| المعلومات |
| الكاتب: |
|
| اللقب: |
نبع هاديء |
|
تاريخ التسجيل
:
Jul 2011 |
|
رقم العضويـة
: 6188 |
|
مجموع المشاركات
:
11 |
|
بمعدل :
0.00 في اليوم |
|
معدل التقييم
:
10
|
Array
[msnicon] |
| الإتصالات |
| الحالة: |
|
| وسائل الإتصال: |
|
|
كاتب الموضوع :
مراد عبد السلام
المنتدى :
منابع الدر النفيس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل القلم حبل وصل بين الغريب وأهله , وترجمان ما يلجلج في الصدور , خطيب العي الصموت , والحمد لله الذي شفعه الورقة فكانت ناموس صدق لمن حملّها , رسول برّ لمن أرسلها , رشح صدر المنفوث على أحشائها .
وأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده ورسوله :
أما بعد :
فأشكركم على تفضلكم علي بقراءة هذا الموضوع , وأشكركم كذلك على ما منحتموني من وقتكم , وأنا ممتن لكم بما أجزلتموني به من ردودكم , فهي كالغيث إذ تنعش تربة الأمل بصدري بعد أن أحرقتها شمس يأسي .
وأخص بالذكر حسان اللغبي و يزيد فاضلي , والآنسة ميساء , وذلك بما نحلتني أقلامهم الرفيعة من المعرفة والازدياد من العلم , والتوجيه والإيضاح , فالعلم يزكو بالمذاكرة , والأخذ والرد , والإنسان إذا وجد من يشاركه في العلم زاد عمره العلمي , وأعطاه قوة يسير بها قدما في طريق العلم .
غير أني أريد أن أذكر كلاما , أرجو إن أخطأت فيه أن يرشدوني طريق الصواب .
فقد قال حسان اللغبي :
" مع العلم أني لا أوافقك الرأي :
برأي الخاص أن أفضل بيت قيل في الغزل هو :
وأمطرتْ لؤلؤاً منْ نرجسٍ وسقْت ** ورداً وعضتْ على العُنابِ بالبرد
وهو ليزيد بن معاوية " . أهـ
سيدي الكريم أذكرك أن هذه الاختيارات الشعرية ليست من انتقائي , فالذي قام بهذا الانتخاب هو جهابذة اللغة العربية , وقد عزوت كل اختيار لصاحبه مع ذكر المصدر , فإن كان لي شرف هنا , فهو لا يتعدى النقل .
وأنا أحترم ذوقك الشعري , غير أني أذكرك أن جهابذة الشعر ونقاده أكثرهم اجمع على هذه الأبيات التي ذكرتها , وهذا الإجماع لم يأتي من فراغ , بل اعتمد على ذوقهم , ونخلهم للشعر , وتدبرهم لمعاني الأبيات جيدا , واعتمادهم على الأخبار المتواترة عن جودتها .
ولا أنكر أنه كان لبعضهم اختيارات شعرية اعتمادا على ذوقه الخاص , و خبرته في نقد الشعر وتمحيصه , فقد قال أبو هلال العسكري في كتابه " ديوان المعاني " :
" وقول آخر:
إخترْ فِناءَ بني عَمْرو فإنهمُ *** أولُو فضولٍ وأقدار وأخطارِ
إن يُسألوا الخير يُعطَوهُ وإن جهدوا***فالجهد يخرج منهم طيبَ أخبار
وإن تودَّدتهم لانوا وإن شتموا *** كَشَفْتَ أذمارَ سرٍّ غير أسرار
هْينون ليْنون أيسارٌ ذوو يُسرِ *** أربابُ مَكرُمة أبناء إيسارِ
من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيدَهم***مثلَ النجوم التي يُهدَى بها الساري
وهذا عندي أمدح شيء قيل في وصف جماعة ".أهـ
ولو كان في غير باب الغزل , فالمثال أنموذجا على الاختيارات الفردية , لكن مع التوضيح أنه اختيار فردي .
إذن سيدي الكريم فالأبيات تكاد يقع عليها الإجماع من نقاد الشعر وجهابذته , على أنها أغزل أبيات الشعر العربي .
أما الحديث عن البيت فهو ذو شجون :
فقد رجعت إلى إحدى وثلاثين كتابا , لأتأكد من نسبة البيت إلى قائله , فوجدت تسعة عشر مرجعا منها تنسب البيت إلى الوأواء الدمشقي وهو :
" محمد بن أحمد العناني الدمشقي أبو الفرج , شاعر مطبوع ، حلو الألفاظ , في معانيه رقة ، له ديوان شعر مطبوع .
توفي سنة 385 هـ = 995 م ".
ومرجعا واحدا ذكر أنه :
" ولعبد المحسن الصوري:
قالتْ وقد فتكتْ فينا لواحظها *** مهلإن فما لقتيلِ الحبّ من قودِ
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ *** ورداً وعضتْ على العنابِ بالبردِ
أبو نواس:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بينَ أترابِ
يبكي فيذري الدمع من نرجسٍ *** ويلطمُ الوردَ بعنابِ
فقلتُ لا تبكِ قتيلاً مضى *** وابكِ قتيلاً لكَ بالبابِ ". أهـ
وهذا المرجع هو كتاب " البديع في البديع في نقد الشعر " لأسامة بن منقذ .
والذي يفهم من ذكره أبيات عبد المحسن الصوري ثم أردفها بأبيات من قصيدة لأبي نواس , أن الشاعر أخذ المعنى من أبي نواس , مع أن المصادر الأخرى كما سيمرّ معك تنسب البيتين لِـالوأواء الدمشقي , حتى أن أغلبها كان وفاة أصحابها متقدم عن الشاعر , والله أعلم .
فعبد المحسن الصوري , المعروف بـ " ابن غلبون الصوري " هو :
" عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصوري أبو محمد ابن غلبون.
شاعر، حسن المعاني. من أهل صور، في بلاد الشام.
مولده سنة 339هـ = 950 م , ووفاته 419 هـ = 1028 م .
وهو صاحب البيت:
بالذي ألهم ثناياك العذابا *** ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا
له ديوان شعر ".
ومصدر وحيد آخر , وهو يأكد نسبة البيت ليزيد بن معاوية , كما ذكر السيد حسان اللغبي ـ حفظه الله ورعاه ـ , وهو كتاب " تزيين الأسواق في أخبار العشاق " , فقد قال فيه داود الأنطاكي :
" أبو عبادة ويعزى إلى يزيد بن معاوية وهو الصحيح :
واستمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضت على العناب بالبرد
وهو من قصيد كلها ملح وعيون ".أهـ
لكن إذا اجتمع أكثر من اثنين ممن مشهود لهم برسوخ القدم في علم ما , فيقدموا على من خالفهم ممن هم دونهم في الباع , أو أقل منهم في العدد , خاصة أن هذا العدد لم يتعد الواحد .
ناهيك أنه ممن ذكر نسبة البيت للدمشقي هم من أمثال أبي منصور الثعالبي , و أبي هلال العسكري , وأبي رشيق القيرواني .
والمصادر الثمانية المتبقية لم تنسب البيت لشاعر معين .
وخلاصة الكلام أن البيت لـالوأواء الدمشقي , وهذا ما تذكره أكثر المصادر , على أن أغلب أصحابها مشهود لهم برسوخ القدم , وسعة العلم , والتقدم في فنون علمهم .
زد على هذا , فإن الثعالبي قد اطلع على ديوان الوأواء الدمشقي , وهذا ما ذكره في كتابه " يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر " , ولو لم يكن للبيت أثر في ديوان الوأواء لما نسب البيت له في أربعة من أماة كتبه , فقد قال :
" ومما أنشدنيه كل من الخوارزمي والمصيصي له ، ووجدته في ديوان شعره , والبيت الرابع منه نهاية في الملاحة :
أتاني زائر من كان يبدي *** لي الهجر الطويل ولا يزور
فقال الناس لما أبصروه *** ليهنك! زارك البدر المنير
فقلت لهم ودمع العين يجري *** على خدي له در نثير:
متى أرعى بروض الحسن منه *** وعيني قد تضمنها غدير؟
ولو نصبت رحى بإزاء دمعي *** لكانت من تحدره تدور ". أهـ
فقد قال الثعالبي في كتابه " الإعجاز والإيجاز " وتحت ترجمة " أبو الفرج الواو الدمشقي "
أمير شعره قوله في جمع خمسة تشبيهات في بيت واحد:
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضت على العناب بالبرد ". أهـ
وفي كتابه " لباب الآداب " وتحت ترجمة " أبو الفَرَج الوأواءِ الدمشقي " , قال :
" أمير شعره في الغزل :
وأمطرَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسَقَتْ *** ورْداً وعضَّت على العُنَّابِ بالبَرَدِ ". أهـ
وقال في كتابه " من غاب عنه المطرب " :
" ولأبي نواس أربع تشبيهات:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بين أترابِ
يبكي فيذري الدُرَّ من نرجسٍ *** ويلطمُ الوردَ بعنَّابِ
وأحسن الوأواء الدمشقي حيث قال :
وأمطرَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ *** ورداً وعضَّتْ على العنَّابِ بالبَرَدِ ". أهـ
والذي يفهم من نسق ترتيب ذكره لـالأبيات والشعراء , أنه يشير إلى أن الوأواء أخذ المعنى من بيت أبي نواس , والله أعلم .
لذا في كتاب " الصناعتين " لأبي هلال العسكري ذكر أنه , ويذكر فيه رواية ثانية للبيت :
" أخذ بعض المتأخرين بيتَ أبي نواس ، فزاد عليه زيادةً عجيبة ، فقال :
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ فسقتْ *** ورداً وعضّتْ على العنّاب بالبردِ
فجاء بما لا يقدرُ أحدٌ أن يزيد عليه ". أهـ
وفي موضع ثاني من الكتاب ينسب البيت لصاحبه , فقال :
" وأتمّ ما في هذا قول الوأواء:
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ فسقتْ *** ورداً وعضَّتْ على العنَّابِ بالبردِ
فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء في بيت واحد: الدمع باللؤلؤ ، والعين بالنرجس ، والخدّ بالورد ، والأنامل بالعنّاب ، لما فيهنّ من الخضاب ، والثّغر بالبرد . ولا أعرف لهذا البيت ثانيا في أشعارهم ".أهـ
والكتاب الرابع من كتب أبي منصور الثعالبي , فهو كتابه المبدع " يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر " , وهو مرجع معتمد عن الشعر والشعراء , وفيه كذلك ذكر رواية ثانية للبيت , حيث يقول :
" ومن بدائع تشبيهاته قوله:
قالت وقد فتكت فينا لواحظها *** كم ذا أما لقتيل الحب من قود
وأسبلت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضت على العناب بالبرد
هذا البيت مما أحسن فيه، وضمنه خمس تشبيهات بغير أداة التشبيه ". أهـ
والله أعلم سيدي الكريم , فإن أخطأت سيدي فقومني , وإن كان لك رأي آخر فأفدني به .
أما ما ذكرته الآنسة ميساء أنه :
"وقيل أيضا أن اغزل بيت قاله العرب :
ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح ".أهـ
فالمصادر والمراجع تذكر البيت على أنه أمدح بيت قالته العرب .
أما يزيد فاضلي , فسيدي الكريم أشكرك على التوضيح , والإفادة غير أني كنت أتمنى أن تذكر اسم المصادر التي تحدثت عنها , سواء كتب العقاد أو طه حسين , أو فاروق شوشة حتى أستفيد منها وغيري من القراء .
أما الأسباب التي جعلتني أذكر هذه الأبيات مع عنوانها المشهور , فهو سبب واحد :
أن أمات مصادر الشعر العربي , وكتب جهابذة النقد الأدب العربي , تذكرها مع عنوانها المشهور , سواء كان " أمدح بيت قالته العرب " , أو " أفخر بيت قالته العرب " , أو " أغزل بيت قالته العرب " , إلى غيرها من العناوين .
فصارت حكمها حكم الاختيارات الشعرية , كالحماسات , والأصمعيات لـالأصمعي , والمفضليات للمفضل الضبي , وغيرها من المنتخبات الشعرية , فالغرض الأول و الأخير من ذكرها تعريف القارئ بباب له مكانته في الشعر العربي , بعيدا عن صواب الإختيار أو خطأه .
فحكمها إذن " ما لا يعذر الجاهل به , من طلاب الشعر العربي ".
أما قولك :
" قصة هذه الأحكام المُطلقة توقفَ عندها كثيرٌ من نقادِنا المعاصرين الكبار بالدراسةِ والتمحيص والنقد الأدبيِّ البناء،بل كانتْ لبعضهم جَوْلاتٌ وصوْلاتٌ نقدية ٌمستفيضة،منها جولاتُ الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد وخصمُه-في في الاتجاهات الأدبية-الأستاذ الدكتور طه حسين رحمهما الله...
وأخالُ أيضاً أن أستاذنا الشاعر والأديب الكبير فاروق شوشة-حفظه الله-قد قتلَ هذه الإشكالية الأدبية-بحثاً واستنتاجاً-في سلسلة مقالاتٍ عبر مجلة ( العربي ) الكويتية الغراء...
والذي استقرَّ عندي-أخي الحبيب-هو ما استقرَّ عند هؤلاء النقاد في شأن هذه الأحكام التي تضعُ أبياتاً معينة ًفي طليعةِ الريادةِ والأفضليةِ من خلال الأغراض الأدبية،المتعارَف عليها في الشعر العربي العمودي القديم ( كالغزل والفخر والرثاء والهجاء والحكمة والمدح ) . ". أهـ
اسمحلي سيدي الكريم أن أذكرك ان اختيار الأقدمين لها لم يكن على تقدم أكثرها على نظيراتها في أبوابها الشعرية , ولكن كما قلت لك أنها جرت العادة على ذكرها , إذا ذكرت الأبواب الشعرية , لذا تجد بعضهم استعمل لفظة " قيل " وكما تعلم أنها صيغة مريضة وليست قوية .
كذلك علل بعضهم بكلامه بعد ذكر الأشعر التي تقدمت في بابها , ما يرد على بعض هذه التساؤلات , فقد قال ابن عبد ربه ـ [ المتوفى سنة 328هـ = 940م ] في كتابه " العقد الفريد " :
" واختلف الناس في أَشعر نصف بَيت قالته العربُ .
فقال بعضهم: قولُ أبي ذُؤيب الهُذلي:
والدهرُ ليس بمُعتب من يَجْزَع
وقال بعضهُم: قول حُميد بن ثَور الهِلاليّ:
نوكّل بالأدنى وإن جَلَّ ما يَمضي
وقال بعضهُم قول زُميل:
ومَن يَكُ رهناً للحوادث يَغلق
وهذا ما لا تُدرك غايته، ولا يُوقف على حده , والشعر لا يفوت به أحد ، ولا يأتي له بديع إلا أتى ما هو أبدعُ منه ، وللّه دَرّ القائل : أشعر الناس مَن أبدع في شعره .
ألا ترى مَروان بن أبي حَفصة ، على موضعه من الشعر وبُعد صِيته فيه ، ومَعرفته بغَثِّه وسَمِينه ، انشدوه لامرئ القَيس , فقال : هذا أشعرُ الناس ". أهـ
فبعد أن ذكر اختلاف أقوال العلماء , في أشعر نصف بيت , نبه إلى أن تقديم بيت على آخره في أي أغراض الشعر كانت , صعب المنال , وجودة الشعراء لا تبلى وفي كلامه كفاية .
كذلك ذكر أن من قال " هذا أشعر الناس " عن امرأ القيس بعد أن أسمعوه شعره , هو مروان بن أبي حفصة , ثم ذكر قدره في الشعر , وكذلك في كلامه كفاية .
يأتي آت بعد ذلك فيضرب بكلامه عرض الحائط , ويزعم أن في حكمه نقص , وأنه نسي الحالة الإجتماعية والسياسية وغيرها من أحكام علماء الإجتماع , والقوالب التي قولبها نقاد الشعر الأنجليزي والفرنسي , وهذا المتكلم لم يبلغ مبلغ مروان بن أبي حفصة , في رسوخ القدم في فن الشعر , المسألة فيها ظلم !!!.
وأعطيك مثالا على ذلك , فقد ذكر أبو هلال العسكري ـ [ المتوفى سنة 395هـ = 1005م ] ـ , وفي كتابه " جمهرة الأمثال " أنه :
" سمع عمر رضي الله عنه أصحابه يتذاكرون الشعر ، فأقبل ابن عباس فقال: قد جاءكم ابن بجدتها .
وقال : يا بن عباس ، ما أشعر بيت قالته العرب؟ .
قال: قول زهير:
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم *** طابوا فطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا
محسدون على ما كان من نعم *** لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا *** مرزءون بها ليل إذا جهدوا
فقال عمر: ما أحد أولى بهذا الشعر منكم يا بني هاشم .
فقال ابن عباس: فينا ما هو أكبر منه ، كتاب الله والنبوة ". أهـ
فالسائل عمر بن الخطاب , والمسؤول عبد الله بن عباس وهو في كلام العرب من هو , فإن كان يحتج بكلامه في تأويل آية فما بالك في بيت شعر , والجواب كان بيت لشاعر جاهلي
فإذا صح الخبر , فكيف نتعامل معه بأسلوب علماء الإجتماع أم على طريقة مدرسة النقد الإنجليزي , أم على طريقة الفرنكفونيين , أم ماذا ؟.
زد على هذا أن ممن ذكرتهم واستشهدت بكلامهم , هو كذلك عند خصومه في كلامه نظر , فطه حسين إذا سألت أحد خصومه عنه قال لك :" أنه يتبع قاعدة خالف تعرف " وأنه يأتي للمتعارف عليه فيقلبه منكرا , وللغريب فيجعله متواترا , ويقوي الضعيف , ويضعف القوي , وقصة انتحال الشعر الجاهلي خير دليل .
وأوافقك الرأي على أن فيها من الأبيات التي تتطلب النظر والتمحيص , قبل أسباغها بلباس الجودة والتقدم في بابها .
و أما قولك :
" الحقيقة-أخي الحبيب-أنا أميلُ إلى القول بأن هذه الأحكام المرسلة في أغزل بيت..وأفخر بيت..وأهجا بيت..ألخ،تنحَــى ( للنسبية ) أكثر منها ( للإطلاق (...
بمعنى..لو تأملنا مليا،سنكتشف بسهولةٍ أن هذه الأحكام،لا يمكنُ أن تكونَ-هكذا إجماعاً وبالقول الواحدِ-صحيحة ًبالكليةِ في إطلاقها،ومن الخطأ الجسيم - كما بين الأستاذ العقاد رحمه الله في بحثه حول شاعر الغزل الأموي الكبير عمر بن أبي ربيعة - أن تـُطلقَ على عواهنها ، دون الإحاطة بالظروف النفسية والاجتماعية والأدبية والسياسية التي جعلت الأديب الفلاني والعلاَّمة العِلاني،يقرر في كتابه أو مخطوطته أن هذا أغزل بيت وذاكَ أفخر بيت وهاتيكَ أهجا بيت ".
فما يؤكد قولك على أن بعضها تنحى نحو ( النسبية ) أكثر منها نحو ( الإطلاق ) , لكن النسبية التي أريد أن أعطي مثالا عنها تخالف التعقيب الذي ذكرته , كذلك تبين أن الأقدمين ذكرهم لهذه الأبيات , كان من قبيل معرفة المشهور و المتعارف عليه في بابه .
فقد قال ابن رشيق الأندلسي ـ [ المتوفى سنة 463هـ = 1071م ] ـ في كتابه " العمدة في محاسن الشعر وآدابه ":
" سأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر؟ .
قال: بيت يلعب به الصبيان .
قال: وما هو ذلك؟ .
قال: قول الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا *** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ". أهـ
والبيت لأبي دلامة نفسه , لكن لو فتحت كتاب " معاهد التنصيص على شواهد التلخيص " تجد أن عبد الرحيم بن عبد الرحمن , والمعروف بـ " عبد الرحيم العباسي " و [ المتوفى سنة 963هـ = 1556م ] , أنه يذكر تفصيلا أكثر للرواية , مما يعطيها من الوضوح الشيء الكثير .
حيث تقصر رواية عبد الرحيم العباسي للقصة , شعرية البيت في المقابلة , وهو كما تعلم الجمع بين الشيء وضده , كما في بيت أبي دلامة , فقد جمع بين الحسن والقبح , والدين والكفر , والدنيا والإفلاس .
فقد ذكر أنه :
" ما أحسن الدينَ والدُّنيا إذا اجتمعا *** وأقبح الكفر والأفْلاَسَ بالرَّجُلِ
البيت من البسيط، ويعزى لأبي دلامة.
يحكى أن أبا جعفر المنصور سأل أبا دلامة عن أشعر بيت قالته العرب في المقابلة .
فقال: بيت يلعب به الصبيان .
قال: وما هو على ذاك؟ .
قال: قول الشاعر، وأنشده البيت.
قال ابن أبي الأصبع: لا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله ، فإنه قابل بين أحسن وأقبح ، والدين والكفر، والدنيا والأفلاس ، وهو من مقابلة ثلاثة بثلاثة , وكلما كثر عدد المقابلة كانت أبلغ .
وأحسن من بيت أبي دلامة قول المتنبي من الطويل:
فلا الجودُ يفني المالَ والجدّ مقبلٌ *** ولا البخلُ يبقي المالَ والجدُّ مدبر ِ ". أهـ
إذن رواية ابن رشيق عامة أما رواية رواية عبد الرحيم فخاصة بالمقابلة , وقص عليها الكثير , ولولا أن أطيل لأتيت بغير هذه القصة هنا .
أما ما ذكرته عن الأصفهاني , فأنت تعلم سيدي أن كتابه على ما قيل فيه , هو مرجع للشعر العربي , بل مصدر من مصادره , فكما ثار على الكتاب بعضهم , قام بخدمته الآخرون , وعلى رأسهم طه حسين , وتكاد تكون إحدى طبعات كتاب الأغاني , أحسن طبعة للقرن الماضي , وهي طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب , هذه الطبعة قد ضم التحقيق فيها ألمع محققي القرن الماضي , وممن لهم غيرة على الدين .
ولتلميذ طه حسين , واسمه شفيق جبري , الدمشقي الموطن كتاب سماه " دراسة الأغاني " , وهو في الأصل نصرة لكتاب الأغاني .
خلاصة الكلام :
أن هذه الاختيارات الشعرية يغلب على تقديم بعضها الصنعة و التكلف والهوى , ويصدق على بعضها الآخر التقديم والأولية لأنها من اختيار جهابذة العلم ونقاده .
وأخيرا تقبلوا احترامي .
|