الدعوة بين حتميّة الالتزام ، وضلال الهوى
لقد طال النقاش ولا شك أن النقاش أمر مفيد ، ولو افتقر أحيانا" إلى الندّية . لا أحقر أحدا" فلقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، ويرجح أن أحسن التقويم ، هو تمام العقل .
لم أحتدُّ قبلا"، ولن أفعل بعدا" إلا في الأمور التي تتعامل مع الأساس الإيماني للفرد المسلم ، ذكرا" أم أنثى . ولقد قلت في تعليق سابق بأني أحترم رأي كل ذي رأي . وقلت سابقا" وأعود ، بأن المشكلة لا تكمن في الرأي المعاكس أنه يعاكس . إنما المشكلة أنه مُستمد من فكر يهودي الرؤى ، يعمل مذ أن وهنت الدولة العباسية ، واختلط الفرس والعجم بالعرب، في محاولة من الخلفاء الضعفاء لإيجاد أشياع لهم يتخذوا منهم قوة ومنعة . هذا الفكر ذاته ، تجلى لنا بثوب جديد تمثل بالمساعدة على هدم الدولة العثمانية ، والانقلاب على الخلافة الاسلامية ،عن طريق الارتباط بمخططات وأهداف استعمارية إنجليزية وفرنسية ، كان ضعف إيمان العرب وقلّة ثقافتهم ، وانبهارهم بالعالم الجديد ( أوروبة ) ، واستعجالهم لتولي السلطة ، سببا" لعدم فهم النصوص والأهداف المريبة الموضوعة في هذه المعاهدات والمخططات .
إن هذا الفكر اليهودي كان له السبق في دق معول الهدم لبنيان الأمة الاسلامية ، ابتدأ في ذلك ابن السوداء ، عبد الله بن سبأ المسلم الظاهر، اليهودي المشرب والاعتقاد . الذي أجج مشاعر السوقة ضد سياسة ذو النورين، خليفة رسول الله عثمان بن عفان ، وما تبع ذلك من قواصم كسرت ظهر البعير كما يقال . هو نفس الفكر الذي ابتدع الاشتراكية والشيوعية والمبادىء الهدامة الأخرى ، التي وجدت من حقد البعض على الاسلام ، وجهل البعض الأخر به ، مرتعا"لانتشار دعاوي القومية والعلمانية والتحرر ، وكلها تنهل من معين وتوجّه واحد . كانت أولوياته تدمير أخلاقيات الأمة الاسلامية وإشاعة الجهل المغلّف بالألوان الكلامية الرنانة ، ليصل المسلمون إلى حال من عدم الفهم لدينهم أولا" ، وصولا"إلى وضع يمكنهم فيه رفض تشريعاته وأوامره ونواهيه . بحجج وأعذار واهية ، فمن عدم الاقتناع ، إلى فكر لا يمكن تطبيقه الآن ، مرورا"بحرية الفكر والعولمة وتحرير المرأة ، إلى ما سيستجد من أعذار وعوائق . وهذا هو المطلوب أصلا" .
إن اقتناع المرء ملك خاص له ، يوجههه حيثما يشاء ، لكن ما يؤخذ على كلمة الاقتناع هذه ، أنها يمكن أن تكون مسٌّ او إ إيحاء وٌبتوجيه من عصبة الشيطان . ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا" فهو له قرين ) .
إن الدعوة لا يمكن أن تكون في أول النهار شيء ، وفي آخر النهار شيء آخر لأن الدعوة بمفهوم العبودية الخالصة لله تعالى ، هي كلٌّ متكاملٌ ، لها أسس وأركان ، لا تقبل التجزئة والقسمة ، ولا تخضع لسلطان الهوى .
إن الدعوة إلى الله ، واجب علينا ، ونرجو أن تكون حجة لنا تثقل موازيننا ، لا حجة علينا ، دعوة تتخذ من الحكمة والموعظة الحسنة منهجا" ووسيلة لها ، فمن ارتضاها فقد ربح ، ومن لم يرتض بها ، فأولئك هم العادون . كما وصفهم الله تعالى .
ورد في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبو طالب : قلها ياعمّاه ، أضمن لك بها الجنة . فكان أبو طالب يشيح بوجهه عنه ، فنزلت الآية الكريمة : (إنك لا تهدي من أحببت ) .
في حجة الوداع ختم رسول الله صلى الله عليه وسلم توجيهاته الدستور ، قائلا" : (شيئان ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا" كتاب الله وسنتي .) .
اللهم اشهد باني بَلـَّغت. .
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا . وكان آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .
أحمد عاصم آقبيق
جدة في / 25/06/2009م