لا يعيب المرء منا ذكراً كان أو أنثى أن يستمع إلى صاحبة الصوت الملائكي فيروز، وطبعاً الناس أذواق.. لا أبالغ إن قلت إن فيروز بالنسبة لي هي "أرزة لبنان".. حقاً لم يكذب من أطلق على نهاد حداد هذا اللقب!
هذه العصفورة الصداحة التي من صدق إحساسها لا تشعر بأنها تغني بل تتحدث إليك عنك!
صوتها الشجي يعمل "مساج" للأرواح المتعبة.. عجيبة تلك الفيروز كيف تستطيع أن "تدلك" بحرفية شديدة مكامن الوجع والألم والحزن فينا بطريقة لا أحد يجيدها سواها.
أجد نفسي في كلمات أغانيها، كل أغنية تحكي قصة ذكريات خاصة وتروي أحداث عشتها، وتخبئ أسرار دفينة.. وحدها فيروز تطربني.. تبكيني وتفرحني، حتى لقبي "زهر البيلسان".. اقتبسته من إحدى أغانيها العذبة.
ولأن الشجرة المثمرة هي التي ترمى بحجر، فقد حاول أبناء أسرة الرحباني منعها من الغناء بموجب قرار قضائي ضدها على خلفية إجراءات لها علاقة بحقوق الملكية والورثة، ونسوا أو تناسو حقيقة أن صوت فيروز ليس ملكاً لهم، ومع احترامي وتقديري الشديدين لمدرسة الرحابنة العريقة في الغناء، إلا أنهم لولا فيروز لما انشهروا، ولما خلدت كلماتهم وأشعارهم، لتبقى رمزاً يتغنى به الصغير قبل الكبير، وملاذ العاشقين ودواء المكلومين..
قد يكسروا جناح الطير ويحبسونه في قفص، لكنهم حتماً لن يحجروا على صوته الصداح وتغريده الشجي.
فيروز أبت ألا تقحم نفسها في تلك القضية، آثرت الصمت حينما حان وقت الكلام والدفاع عن الحق، ليس ضعفاً منها أو خوفاً بقدر ما هو احترام لفنها الأصيل وتاريخها المجيد وتقديراً وتوقيراً لذكرى الرجل الذي كان زوجها في يوم من الأيام..
أختار من أغاني فيروز هذه الكلمات من إحدى أجمل أغانيها:
فيكن تنسو صور حبايبكو
فيكن تنسو لون الورد و ورق رسايلكو
فيكن تنسو الخبز.. الكلام.. أسامي الأيام.. و المجد اللي إلكن..
لكن شو ما صار ما تنسو وطنكن
أنا البيسموني الملكة بالغار متوج زمني
و مملكتي ما فيها بكي و جبيني و لا مرة حني.. ما حني
شعبي دهبي فرحي و غضبي
بترك صوتي و ما بترك وطني
تلك الكلمات البليغة أعتبرها أفضل وأفصح تعليق وتعقيب ورد غير مباشر من فيروز عن كل ما أثير حولها.
الحديث عن فيروز ذو شؤون وشجون.. ويبقى اللي في القلب في القلب.. قد يختلف البعض معي فيما كتبت.. وهذا أمر طبيعي لأن الخلاف ظاهرة صحية، كما أن الاختلاف سنة الله في خلقه، وفي النهاية أتمنى ألا يفسد في الود قضية.. ودمتم