أحتاجُ-كعادتي- قبل خروجي من البيت للحظاتٍ،أقفُ خلالها أمامَ المرآة لإصلاح شَيْءٍ من شأن قَيَافتي وهندامي،وحتى تسريحَةَ شَعري..!!!
ولا أقول ذلكَ بشيءٍ من الزَّهْوِ والتفاخر أو الاستثناء..فشأني في ذلك شأنُ كُلِّ الناس..!!!
لا أدري كيفَ بَرَقَتْ في عيني شُعَيْرَاتٌ بَيْضَاوَاتٌ راحَ معهما بصري يتوغلُ-خلال المرآة-إلى ما هو أبعدُ من قَيافتي وهندامي..!!
يا أللهْ..!!
إنهُ وَخَطُ الشِّيبِ الذي لاَحَ في عَارِضِي مُنْذراً بتلك الشعيْراتِ البيضاءِ أنَّ هرمَ الحياة قد بدأ عدُّهُ التنازلي،وأنَّ مرحلة ًأخرى-في أعمارنا-إن كان في العُمُر بقيةٌ،قد بدأتْ..!!!
عَهْدِي بشَعْرِ رأسي أسودُ لَمَّاعٌ..أو هكذا يبدو لي..يحكي لي بحَلاَكَتِه رحلة الصِّبَا والشبابِ الغَضِّ الذي أقفُ الآن –بشعرتي البيضاء-على أعتابه..!!
لطالما كنتُ أُحَلِّقُ بِطَلَبَتي مع تلكَ القطعة الأدبية الرائقة الحانية ( الشعرة البيضاء ) لأديب العربيةِ الكبير محمد مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله..
لقد راحَ الأديبُ الكبيرُ ينقل لنا رهيفَ إحساساته،وهو يتحسس بياض شيبته بعد الأربعين..وكنتُ دائماً أتملى جمالَ أسلوبه الفذ في عرض تلكَ الاحاسيس،ولكني-صدقاً-لا أدري كيف كنتُ أستشعر في قرارتي بُعْدَ الشـُّقةِ بيني وبين فكرة النص،فلربما عقلي الباطنُ لا يتحملُ فكرة أني سأتجاوزُ شبابي على عجل..!!
لكني ومنذ أيام..وقد لاحَتْ بوارقُ شَيْبَتِي..لستُ أدري كيف ستكون مشاعري حين أعيش في كنف النص الأدبي الذي سيتحدث فيه المنفلوطي..؟؟!!!
أكادُ أستشعِرُ أنَّ النص الجميلَ سيكونُ مُوَجَّهاً لي..لي وليسَ لسوايَ..!!
وأكادُ أتخيَّلُ الأديبَ الكبيرَ وقدْ تجسَّدَ لي بهالةِ وجههِ الصعيدي الوقور بين سطور النص،وافْتَرَّ فمُهُ الباسِمُ المُشرقُ عن ابتسامَةٍ مُعَبِّرَةٍ،وراحَ يَهمِسُ لي :
((...أيْ بُنَيْ..ها قد بلغتَ ذِرْوَةَ الهرم...وما بَقيَ من العُمُرِ أقلُّ مما مضـى..وليْسَ بعْدَ الكمالِ إلا النقصان..!!! ))
فيا رَبْوَةَ الشبابِ..عليكِ مني السلام..!!!!
من خَرْبَشَاتي العابرة يوم : 31/تشرين الأول-أكتوبر/2010م