...لطالما آمنتُ-أختي الكريمة صمت الجروح-أن الدموعَ الهامياتِ من حَوَارَى المُقل التليدة،ليستْ مجرَّدَ إفرازٍ لموالح الغدد الدمعية كما قد يتوقف الماديونُ عند تعليلهم للبكاء والدموع...
إن الدموعَ تجسيدٌ-في الحقيقة-لمشاعر الإنسان المضطرمة التي تعتلجُ في كِيانه،فلم يكنْ بُدٌّ منها لتبريدِ أوار النفس التي تحترق أمام دواعي الآلام والتباريح المختلفة،وما أكثرَ زخـَمَها في حياةِ الإنسان...!!!
لذا لم يكن من بدَع القول ولا من نفل المعنى أن نجدَ في تراثنا العربي القديم والحديث ثراءً عريضاً عن ( لغة العيون ) التي راحَ مترجموها ينقلون عنها الصنائعَ والبدائعَ والروائعَ،خصوصاً حين يَحِنُّ فيها هاتفٌ من جَــوىً،لتبدأ الأحداقُ القريحة في تنشيدِ نشيدِ التذريفِ والتهميل..ويالهُ من نشيدٍ حانٍ..!!
فمن تلكَ القوافل العيس الصاعدة،وهي تتهادَى الهُوَيْنـَى فوقَ عتاق الأمواج من هضبات الرمال في صحراء نجدٍ أو تِهامة أو الحِجاز،لا تكاد يدفعُها الظمأ لتريحَ على غدير في ظلال كأنهن العيونُ الهاطلات :
مِنَ الكارعاتِ الماءَ بالقاع تستقي ** بأعجازها قبل استقاء الحناجــر..!!
إلى أن أصبحت الدمعة صِنواً لزفرة القلب وخفقته اللاهبة :
هل الحبُّ إلا زفرة ٌ ثم عَبِرََة ٌ ** وحَرٌّ على الأحشاءِ ليسَ له بَرْدُ وفيْض دموع تـُستهلُّ إذا بَدا ** لنا عَلـَمٌ من أرضِكم لم يكن يبدو..!!
إلى أن غدتِ الدمعة سلوى وعزاءً عن الفقد والبين والفراق ولسْع التنائي :
ولما أبى الواشون إلا فراقـَنا ** وما لهموا عندي وعندك من ثار غزوتهُمْ من مقلتيْك وأدمعي ** ومن نفسي بالسيف والسيل والنار..!!
بل إن دمعة العين راحتْ تظهرُ عند صاحبها كذخيرةٍ،يدخرها اليومَ تأساءً لاكتحال العيْن غداً برؤيةِ الحبيب :
سأضمرُ في الأحشاء عنكم تحَرُّقاً ** وأظهِرُ للواشين عنكم تجـــــلدا وأمنع عيني اليومَ أن تـثكثرَ البُكا ** لتسلمَ لي حتى أراكم بها غــدَا.. !!
بيْدَ أن هذه الدمعة الهاميةِ في كوم...ودموع الجلال الإلهي-من مقلة عبدٍ مؤمن أو عاص تائبٍ-في كوم آخــر...!!
دائما-أختي الكريمة-أقول : إن دموعَ الإنسان المؤمن غالية،وهي إن جرتْ في أمر رقيق حانٍ-وهذا واردٌ-فإنها في ذاتِ الله تعالى أرَقُّ وأحَــنُّ...
ولعل ما نقله الأستاذ الكريم بادابود من جواهر الحديث النبوي،يكشفُ عن غلاوة تلك الدمعات التي يُريقها المؤمن حين تحينُ لحظة تجَلٍّ وصفاءٍ بينه وبين ربه،فتقيله عثرته بزخاتِ العين،تنهملُ في ساح المناجاة أو في مغسِل التوبة والإنابةِ الطهور..!!!
جوزيت خيراً-أختي-على هذه الخواطر الرقيقة التي حركتْ في أحداقنا ما قد ينضبُ بفعل بلادة الأيام..!!! |