كان المعتمد يعقدمجلسا للأدب وكان له دار لايدخل عليه أحد فيها غير الشعراء، وكان يوم الإثنين من كل أسبوع .
وكان المعتصم ايضايعقد المجالس بقصره للمذاكرة، ويجلس يوما في كل جمعة للفقهاء والخواص، فيتناظرون بين يديه في كتب التفسير والحديث، ولزم حضرته فحول من الشعراء .
وقال ابن خفاجة:" لقيت الشاعر أبا أحمد محمد عبد الجليل لورقة والمرية فبتنا نتناشد الأشعار ونتذاكر الآداب و الأخبار..." .
إن أبا العلاء صاعد اللغوي المشهور بكتابه "الفصوص" دخل على المنصور ذات يوم، ابن العريف النحوي وهو في الموضع المنسوب إليه المسمى بالعامرية فمدحه بأبيات جاء فيها قوله:
فالعامـــرية تزهى
وأنت فيها كالسـف على جميع المباني
قد حل في غـدان
فقال أبو العلاء صاعد أسعد الله الحاجب: أنا أقول ارتجالا أحسن من هذا فقال له المنصور هات ما عندك، فقال صاعد:
يا أيها الحاجب المعتـ
ومن به قد تناهى
الـعامـرية أضـحت
فـريـدة لـفـريد
أنظر إلى النهر فيها
والطير يخطب شكرا
والقضيب تلتف سكرا
والروض يفتر زهرا
والنرجس الغض يرنو
وراحة الريح تمتا
فدم مدى الدهر فيها ـلى على كيوان
فخار كل يماني
كجنة الرضوان
من أهل الزمان
ينـساب كالثعبان
على ذرى الأغصان
بميـس الـقضبان
عن مبسم الأقحوان
بوجـنة النـعمان
ز نفحة الريحان
في غبطـة وأمان
فاستحسن المنصور ارتجاله، وقال لابن العريف ما لك من فائدة في مناقضة من هذا ارتجاله؟ فأجاب ابن العريف إنما أنطقه وقرب عليه المأخذ إحسانك إليه، فقال له صاعد: ومعنى هذا أن قلة إحسانه إليك أسكتتك، وبعدت عليك المأخذ، فضحك المنصور غير هذه المنازعة أليق بأدبكما .
وهكذا كانت مجالس الأدب مجالي الأفكار والقرائح، وميادين براعة وفصاحة يشارك فيها الرجال والنساء والوجهاء والأعيان والحكام والمحكومون والوزراء والقادة حتى العوام من أصحاب الحرف والصناعات، كانت لهم مباريات يرضون أذهانهم على القول فيها ويحملون أنفسهم على مثل هذا اللون من الكلام المرتجل والشعر المفاجئ، وفي كتب الأدب أمثلة من تلك المجالس التي كانت تضمهم، والمنتديات التي كانت تجمعهم، تدل على تمكن ملكة البيان من أفئدتهم وازدهار الأدب فيما بينهم . بذلك أصبحت عواصم الأندلس في هذه الحقبة منتديات يتذاكرون فيها. كان ملوك الطوائف يستقدمون أكابر علماء المشرق ويعقدون لهم مجالس للمناظرة، بفضل ذلك ازدهر الشعر ازدهارا كبيرا في العصر الذي تفرقت الأندلس إلى دويلات.
بوركت با سودان على هذه المرواحات التي تبادر باقرارها بيننا ....فوالله متعة الغوص في هذه المجالس والوقوف على طرائفها وابداعهم فيها قولا لأمتع لدي من كل متع الدنيا الكثيرة ...فلتتواصل بيننا ومن خلال هذا المنتدى الادبي مثل هذه المراوحات اللذيذة