أطلّتْ علينا..
و لاحَ على الوجه ظلّ ابتسامه..
وفي محجر العين فوقَ الخدود..
سالتْ دموعٌ كسَيْلِ الغَمامه..
أشارت على اللوح قالت لنا..
أوّل قِبله كانت هُنا..
مَن يعرف اليوم يا حلوين..
برغم الدّمار و عَزف الأنين..
و ذلّ النساء وقهر السجين..
معالم خارطة فلسطين...
أضاءت عيون تِلك الصغيرة..
وعبثت أناملها بالضّفيرة..
ثم أشارت على نفسِها...
وقالت: بالطبع لمْ أنسَها!!
أعرف رِمالًا كانت باأمس جسد الجدود..
وأعرف حقلاً امْتلَأتْ طُرقاته بالورود..
و بيتاً صغيراً..تحوّلَ سِجْناً وَغصّتْ غُرفاته بالقيود!
و تلك المدائن ظلّّت تئِنّّّ..
تُصارِع كي تبقى بين المدن..
و تلك المآذن تلك القباب..
كانت تُطاوِل شموخ السحاب
امتدّتْ إِليها أيادي الكلاب
فغصّتْ جُثثاً و سِرْبَ ذُباب!!
وإن أنسى..لاأنسى تلاًًّ هُناك
تنَزّلَ فيه كمْ مِن مَلاك..
وحمل النبي فكان المَسْرى
واليوم سكّانُهُ كالأسْرى!!
يُعانون قهرا و ذُلّا و جوع
و يطْوون حَسَراتِهِمْ في الضّلوع
أنفاسُهم..آهاتٌ لِثكلى
ملامحهم..من البؤسِ تَبْلى
وألْسِنتُهُم تنطِقُ العربيّة
بقَيَتْ برغمِ الْعار أَبِيّه
وفي اللّيلِ حين ينامُ المَلا
أحلامهم..سيف أو مِقْصَله!!
و زيّهُم الذي به يفخرون
أشلاء مجدٍ تكسو المتون..
وأغلى العطور وأزكى عبير
مسكٌ بدمّ شهيدٍ صغير..
و حين تتوق لرُؤيا القِلاع
زُرْ أرملةً ترعَى يُتْماً جِياع
تُصارِعُ كلّ الظّروفِ وتصْبر
تخافُ عليهِم دُروبَ الضّياع..
وتبقى وإن زاد ثقلُ المِحن
لا تحني الرأس..لاتُمْتَهَن
تظلّ تُنافِسُ صوت الطيور
و دفءَ تسابيحِهمْ في البُكور
حين تزغرد تودِّع شهِيداً
تمزِّق بالضحِك صمْت القبور!!
و في أحشائها يطلُّ فجْرٌ و نُور
جنِيناً..تستقبلُهُ في حُبُور
وتبقى فلسطين رغم القيود
و رغم الحواجز و زيف الحدود
...تواجهُ أحزانها في صمود..
وتثبُتُ تحت سِهامِ الْخطَر
و تجْترِعُ المُرَّ حتى الَأَمَرّ..
ما دام صوتُ المآذنِ باقي
و حُلم الصبايا مِلءُ المآقي..
ببيتٍ وزوجٍ وأمْنٍ وخُبزٍ
..وطفلاً..سيحمِلُ يوماً حَجَرْ!!!
~العزوف~