كنت في طفولتي أخاف كثيراً من سماع حكاية الغولة التي تأكل الأطفال الذين تتركهم أمهم في البيت عندما تذهب إلى السوق.ومع أن أمي كانت دائماً تهدئ من روعي وتطمئني بأن هذه الحكاية غير حقيقية،ولا وجود للغولةإلا في الخيال،لكن الخوف كان يدخل إلى قلبي الرقيق شئت أم أبيت،وخاصةأثناءالليل عندما أوي إلى الفراش.فكنت أخبئ رأسي تحت الغطاء لأشعر بالأمان ظناً مني بأن الغولة لن تراني أذا دخلت إلى غرفة النوم،ولكن سرعان ما يعود الخوف إلى قلبي عندما تهب الريح في الخارج فتهز النوافذ الخشبية القديمة محدثةً صوتاً مرعب يجعل قلبي يخفق كقلب عصفور مذعور وقع بين مخالب قط.وكنت أتخيل شكل الغولة كما لو كان شخص بعين واحدة،وأسنان صفراء كبيرة،وأنف طويل معكوف،وشعر منفوش،إلا أني كنت دائماً أتهرب من التفكير في شكل الغولة إلى أفكار أخرى تجعل النعاس يداعب عيني لأغط في نوم عميق،ولا أستيقظ إلا في الصباح على صوت أمي وهي تصرخ على أخي الصغير،وتوبخه قائلة:لماذا لم تذهب إلى الحمام قبل النوم?ألم تكبر على فعل هذا الشيء!.فكنت أبتسم من تحت الغطاء،ربما زارت الغولة أخي الصغير أثناء الليل!. أما الأن وقد كبرت فقد تأكدت أن حكاية الغولة حقيقية،وهي موجودة بالفعل،وشكلها أبشع بكثير مما كنت أتخيل،ولكن أمي كانت تنفي وجودها لتبعد الخوف عني.فالغولة موجودة في فلسطين الحبيبة،أتت من بلاد غريبة لتدنس مقدساتنا،وتنعم بخيراتنا،وتسلبنا أرضنا،فهي تظهر كل يوم في الليل والنهار،وتأكل الكبار والصغار،وتقتلع الأشجار،وتخرب الديار،وجميعنا ننام،ونخبئ رأسنا تحت الغطاء كي لا نراها ولا ترانا،وعندما نستيقظ نجد الكثير من أخوتنا مفقود،وقد أكلته الغولةالصهيونية،ولكننا نفضل العودة إلى النوم،والأختباء تحت الغطاء حتى لا نرى الغولة الحقيقية،وهي تمزق بأنيابها جسد أحد أخوتنا الذي أبى أن يخبئ رأسه تحت الغطاء.