فلقد تحدثت في هذا الموضوع من قبل بمدينة القاهرة العامرة بجامع الرحمن الرحيم وأود اليوم أن أكمل هذه الأولويات لخطر المرحلة التي تمر بها أمتنا عامة ومصرنا خاصة واسمحوا لي أن أذكر بأهم الأولويات التي طرحتها في اللقاء الماضي لأواصل الحديث عن تتمتها بإذن الله جل وعلا
أولاً من أولى أولويات الخطاب الدعوي في هذه المرحلة: إحياء الربانية وتجديد الإيمان برب البرية :فهذه هي القاعدة الأولي والخطوة العملية الأولى على طريق التمكين والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة فما من نبي ولا رسول إلا وبعثه الله جل وعلا بهذه القضية بقضية الإيمان وأقول القرآن كله من أول الفاتحة إلى سورة الناس في قضية الإيمان بالله جل وعلا لأنه إما حديث مباشر عن ذاته سبحانه عن أسماء جلاله وصفات كماله وإما حديث عن أهل الإيمان الذين حققوا الإيمان به وإما حديث عن أهل الكفر الذين أعرضوا وحادوا عن قضية الإيمان وإما حديث عما أعده الله لأهل الإيمان في الدنيا وإما حديث عما أعده الله لأهل الكفر في الدنيا وإما حديث عن دار المؤمنين آلا وهي الجنة أو عن دار الكافرين آلا وهي النار
مع قصص طويل جداً لأهل الإيمان وكذلك في صراعهم مع أهل الكفر والشرك هذا هو القرآن كله فالقرءان في قضية الإيمان.
فنحن نريد الآن في هذه المرحلة أن نجدد الإيمان في القلوب وأن نرد الخلق إلى الحق وأن يعلم أهل مصر جميعاً أن ما حدث في مصر إنما هو صناعة ربانية بتوفيقه وفضله المحض ما بذلناه من أسباب لا وجه للمقارنة بينه وبين الثمرة التي تفضل الله عز وجل بها على أهل هذا البلد الكريم فالنعلم يقينا أن الأمر أمره وأن الفضل فضله وأن الملك ملكه وأن الحكم حكمه وأن التدبير تدبيره وأن الأمر كله بيده فاجعل بربك كل عز يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
ثانياً باختصار شديد: أن يكون الخطاب مطمئناً
وأركز على هذه أن يكون خطابنا الدعوي والإعلامي والحواري والنقاشي أن يكون مطمئناً؛ مطمئناً للمسلمين من النخبة والمثقفين بل ومن أهل العصاه من العصاة من أهل المعاصي بل وأن يكون خطابنا مطمئناً لغير المسلمين ليس عندنا ما نخافه وليس عندنا ما نخشاه وليس عندنا ما نستحيي من طرحه على الخلق جميعاً فالنطرح طرحاً مطمئنا للجميع لأن إسلامنا دين العدل دين السماحة دين دين الرحمة دين الحق دين المبادئ التي ما توصل إليها العالم إلا بعد الإسلام بسنوات فمبدأ أو مباديء حقوق الإنسان إرجعوا لتتعرفوا على أغلا وأعلا منها في دين الإسلام لأنه دين الخالق الذي
{أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)}الملك فإذا أردتم أن تؤرخوا للتسامح فأرخوا للتسامح ببداية تاريخ الإسلام قال جل وعلا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } الفاتحة.
لم يقل رب المسلمين ولم يقل رب العرب بل الحمد لله رب العالمين فهو رب الكافر ورب المؤمنين سواء الخالق ابتداء والمربي غذاء والغافر انتهاء ليس رب أمة دون أمة وليس رب شعب دون شعب
بل هو رب الخلق جميعاً ورب العالمين جميعاً
فالإسلام أيها الأفاضل لا نخجل منه ولا نستحيي منه وفي الوقت ذاته أقول عندنا من الثوابت والأصول ما لا يمكن أن نفرط فيه أبداً ما بقيت هذه الحياة وما بقي على ظهر الأرض موحد يقول لا إله إلا الله أصولنا لن نتخلى عنها وثوابتنا لن نميعها ولن نفرط فيها على الإطلاق وهذه ثوابت واضحة أما مسائل الخلاف في مسائل الأحكام والفروع فهذه لا حرج أن نختلف فيها وأن يطرح كل واحد منا ما عنده مع احترامه الكامل للآخر؛ أما الأصول فلا لن نميعها ولن نتنازل عنها أبداً ما بقي فينا عرق ينبض أو قطرة دم تجري في عروقنا وشرايننا ...
فالإسلام أيها الأفاضل بذاته مطمئن لأنه دين الله الذي خلق وهو وحده الذي يعلم ما يصلح ويسعد خلقه قال سبحانه: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) }الملك.
ثالثاً: الأولوية الثالثة التغيير والتطهير
كلنا ينادي الآن بالتغيير لكن أرجوا أن نركز على حقيقة التطهير الذي هو الخطوة العملية الأولى على طريق التغيير ولن يكون هذا التغيير إلا إذا بدأ من أعماقنا لابد أن يتغير كل مسلم ومسلمة وإلَّا لن تتغير مصرنا بتعديل دستور ولا بسن القوانين ولو وضعوا لنا كل يوم دستوراً وسنوا لنا كل يوم قانوناً لن تتغير بلادنا بدليل الواقع الذي نراه الآن لكن اعلموا أن التطهير خطوة عملية أولى على طريق التغيير أن نطهر قلوبنا من الرياء من الشرك من النفاق من الغل من الحقد والحسد والضغينة من حب الشهوات من حب الشبهات أن نطهر عيوننا من الخيانة أن نطهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور ونقل وترويج الإشاعات الباطلة التي تُصيب البلد بالرعب والشلل أن نطهر أيدينا من الرشاوى والفساد والمحسوبية والظلم والاستبداد أن نطهر جوارحنا من المعاصي أن نطهر إعلامنا الذي لا يرقب في المؤمنين إلًّا ولا ذمة والذي لا يرقب في بلدنا إلا ولا ذمة ويريد أن يركز على لغة الإنارة والبلبة ولا يريد إلى الآن أن يركز على لغة الإنارة كما سأبين الآن وأن نطهر اقتصادنا من الربا وأن نطهر شواطئنا من العري الفاضح وأن نطهر مصانعنا وأن نطهر شوارعنا وأن نطهر بيوتنا من كل ما لا يرضى ربنا سبحانه وتعالى هذه هي الحقيقة التغيير قال الملك القدير: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ (11) }الرعد.
رابعاً: تأصيل فقه الخلاف وأدبة :
واسمحوا لي لأن الأولويات كثيرة وأنا لا أريد أن أبقي منها شيئاً:تأصيل فقه الخلاف وأدبه:
حالة التشرذم والتهارج الذي نراه الآن في الخطاب الدعوي وعلى الساحة الدعوية بل وعلى الساحة الفضائية فضائيات الإعلام لابد من أن يبرز أهل العلم والفضل ليأصلوا للأمة قضية فقه الخلاف وقضية أدب الخلاف.
الخلاف له فقه وله أدب لا حرج أن أختلف معك ولا حرج بأن تختلف معي
اسمعوا مني هذه واحفظوها أيها الأكارم الاختلاف أمر قدري لا تنسونه الاختلاف أمر قدري يعني إيه أمر قدري؟
يعني أمر قدره الله جل وعلا وواهم من يظن أنه سيجعل الناس جميعاً على ظهر الأرض على التوحيد الخالص أو حتى على الإسلام هذا وهم، هذا أمر يخالف ما قدره ربنا تقديراً كونياً شرعياً.
فالإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية
لا تتوقع أن أهل الأرض سيكونون على قلب رجل مؤمن واحد قال الله لنبينا: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (99) } يونس. لايستطيع أحد أن يُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ولو كان المصطفى صلى الله عليه وسلم فلابد أن تعلم أن الخلاف أمر قدري.
والخلاف نوعان:خلاف في أصل الملة وهو الخلاف المذموم باتفاق وخلاف في مسائل الفروع والأحكام وهو خلاف سائغ معتبر لا حرج فيه وقع من الصحابة رضي الله عنهم بل ووقع بين الرسل والأنبياء كما هو الحال بين نبي الله داوود ونبي الله سليمان لقد وقع الخلاف بين نبيين كريمين ووقع الخلاف بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المسائل قال جل وعلا : {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلذَلكَ خَلقَهُمْ ... } هود.
قال الشاطبي أما الخلاف المذموم في الآية فهو الخلاف في أصل الملة أما الخلاف في مسائل الفروع والأحكام فقد وقع ممن هم أهل رحمة الله سبحانه وتعالى وهم الصحابة رضي الله عنهم جميعاً فلابد أن نؤصل فقه الخلاف وأدب الخلاف
إن اختلفت معك لماذا تتهم نيتي؟ وإن اختلفت معك لماذا أسيء الظن بك لماذا لا يكون الخلاف بيننا مظللاً بأدب الخلاف وفقه الخلاف لماذا لا تُطرح مسائل الخلاف ويطرح كل واحد منا دليله بأدب جم باحترام المخالف وعدم إسائة الظن به وعدم اتهام نيته وقصده واختياري أعذب الألفاظ كان الشافعي يقول لتلميذه الربيع (يا ربيع إكسوا الفاظك) أي اختر اللفظ الرقيق الجميل ونحن الآن في هذه المرحلة نحاسب على اللفظة الواحدة قد يخطيء شيخ منا في كلمة مع أنه يقول في الخطبة أكثر من مئات ألآلاف من الكلمات لكن لا يُنظر إلى كل كلامه وإنما تركز كاميرات الفضائيات وعدسات الفضائيات على كلمة أو جملة واحدة يُخطي فيها رجل من أهل العلم ويتهم منهج كامل بسبب خطأ فرد ينتسب إلى هذا المنهج فـ نريد أن نختار الألفاظ ما استطعنا حتى لا يُساء بنا الظن وحتى لا نُتهم وأسأل الله أن يرزقنا الصواب والسداد
خامساً: تأصيل منهج الحب في الله
من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان نريد أن نُعلي من جديد منهج الحب في الله
النهاردة سبحان الله قَلَّ أن تجد الحب في الله على حقيقته هذا قليل لكن لو وجدت أخ يحبك في الله لله وأنت تحبه في الله لله فاحرص على هذه الآصرة وعلى هذه العلاقة فإنها نادرة في زمن الماديات والشهوات أنت ترى الآن الأخ يفرط في أخيه بمنتهى اليسر والسهولة لو اختلفت معك في وجهة نظر أعاديك وتعاديني ولا أعرفك ولا تعرفني وأعود إلى بيتي لأنقب لك عن ماضيك لأستخرج منه كل ما لا يروق وأنت كذلك آهذا هو الحب في الله؟
الذي ربى النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصحابة رضي الله عنهم من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان اسأل الله أن يجدد بيننا الحب فيه إنه ولي ذلك والقادر عليه
سادساً: تقوية آصرة الإخوة في الله عز وجل
الإخوة في الله هي العامل الثاني بعد عقيدة التوحيد لإقامة دولة الإسلام وهذه كلمة خطيرة جداً التي ذكرتها الآن الإخوة في الله هي العامل الثاني بعد العقيدة في إقامة دولة التوحيد والإسلام؛ ربَّىَ النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على عقيدة التوحيد بعد أن آخى بينهم في مكة وآخى بين المهاجرين والأنصار في المدينة النبوية يبقى عقيدة وإخوة تساوي دولة للإسلام {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ..(10) } الحجرات.
فإن وجدتم إخوة بدون إيمان فاعلم بأنها ليست إخوة الدين إنما هي إلتقاء مصالح وتبادل منافع وأنتم ترون ذلك كل يوم إذا انتهت المصلحة وانتفت المنفعة لن تجد هذا الأخ الذي كان إلى جوارك طوال مدة تحقيق هذه المصلحة وبقاء هذه المنفعة فإن وجدتم إيماناً بلا إخوة فاعلموا بأنه إيمان ناقص وإن وجدتم إخوة بلا إيمان فاعلموا بأنها ليست إخوة الدين إنما هي التقاء مصالح وتبادل منافع إذا انتهت المصلحة وانتفت المنفعة لن تجد هذا الأخ الذي كان ملازما لك.
لابد أن نجدد آصرة الإخوة في الله.
يتبع إن شاء الله