورق ,
قرأتُ فضائحًا وذنوبًا ، قرأتُ أشياءَ أخرجتها نَزوة الحديثِ لـ لا أحدٍ ، رغمَ أنَّ الـ لا أحدَ هذا لا يُمكِنه نِسيان مَا قلته ،
نيتشة قال مرَّة : ” ننسى خطيئتَنا حالمَا نعترفُ بها لإنسَان ، لكنَّ هذا الإنسان لا يَنساها عادةً ! ” .
كثيرًا ما أصْمُت وأتورَّع عن الحَديث ، فيُفسِدُ الحَرفُ صَمتي ويُثير شهيَّة الآخرينَ لقراءَتي كاملةً
” وَالنَّاسُ دائمًا جَوعَى لأن يُبْصِروا عَورات أوْجَاع الآخَرين ” .
هكَذا قَرأتُ لِي !
أقرَؤ كلامًا لا أذكُر أنِّي كتبتُه ، لكنَّ البَراهين تَدُل عَلى أنِّي كتبتُه في سَكرة حَرف !
أقلّب الأورَاق ، وأغرقُ في دهشةِ الأدلةِ الواضحة عَلى جرائمَ مفضُوحَة ، تذكّرتُ الحَرف المُسجَّى على نَعشِ اليَأس
فأدركتُ أنَّه الآن قَيد اعتقالٍ عَلى البَوح الآبِق من عُبودية الصَّمت !
” لا تَهب ثِقتك لأحدٍ ، فقط أعِرها !. “
… حروفٌ مَحذوفة ،
صمت على شيء مخيف يُشبهني تمامًا !
حتّى الحُروف , حتّى الحروف هي أدلّة الآخرين على التعرف علينا حين نختبئُ خلفَها !
… أقلّب الأوراق أخرَى ، رَسائلي كثيرة !
نَزقٌ سَخيف لِلبوح يَقول :
” كُنتُ أريدُ أن أقولَ شيئًا ، لكنّي لم أعد أعرِف كيفَ أقولُ شيئًا جميلًا ولا حتّى شيئًا سيّئًا !
أنا لا أعرفُ كيف تهتَدي الكلماتُ إلى فمي !
أو إلى قلمي .
إنها لا تأتِ بـ طريقٍ ممهّد !
بل تنفجر ، ثمّ تتساقَطُ إلى أقرب حاوية ،
لا فرقَ لدّي إن كانت حاوية قمامة ، أو ورقة ، أو ملاحظة جوّال أو قلب إحداهُن ! “
… تبريرَات التَّناقض :
” إننا نَغدرُ بالأحزَان كثيراً حِين نَسأم وُجودها ؛
في حين أنّها هِي النّار التي تَكوي معادننا لـ نغدو أكثر نُضجاً وألقاً وصلابة في احتمال الصدمات القادمة ! “
… حُضور الصّباحاتِ القاتِل :
” يَا قَاتِلي ،
صَباحُكَ / مَساؤكَ ابتسَامَة مُحنّطة مِنْ جُثّتي تَبْعثُ فِي قَلبك الفَزع كُلما رَاودتّك ! “
أنا الغارقةُ في صباحاتِ البهجَة والزّهور والياسمينات الرقيقَة , وكُوب قهوة شاعر ,
أكتُب لأحدٍ هذا السّحق والوجَع المرعب !
كدْتّ أجزمُ أننا نتلبّس بالحرف حين نكتب , لأننا كثيرًا ما نكتب أشياء لا نعرف كيف تأتِي بهذه الطريقة الغريبة !
… أورَاقُ الاثنين الغارق بشهية الكتابة ، المدون في نهايته جُنونه :
” عَنيدَةٌ مِثل قُفلٍ قديمٍ صدئ كَفَر بمُفتاحِه ولم يَعُد يرغَبُ به في أنْ يلِجَ إلى صَدْره !
عنِيدةٌ مثلُه , حينَ يرغبُ في عُزلةٍ تامّةٍ , ميتة ! “
.
أضعُ النقاط على الحروف نهايةً لتخبرني ببؤسٍ سبب التّوقف المخيف عن الحياة / الكتابة :
” .، ليسَتْ كُلّ أشيائنا تحيَا ب زرّ تشغيل !.
وحتّى أزرارُ التشغيل تعطب ، تموت ، تتبدّل ..
لا يمكنني أن أثقَ بقدرةٍ كهذه ، أنا يلحقُني ظلّ حرفٍ ميّت , ومشروعُ قاصّة !
و مهامُ كثيرة مؤجّلة منذُ عدّة أشهر !.
لكنّ أزرار التشغيل معطوبة !.
ونمَتْ حول قبرها الأزهار ! “
النهايات حاضرة في كل شيء ،
” ما أشدّ الغِيَاب ، حينَ تنتهي أدوارهُ وفصولُه بكلّ الشوق القَابِع فِينَا !
ويطولُ المَشهدُ الأخير بِانتظارٍ لَم تُحدّد مُدّة بَقَائه !
إننّا نَموتُ حِينها ، وتَموتُ كُلّ الأشْيَاء ! “
أرمي أوراقي ، وثقل كتابة قصّة ،
وألفظ الحرف الأخير
”إن أردتم لي أن أتكلّم ،سأ أكتب حكايةَ ناثر آيس من حرفه فأعاد تدوير الكلام ! ” !
” يأسُ الحُروف : إعَـادَةُ تدْوِيرهـا ! ”
،؛يأس الحُروفْ / إِعادةُ تَدوِيرهَا،؛
لِ الغَيمَهْ أفنآن الصًالحْ.
قراءة ممتعه أتمنآها
]
..