...في تقديري-أخي الكريم ولد القبايل-أن هناكَ في حياةِ الإنسان السويِّ المتكامل جُمْلةَ أسُسٍ مُهِمَّةٍ وخطيرةٍ،لا يستطيعُ أن تحققَ إنسانيتُه الكريمة إلا بها..لعلَّ مبدأَ الكرامةِ ومشاعِرَهُ القلبيةَ الصادقةَ يَرِدَان في صدارةِ تلكَ الأسس،وهما-في اعتباراتِه-أمرانِ حسَّاسَان بحيثُ أن الإنسانَ الكاملَ العقلَ والنفسَ لا يُقامِرُ بهما أو يُغامِرُ أبداً..
والحقيقةُ أن مَنْ وُضِعَ أمامَهُ سؤالٌ إجباريُّ يقولُ : أيُهُما تُقَدِّمُ وتؤَخِّرُ في حياتِكَ : كرامَتُكَ أم مشاعرُكَ ؟؟!!..الحقيقةُ أن مَنْ وُضِعَ أمامه هذا السؤال كانَ كَمَنْ وُضِعَ أمامَ خَيَاريْنِ أحلاَهُما مُرٌّ،فليسَ له إذا اختارَ وقدَّمَ أحدُهَما على الآخر إلا أن يتجرَّعَ كأسَ المَرارَةِ فيمنْ ضَحَّى به..!!!
كرامةُ الإنسانِ تَعْني بَداهَةً : ذلكَ الإحساسُ المُستديمُ،المُفْعَمُ بعِزَّةِ النفسِ والإدراكِ الواعي بقيمةِ الذاتِ من خلالِ الإيمان بجملةِ المبادئ المقدسةِ الرفيعةِ والمُثُلِ الإنسانيةِ الفطريةِ السامية وتأطيرِ النفس عليها في المَنْشَطِ والمَكْرَهِ..في الرِّضَى والسَّخَطِ..في المَيْسَرِ والمَعْسَرِ..لاَ يُهادِنُ بها أو يُدَاهِنُ..ولا يُقامِرُ بها أو يُغامِرُ..ولا يُقايِضُ بها أو يُساوِمُ..ولَعَلَّ هذا هو المعنى الذي عناهُ العربُ في أمثالِهم حينما أشاروا للمرأةِ الأبيةِ الحُرَّةِ،فقالوا : (( تجوعُ الثكْلى ولا تأكلُ من ثدْيَيْها ))،وهوَ المعنى الذي أشارَ إليه بوضوحٍ عنترةُ العَبسي في أبياتِه الشامخة :
إنْ كنتُ في عَدَدِ العبيدِ فهِمَّتِي ** فوقَ الثرَيَّا والسِّمَاكِ الأعْـزَلِ أوْ أنكَرَتْ فرسانُ عَبْسٍ نِسبَتي ** فسِنانُ رُمْحي والحُسامُ يُـقِرُّ لي لا تسقِني كأسَ الحياةِ بذلَّــةٍ ** بل فاسْقِني بالعِزِّ كَـأسَ الحَنظلِ كأسُ الحياةِ بــذِلَّةٍ كَـجَهَنَّمٍ ** وجهـنمٌ بالعِــزِّ أطيَبُ منزِلِ..!!
وأيضاً هو المعنى الذي أبرقَ له السمَوْألُ بن عاديا في لاميتِه الحكيمة :
إذا المرءُ لمْ يَدنَسْ من اللؤم عِرْضُـهُ ** فكُـــلُّ رداءٍ يرتديهِ جميلُ وإن هو لمْ يَحمِلْ على النفس ضيْمَها ** فليْسَ إلى حُسْن الثناءِ سبيلُ..!!
أما مشاعِرُ الإنسانِ القلبية فتعْني ؛ تلكَ الرِّقَّةُ العاطفيةُ التي يستقطرُها الإنسانُ-بفِطْرَتِهِ السَّوِيَّةِ-من حُبِّهِ الصادق وإخلاصهِ النَّقِيِّ الغامرِ،بحيْثُ لا يبقى مِفصَلٌ من جوارحهِ إلا وهو يَنبِضُ بما ارتضاه قلبُه واختارَ..ولله دَرُّ شاعرِ الخضراء التونسي أبي القاسم الشابي حينَ قال :
عِشْ بالشعور وللشعور فإنما ** كَوْنُ دنيَاكَ عواطفٌ وشعُورِ شِيدَتْ على العطفِ الجميلِ ** وإنها تَجِفُّ لو شِيدَتْ على التفكير..!!
نَعَمْ..لقد صَدَقَ واللهِ..فلو تجردَتِ الحياةُ من مشاعر القلبِ وعاطفتِه الجياشة واكتفى الإنسانُ بالفِكْر والعقلِ فقط لتحوَّلتْ خضراءُ حَياتِه إلى أرضٍ بورٍ لا ترى فيها إلا الجفافَ والقيْظِ القاحل..!!!
إذن لا يختلفُ اثنانِ أبداً على حساسيةِ الأمرينِ في حياة الإنسان...
وتستطيعُ-أخي-أن تتساءَلَ معي في حَسْرَةٍ وأسَفٍ وألَمٍ : ما معنى الحياة إذا أهينَ الإنسانُ،فجُرِحَ في كرامته فضلاً إذا سُلِبتْ منه..؟؟!!
وكذلكَ تستطيعُ أن تتساءَلَ معي في حَسْرَةٍ وأسَفٍ وألمٍ : وما معنى الحياة إذا انطلقَ الإنسانُ في أعمائها،فحالتْ ظروفٌ بينه وبين إشباع أشواقه وعواطفه وأحاسيسه القلبية المشروعة،فراحَ-وقد وُئِدَتْ في حِسِّه المشاعِرُ-يَحْيَا كالهيْكل المهجور ويتحركُ بين الناس كالجثة المُحنطةِ بلاَ نبْضٍ أو دفءٍ أو شعور...؟؟!!!
فإذا كانتِ الكرامةُ تُعْطي للإنسانِ إحساساً بقيمةِ وجودِه فإن المشاعرَ القلبيةَ هي التي تُغَذِّي هذا الإحساسَ بنَكْهَةِ الحياةِ ومَذَاقِها الكريم الحقيقي...
هذه كانتْ مقدمةٌ لا بد منها-أخي الكريم-حتى نؤكِّدَ أن الكرامةَ والمشاعرَ القلبيةَ أصلانَ بل شرطان أساسيان ما منهما بُدٌّ في حياة الإنسان...
وقبلَ أن أجيبَ على لُبِّ الإشكال المطروح أحب فقط أن أضبِطَ المعنى الذي ورَدَ في رأي أختيْنا الكريمتيْن ( جنون القلم ) و ( غاردينيا )،حين قالت الأخت الكريمة الأولى ((...معلومة أحب أن أقولها : ( لا يوجَدُ كرامة بين الزوْجيْن )..)) وحين قالتِ الأختُ الكريمة الثانية : ((...في عِلاقاتِ الحب ككل بين الزوجيْن أو أفراد العائلة أو...لا وجودَ للكرامة،وعدَمُ وجودِها ليسَ عيْباً..أما أنا فلا وجودَ للكرامة في حياتي معَ مَن أحب فدائماً أحكم قلبي...))..
أحب سريعاً أن أضبطَ مَسارَ العِباراتِ هنا،لأنها قد تُعطي للقارئ مفهوماً خاطئًا مُغايِراً للمعنى الحقيقي الذي تريد الأختان الكريمتان إيصالَهُ لذهن القارئ..فإن المعلومةَ التي أردفتْها أختُنا ( جنونُ القلم )-حولَ الكرامة بين الزوجين-تحملُ فكرةً صحيحةً ورَدتْ فقط بتعبيرٍ فيه بَعْضِ القصور الذي لا تقصِدُ معناه..
فإنَّ المعنى الذي أرادتْ أختُنا الكريمة إيصالَه لنا هو : أنه لا يوجَدُ بين الزوْجين تكليفٌ أو سَقْفٌ مُعيَّنٌ تتوقفُ عندَهما حُدُودُ الجَيَشان الجسدي والعاطفي في عِلاقاتِهما الحميمية مع بعضِهِما البعض،فإنَّ الزوْجيْن الحبيبين يُذيبَان بينهما كلَّ حواجز الاندفاع والرغبة حتى أنهما يَغدُوَانِ-في حبهما ولهفةِ أحدهما للآخر-رُوحيْن عاشقيْن في جَسَدٍ واحدٍ،وهذا هو المُرادُ من قوْلِه تعالى : (( هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن ))..إذن المعنى هنا هو رفْعُ التكليفِ بينهما من هذه الناحيةِ..أما أنه لا توجَدُ كرامةٌ بين الزوجين-بمعى الكرامة الإنسانية-فمسألةٌ فيها ألْفُ نظرٍ..!! وهو المعنى الذي أُجزِمُ أن أختَنا الكريمةَ لا تقصِدُهُ أو فكرتْ فيه...
فإن الزوجيْن الحبيبيْن المخلِصَيْن في حبهما ووفائهما لبعضهما لا يُمكنُ أن يتحققَ ذلكَ الحبُّ وذلكَ الإخلاصُ والوفاءُ إلا بحفظِ كرامةِ أحدهما للآخر..بل والدفاع عنها والموتِ في سبيلها إذا اقتضى الأمر..
فليسَ معنى الحب والرغبةِ العارمة من الزوج الحبيب في زوجته الحبيبة أن لا يلتفتَ أو ينتبهَ لمشاعرها وأحاسيسها وإلى ما قد يُعرِّضُها لإهدار آدميتِها وإهانةِ إنسانيتِها بحيثُ لا يَرى فيها إلا رَغبَةً جسديةً يتنفسُ بها منها ثم ينتهي الأمرُ عند هذه العِلاقة الغريزية،ولا بأسَ بعدها بامتهانِها و إيذائها-تحت سلطة القوامَةِ-وربما ضرْبِها واحتقارها..والذي يُقالُ عن الزوْجةِ الجريحة في كرامتها يُقالُ أيضاً عن الزوج الذي تستبيحُ زوجتُه كرامتَه-في كِيانِه وشخصيتِه وقِوامتِه على البيت والأسرة-لأتفه الأسباب...
لذلكَ أهمِسُ أيضاً لأختي البديعة الكريمة ( غاردينيا ) بأنه قد يُرْفَعُ التكليفُ والتعقيدُ في علاقاتِ الأفرادِ داخلَ الأسرة الواحدة،فتصبِحُ الحياةُ شِرْكَةٌ من القلب والنبض والهَمِّ والانشغال الواحد بينهم،لكنْ لابُدَّ-وحياتُهم بالحب هكذا-أن يَحْفِظَ كلُّ فردٍ من الأفرادِ كرامةَ أمه وأبيه وأخيه وصديقه وحبيبه وخليله...
الحبُّ والرغبةُ والقلبُ العاشقُ لا يُغني أبداً عن الكرامةِ الموْفورةِ للمحبوب..بل إن الدليلَ الأقوى على صِدْقِ الحبِّ هو أن يُراعي الحبيبُ دائماً حساسيةَ أي تصرُّفٍ أو كلامٍ أو سلوكٍ قد يُؤذي المحبوبَ في كيانِه ومشاعره وعواطفه،وعلى قدْرِ هذه المراعاة يكونُ وزْنُ المحبوب في ميزان حبيبه..وهذه هي الكرامة المقصودة هنا...
أما إذا تعارضَتِ الكرامةُ معَ مشاعر القلب..بمعنى أنني قد أقفُ موقفاً أجدُ فيه حالي مُخيَّراً خياراً صعباً بين إحساسي بمبادئ نفسي وعِزَّتِها وبين مشاعر قلبي وأشواقه،فإن الأمرَ برُمَّتِهِ مُتوَقِّفٌ أساساً على أصْلِ العِلاَقَةِ ومنشأ التعامل..
أصلُ العِلاقةِ ومنشأ التعامل اللذان ربطاني بالطرف الآخر-زوجةً كانتْ أو خليلاً وصاحباً-هما مَنْ يُحددا رِدَّةَ فعلي في كرامةِ نفسي أو مشاعر قلبي...
فبقدْر إحساسي بقيمتي بِكُلِّي عند الطرف الآخر تأتي رِدَّةُ فعلي التلقائية بكرامتي أو بمشاعري...
مثلاً-أخي الكريم-لو أدركتُ أن الطرَفَ الآخرَ قد استسهلَ في بساطةٍ ويُسْرٍ إيذائي أو إباحةِ قيمتي عنده وتعريضِها بسهولةٍ للبيْع والمقايضةِ،فإنني تلقائيا لن أحتاجَ إلى احتدام صِراعٍ في نفسي بين كرامتي ومشاعري مَنْ منهما أقدم أو أؤخِّرُ...
الأمرُ عندي في هذه الحالةِ محسومٌ بلا عناءٍ أو معاناةٍ أو إحساسٍ بالضنى..وسأجدُ نداءَ كرامتي في فطرتي وقرارة نفسي أسرَعَ للاستجابة من أي شعورٍ قلبيٍّ مَّا داخلَ أعماقي،لأن مشاعري وقتَها ستتحدُ تلقائيا في خندق واحدٍ وراءَ كرامتي،حتى أنهما سيبدوان في رِدَّةِ فعلي شيئاً واحداً..وأظن أن الشعورَ الوحيدَ الذي سيعتريني وقتَها هو إيلاَمُ نفسي أنها أخطأتْ فأساءتْ تقديرَ الخُلَّةِ بالحب أو الصحبة،أما الطرف الآخر-ولو كان زوجةً لا سمَحَ الله-فآخرُ شيءٍ قد أفكرُ فيه هو تضييعه أو خسرانه..وعندنا مثل يقول : (( اللي اشتراكْ بالفول فبعْهُ بقشوره..!! ))...
لكن لو أدركتُ-مثلاً-أن الطرفَ الآخر إنما جاءتْ استباحتُه لي عن إكراهٍ أو غصْبٍ أو اضطرار قاهر أو أن ظروفاً صعبةً هي التي أجبرته أن يتخلى عني أو يُؤذيني بأي نوعٍ من أنواع الإيذاء،فإنني الآن لا أستطيع بالضبط تحديدَ ردة فعلي من كرامتي أو مشاعري،لأنه كما كانَ هو مُرْغَماً على موقفه تجاهي،أنا الآخر سأتركُ لتلك اللحظةِ هي مَنْ تقرر المَسارَ الذي ستسلكه نفسي ومشاعري..فإن قدمتُ مشاعري وعواطفي فإنما هو الحب المتأصل الصادق الذي لا يَعني تقديمَه على كرامة نفسي أنني استبحتُ كرامتي لصالح مشاعري..ممكن أن نسميها هنا تضحيةً ما منها بُدٌّ لحفظِ أدنى الجميل بالوفاء الذي أنيط به عُنقي تجاه مَنْ أحببتُ..وإن قدمتُ كرامتي الوضيئة وروَّضتُ مشاعري الجريحة،فإنما هو الحب له والخوف عليه مما لو استمرَّ القلبُ ينبض،فيحترقَ بلفْح تلكَ النبضات لأن الاستمرارَ مستحيلٌ على النحو الذي تأملُهُ الأماني والآمالُ...
طبيعةُ اللحظة وقتَها هي مَنْ ستوَجِّهُ نفسي للاتجاه الذي سأعود منه بأقل المغارم والجراح..!!
وبوركتَ-أخي-على النقل الجميل لهكذا إشكالية...دمتَ لنا.... |