أنت غير مسجل في منتديات منابع الأدبية . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

 

لوحة التميّز الشهري (قريباً)

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

عدد الضغطات : 4,613

آخر 10 مشاركات الاستاذ علي هزايمه-قطار اللذه ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    الاستاذ علي هزايمه-بركه خان ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    الكلام حول ماذا كان قبل الوجود ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    هي أمي ( آخر مشاركة : حسين محسن الياس - )    <->   
مختارات      <->     قال تعالى : {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }      <->     
العودة   منتديات منابع الأدبية > منتديات الأدب العربي > يحكـى آنـ
التسجيل المنتديات موضوع جديد

الملاحظات

يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان !

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-05-2009, 02:44 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اشراق
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : May 2009
 رقم العضويـة : 3455
 مجموع المشاركات : 30
 بمعدل : 0.00 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
اشراق غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : اشراق المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

شكرا على المتابعة اختي الفاضلة و لعيونك بعض الاجزاء الاخرى






الفصل الثالث
مرحلة جديدة

أظن أنك يا ابنتي قد عايشت فرح الباكالوريا في فترة من فترات حياتك . هذا ما حصل لي بالضبط . غير أنّ سعادتي لم تكتمل في ذلك الوقت . كنت أرغب في دخول كلّية الحقوق ، كان حلمي الأكبر و طموحي الذي لم أستطع الاستغناء عنه. لكنّ أبي و لسبب لم أدركه عارض الأمر بشدّة متعلّلا بطول فترة الدّراسة ، و بان سلك القضاء صعب و لا يليق بالفتيات، وهي مسؤولية لست مؤهلة لحملها باعتبار أن النساء يحكمن بعواطفهن . و بدى في حالة هستيريا.

لم يقنعني كلامه أبدا . و قررت لأول مرة في حياتي أن أخالف رغبته و أن أتمسك برأيي. و قدّمت طلبا للانضمام لكلية الحقوق دون إبلاغه و قبل بسرعة لامتياز درجاتي. ووضعتهم أمام الأمر الواقع.هكذا كسبت عداوة أبي ، فصار لا يطيق مجالستي و لا حتى النظر إلى وجهي و كأنني مجرمة هاربة من العدالة تستحق أن ينزل بها أشدّ العقاب .

"حين نصمم نحن البشر يا ابنتي على شيء فإننا نستطيع تحقيقه خاصّة و إن كان لا يتجاوز حدود الشريعة و المنطق و الأخلاقيات . و هكذا كانت قناعتي بأن ما فعلته لا يتعدى اختيارا حرا هو حقّ من حقوقي على والدي تقبله بصدر رحب .

لقد صممت .أجل تحديت الظروف و نظرة أبي الحانقة . و ساعدتني أمي هذه المرّة وحنيّتها المفاجئة على تخطي صعاب تلك المرحلة إلى أن قطعت شوطا هامّا نحو التخرج .
لم تكن تلك السنوات سهلة على الإطلاق ، و لكني تسلّحت بالصبر و الشجاعة و الإيمان. كانت تلك أسلحتي حين أيأس : الصبر و الشجاعة و الإيمان طوق النجاة حين تجرفني أمواج الحزن و الاكتئاب من وضعي البائس حسب نظرتي في ذلك الحين ."

" عندما عينوني قاضية بمرتبة الشرف ، شعرت بردّ لاعتباري . أجل قد تستغربين ذلك . لكن هذا ما حصل . انقلبت نظرتي للأمور. و صرت أرى نفسي أمسك بالقانون بيدي لأنصف به المظلومين ، فأنصف ذاتي بطريقة أخرى . لا تنظري إليّ هكذا و لا تعجبي . فكل كلمة تنطق ببراءة مظلوم كانت تزيدني قوة و ثقة بالنفس و تنسيني شيئا من معاناتي في السابق من ظلم الناس و خسف الزمان . و كانت كل كلمة براءة بحق ظالم تخرج من بين أضلعي و تقتلع روحي . و أجد نفسي أسعى جاهدة لإعادة فتح القضية و إنصاف صاحب الحق . لكني لم أحسّ بعجز القانون أو ضعفه أمام ذكاء البشر."






الفصل الرابع

صدف متتالية


و يصادف أن يشاء القدر التقائي بصديق قديم كنت تقريبا قد نسيت أمره كلّيا .
كان أحد الرّفاق الّذين أحترمهم و أقدّر مجهوداتهم و إصرارهم . كان هو من زرع فيّ روح التحدي في فترات الدراسة و تعلّمت منه الصمود في وجه الأبواب المغلقة. و هاهو الآن مهندس معماريّ قد شقّ طريقه بنجاح و لم يبق له سوى فتح مكتبه الخاصّ و بداية مشواره المهني .

كنت خارجة من المحكمة ، حين لمحته من بعيد. و لكني لم أميّزه لعجلتي . و لم تمض سوى دقائق حتى سمعت صوتا يناديني و يلحّ في النداء بلطف و هدوء. و استدرت ناحية الصوت لألمحه مبتسما ناظرا إليّ ، متطلّعا ردّة فعلي . هكذا جمعتنا الصدفة و أكملت خدمتها لتوطّد صداقتنا و ترجعنا إلى أيام الطفولة و الدراسة .

و مع مرور الوقت ، بدأت أحسّ بشيء غريب يدقّ باب قلبي و بنبضي يتسارع و بوجهي يتطلّق فرحا كلّما رأيته . و تهت بمشاعري ، ووقفت في نافذتي كالعادة ، لكني لم أفكّر هذه المرّة في القمر و لا في السحاب و أشجار التوت و الفجر ونسيم الليل و عتمته.
بل تهت في عالم آخر . أصبحت أشعر بالحيرة و أرغب في تفسير حالتي الجديدة . و هنا شعرت بالعجز . أنا حقا لم أعرف إن كان ما أشعر به حقيقة وواقعا أم وهما مثل كل أوهامي أو رغبة في ملء فراغ في حياتي .

و تساءلت عن مشاعره : كيف يمكن أن يوجد شابّ بقوّة الأسد في تحدّي الصعاب و ببراءة الأطفال في الحديث .
و لكن هيماني في هذا الموضوع لم يطل ، لأنني سرعان ما انشغلت عنه بما هو أهمّ و أعظم : تلك الخزنة اللعينة التي أقضت مضجعي ليال و أهملته سنين ثمّ عاد إلى الظهور ثانية ....

كيف عدت للتفكير فيه ؟ أكيد أنه ليس السّؤال الذي يطرح نفسه هنا. أنا أقرأ في عينيك سؤالا آخر هو ماذا بعد هذا؟
أجل ، ببساطة فتحت الخزنة يوما بطريقة ما، وجدته مفتوحا. اعتقدت أنّ مفتاح هذه الخزنة ملقى في بئر عميقة لا قرار لها .

لقد دخلت على والدتي متوقعة أن أجدها متمددة على سريرها كما يفترض أن تكون في ذلك الوقت المتأخّر من اللّيل . أردت سؤالها عن سبب تأخر والدي في العودة . و فوجئت بأمي واقفة قبالة تلك الخزنة ترتجف كأوراق الخريف في تساقطها، كانت حافية القدمين ، منتصبة القامة ، عيناها تكادان تخرجان من محجريهما ، مسلّطتان في نفس الاتجاه الذي لا تستطيع أن تحدّده و كأنها تنظر إلى الأفق أو تشاهد صورا من الماضي ، كان الشرود واضحا في لمعان بؤبؤي عينيها.
بقيت أنظر إليها لوهلة دون أن أتحرّك و أحسست بأنني أنكمش على نفسي . ثم انتابتني قشعريرة جعلتني أرتجف و أصدر صوتا خافتا، انتبهت له أمي. إذن لم تكن شاردة الذهن كليّا بل بدت في ذلك الوقت كأنها تحاول أن تستمع لهمس الرّياح السّاكنة.
ثم نظرت إليّ كما لو أنها تراني لأول مرّة . و علا الذّهول وجهها وواصلت تأمّلها و تمحيصها فيّ لدرجة أنني أحسست باختناق الكلمات في حلقها . صم بدت العبرات واضحة في مآقيها لتنفجر باكية.

إنّه الضعف الإنسانيّ الذي يظهر بعد الصدمة ، و يبدو البكاء المتنفّس الوحيد و المعبر عن هذا الضعف .و لكنه ربما يعتبر نعمة لنا نحن النساء . أجل ، أنا أعتبره نقطة قوة . لولا البكاء يا ابنتي ما قدرنا على مواصلة الحياة و لا على تحمل الصدمات. هي حكمة الله التي سهلت نزول عبراتنا .

لنعد للمهم . أنا لم أعي في تلك اللحظات شيئا. لم يخطر على بالي سوى استنتاج واحد وهو أن أمي قد وجدت في الخزنة شيئا عجيبا ، ربما ورقة سريّة أو صورة قديمة أو بطاقة أثارت فيها ذكريات مؤلمة أو ذكريات تحنّ لها كثيرا.
تقدّمت خطوة إلى الأمام ،ثم تسمّرت في مكاني . إذ أحسست فجأة بالخوف. لم و كيف؟ لا أدري . فقط تلك النظرات الغريبة التي في عينيها بدت لي مرعبة . أحسست أنني أمام شبح امرأة أراها لأول مرة.

و فجأة تقدّمت هي نحوي ، و مدّت يدها دون أن تنبس ببنت شفة. كانت ترتعش ، و ترتعش و يزيد ارتعاشها كلّما اقتربت يدها من خدّي. أنا لم أعد قادرة على الحركة . خلت أن شيئا ما على خدّي تريد أن تنتزعه. لكني فوجئت بها تمرّرها على رأسي ثم تجس ذراعي و تلمس ذقني كأنها تتأكد من أنني حقيقة و ليس سرابا، بأنني من تقف بشحمها و لحمها لا وهما أو شبحا. ثم احتضنتني و ابتسمت ،ثم ضحكت و بكت . بدت لي كأنها في هستيريا أو في نوبة من الجنون . بعدها نظرت إليّ في عينيّ و تمعّنت جيدا و قالت :"كنت أعتقد أنني فقدتك بلا رجعة. كنت قد فقدت الأمل ، لكنني لم أفقد مشاعر أمومتي إلى اليوم .

" صدقيني يا ابنتي عندما تسمعين كلاما مبهما في معانيه مختلطا بدموع ساخنة و ضحكات صادقة من أعماق القلب ، تفقدين الإحساس بالزمان و المكان و لا تدركين أ أنت في واقع أم في خيال. هذا ما أتذكّره عن تلك اللّحظات.
بعدها طلبت منّي أمي الذهاب إلى غرفتي . و لم أجرؤ بصراحة على سؤالها أيّ شيء،، حتى أنني نسيت أمر والدي.

و جافاني النوم ، وخمت في التفكير و ذهبت لأبعد ما يكون ، فكرت في كلّ الأمور ، في علاقتي بوالدي في هذا التغير المفاجئ لأمي ، فيما حصل تلك اللّيلة . لم أدري كم من الوقت مرّ عليّ و أنا أتقلّب في سريري ، و أقلّب المواضيع . و لكنّي كنت أعلم أنّ الوقت كان متأخرا جدا.
و دخلت أمي الغرفة ، دون أن تطرق الباب كما اعتادت أن تفعل عادة. و اقتربت من فراشي في الظلمة و بدت غير منتبهة إلى أنني لم أنم بعد.

جلست على فراشي بمحاذاتي ، ووضعت يدها على شعري و جعلت تربت عليه في حنان كبير و تقول بصوت يكاد لا يسمع ، تخنقه العبرات :"كيف لم أعرفك ؟ كيف تجمّد إحساس أمومتي كلّ هذا الوقت ؟ كيف لم أنتبه إلى هذا الشبه الكبير الذي يتألّق في عينيك ؟ أين تهتي منّي طيلة هذه السّنين ؟ أنا قسوت عليك يا عزيزتي . أنا، أنا...

ليتني لم أعرف قطّ ، هذا أفضل من أن أراك تعيشين معي بين فكي ذئب لا يرحم. كيف صدّقت خبر موتك في ذلك اليوم . مازلت أذكر يوم قالت لي الممرّضة أنك قد فارقت الحياة ، كما أذكر يوم دخل عليّ ذلك الوحش الكاسر في ثوب حمل وديع يحملك في يده و يقول : هذه الفتاة يتيمة سنتبناها عوض التي ماتت . أذكر أنني تقبّلتك يومها بفرح غامر و احتضنتك بكلّ الحنان الذي قد يحويه قلب أم . أذكر أنني اعتنيت بك كما لو كنت الطفلة الوحيدة التي خلقت في هذا الكون . و كنت أضحك معك و أنت تبتسمين في نعومة . كنت ملاكا صغيرا ووردة تنتظر أن تتفتّح . لكنّه منعني عنك . أراد أن ينتقم منّي ، أن يعذّبني ، افتككي منّي و زرع في عقلك تافهات و أكاذيب حولتني في نظرك إلى امرأة غريبة و جعلتني أقسو عليكي محاولة أن أبيّن له أنّه لم يقهرني . لكنّي لم أعد أحتمل التظاهر بذلك.
و اليوم أكتشف أنك ابنتي التي ماتت منذ أربع و عشرين سنة. لو تعلمين كم كنت أتمزّق حين أراكي ترتعبين لمجرّد أن أناديكي . كم كنت أكره أن أفرض عليكي القيام بما لا طاقة لك عليه ، لكنّي كنت أنانيّة . أردت أن أتحدّاه بك، فإذا بالورقة التي ظننتها رابحة تكتب هزيمتي السّاحقة ."

حينها تذكّرت ذلك الصوت الحنون و تلك الضحكات الرّقيقة التي تزورني من الماضي دائما دون أن أعرف مصدرها . إنّها هي .

حينها تذكرت ذلك الصوت الحنون و تلك الضحكات الرقيقة التي تزورني من الماضي دائما ، دون أن أعرف مصدرها . إنّها هي.... أنا لم أخطئ أبدا حين قلت أنّ ما من أمّ تكره أولادها . لكن من هو الذئب و الوحش الكاسر ؟

أنا أؤمن بمقولة :"لا تضحك لأنك سعيد لكن اضحك لتسعد." هكذا قرّرت أن أنسى ما حصل و أن أسعد لأنني لو فكرت سأصل إلى طريق مسدودة كالعادة.
لكن النسيان ليس بيدنا كما نعتقد. و الله سبحانه و تعالى يخلق الأسباب دائما ، من حيث لا ندري فتنقلب أحوالنا فجأة،ليكون بذلك دوام الحال من المحال .

أجل ، لن أنكر ذلك الإحساس الذي قلب كياني فجأة دون استئذان، حتى أنه أخذني إلى عالم آخر يتقاطع مع عالم أحلام الطّفولة و يجذبني من جديد لجنّتي الصّغيرة.
أصبحت الطبيعة ذات رونق جديد لم أعهده من قبل . أصبح كلّ شيء من حولي جميلا بل رائعا بل ..... لا أدري حقيقة َََ ماذا أصبح......

المهم أنني بتت أحسّ بشيء أقوى من الروح تتملكني ، صرت أسمع خفقان قلبي و أفتقد شخصا ما. بصراحة أفتقده. لكنني لم أدرك ما معنى ذلك و أوعزته إلى رغبة في ملئ فراغ أو التعلق بشيء يخرجني من أجواء الغمّ و أنا في هذا العمر.ربما لأنني لم أفكّر في أن أحب أو أن أرتبط . أحيانا أقول أن هذا يعود من خوفي الذي يسيطر على عقلي الباطن . أجل، أخشى أن يعيد التاريخ نفسه معي . و ماذا تستطيع امرأة مثلي أن تفعل ؟ مهما ادّعيت القوّة فبداخلي شيء يتمزّق . كان منارا بضوء الطفولة و إشراقها فإذا به يخبو.. و ينطفئ...... و يموت................

هو الذي أنار هذا الجزء ثانية ، هو الذي جعلني أكتشف ذاتي بطريقة ما. كنت قد فقدت ابتسامتي بسبب تلك الليلة . و ازداد الحزن في عينيّ و التمعتا برغبة جامحة في البكاء. أتذكّر يوم كنّا نسير على حافة الطريق ولسبب أذكره ارتسمت على شفتيّ ابتسامة شاحبة ، لكني حاولت أن أبتسم من عينيّ وقتها . و إذا به يقول :" لم يخطئ من قال أصدق ابتسامة، ابتسامة في عيون دامعة."
ثم نظر إليّ مبتسما وواصل السير في صمت ذي معاني. أحسست أنه يتساءل عن سبب حزني ، ثم أحسست أنه يحاول أن يجعلني أنطق بما بداخلي. لكن ذلك كان أصعب ما يمكن أن ينجح في بلوغه بشر. لم أتعود على أن أشتكي لأحد . تعوّدت على أن لا أكسب أحزاني إلا على ضفة النهر و النسيم يعانق الأرجوحة في تحركها . أليست الشكوى لغير الله مذلّة ؟ فلم أبوح بما يثقلني ؟

هو لم يلحّ ، و لكنه تفهّم بطريقة ما أن حالتي النفسية سيئة للغاية.
مع الأيام ، بدأت ألحظ تغيرا في ملامحي. لا أقصد أنّ شكلي تغيّر و لكني شعرت ببريق غريب يلتمع في تقاسيم وجهي ، و كأنها السّعادة المتحجّبة في خجل.
لم أعد أهتمّ بما يكدر عليّ يومي ، فقط أشعر به من حولي و أينما ذهبت ، و أحسّ به يكلّمني و يعاتبني.

" غريبة هي الدنيا ، تضعنا في اختبارات من حيث لا ندري. هكذا فكرت ، يجب أن أحدد طبيعة ما يحصل لي ، يجب أن أحدد نهاية لكل هذا، ماهو مصير هذه الصداقة؟"
" تنهدت محدثتي في محاولة لتفريغ ما أثقلها ، ثم استأنفت حديثها:"
كان أسبوعا مليئا بالشجارات و المشاحنات بين والديّ و التي تندثر حالما أدير المفتاح في قفل الباب.
و في إحدى تلك المرّات ، سارع والدي بالخروج من البيت بينما ذهبت أمي إلى إحدى الجارات و الغضب يهزّ كل كيانها . و هنا انتبهت إلى كوني وحيدة مع تلك الخزنة اللعينة. و عندها ، أحسست أنني انقسمت و تضاعفت . لقد صرت شخصيتين: إحداهما تحثني على التقدم نحوها و الثانية تؤنبني لمجرّد التفكير في ذلك."

لم أعرف عندها على ما أقدم. هل من الخطأ أن أتقدّم و أمدّ يدي و أفتحها ؟هل من الخطأ أن أكتشف صورة الذئب الحقيقي؟ هل من الخطأ أن أعرف سرّ البنت اليتيمة في حضور والديها؟ ما هذه الأفكار؟ أكيد لن تنتهي الدنيا لو فتحتها. إنه و لا شكّ ذلك الضمير الذي لا ينام خاصّة بالنسبة لشابة يافعة في سلك القضاء . إنّه تعد على حقوق الغير و اعتداء على بوّابة الماضي و نبش في ملفات دفينة. أنا جبانة؟ ربما و ربما لا . إنّها الحيرة الممزوجة بالخوف ، بل هو الخوف من المجهول الممزوج بالرغبة في إزاحة ذلك الغموض. لا ربما هو إحساس جامع لكلّ هذا، حيرة و خوف و فضول في الآن نفسه . إنّ الإنسان حقّا لظاهرة غريبة في حدّ ذاته.

تقدّمت خطوة أولى تليها خطوة ثانية ، و هرولت سريعا ثم مددت يدي بأصابع مرتجفة و شعرت بكل شيء يختفي من حولي و كأنّ الغرفة أصبحت ظلاما دامسا و ليس هناك غير الخزنة أمامي ، هي وحدها المضاءة في فضاء هذه الغرفة. و لفّت بي الأرض قليلا و ارتجّت و كأنّها تحتجّ. لكنني قرّرت ، أجل لن أكون جبانة، سأغامر سأفتحها . لكن أين المفتاح. لقد نسيت أمره .

لحظة واحدة. أمي فتحتها في غياب والدي ، هذا يعني أنها عثرت على المفتاح. هذا يعني أنّه في مكان ما هنا، أمام عينيّ و لكن وضع بحيث لا أتمكّن من رؤيته أو اكتشاف مكانه، بطريقة لا تخطر على بال. يجب أن أبحث ، يجب أن أفتحها اللّيلة قبل فوات الأوان.
وقلبت الغرفة ، باحثة عن المفتاح. لم أترك شبرا إلا و بحثت فيه ، و لا زاوية إلا و قلبت محتوياتها . تذكّرت حينها ذلك المفتاح الذي كان يعلقه دائما في رقبته لكنني لم أره منذ ذلك الحوار الغامض. ثم بحركة عفوية حملت ا لخزنة ، فإذا بالمفتاح تحتها . أيّ مغفّل يترك المفتاح تحت كنزه الثمين ، أو ربّما ليس مغفّلا، لأنّ لا أحد يمكن أن يتوقّع ذلك. كلّ ليس مهمّا.

جلست على الفراش و وضعت الخزنة أمامي و أدخلت المفتاح ثمّ أدرته بخفّة، فأحدث صوتا اهتزّ له كياني ، و سحق لرنينه صدري.

كدت أنفجر ضاحكة . إنّها رزمة من الأوراق و بعض النقود و عقد لولبيّ. إذن الأكيد أنّها كما قال أبي عقود بيع و شراء و مجوهرات جدّتي لا أكثر. لكن هذه الأوراق تبدو مهترئة و قديمة. و أغلقت الخزنة و أرجعتها لمكانها. ثمّ خطوت نحو باب الغرفة و توقّفت فجأة و كأنّ هنالك من شلّ حركتي . و بعد لحظات أسرعت باتجاهها أفتحها . و جعلت أتفحّص الأوراق ، لقد فاتني أن أتذكّر ما قالته أمي عند فراشي. يا لني من حمقاء . كيف لم أنتبه ؟ و شرعت أقرأ و أتمحّص في المستندات ورقة ورقة ، و أكتشف بذلك جزءا من الحقيقة التي تذكرا المستندات.
بنت في الشهر الثاني من عمرها، تسلّمها ممرضة إلى والدين ماتت ابنتهما منذ شهرين ووصل بتسلّم الممرّضة لنقود من عند الأب ، و شهادة وفاة لرضيعة بتاريخ تبنّي الأخرى . ثمّ هذه الفتاة المتبناة مجهولة النسب، من تكون؟
الأكيد ليست أنا، و إلا.....

لا أعرف حينها في ماذا أفكّر بالتحديد . كلّ ما أعرفه أنني حاولت ربط بعض الخيوط، كلام أمّي بما تثبته الأوراق. أنا ممّا لا شكّ فيه ابنتها. هذه هي النتيجة الوحيدة التي وصلت إليها. لا يمكن أن أفقد هذا الحنان بعد أن وجدته ، بعد أن عشت أكبر وهم ممكن أن يختلقه عقل. كلا الفتاتين تحملان نفس الاسم. إنّهما واحد على حسب ما أذكر من تلك اللّيلة. لا أعرف ............ شعور خانق لأبعد الحدود. ربما الإنصعاق بالكهرباء أهون، على الأقلّ ترتجّ كلّ جزئيّة فيك ثمّ تعود إلى حالتك الطّبيعيّة إن أسعفك الحظّ، أو تموت و ترتاح من همّ الدنيا و قسوة مفاجآت الحياة . أذكر أنني حينها من كثرة ما أحسست بالاختناق و بشلل في التفكير . انطلقت أعدو إلى الحديقة. كان همّي الوحيد هواء نقيّا دون غبار الماضي ، هواء يزيل هذه الأيدي التي تضغط على حنجرتي ، هواء يطهّر ما قرأته منذ قليل.
























عرض البوم صور اشراق   رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية