* بالرغم منا قد نضيع …
كانتْ حكايتها الأخيرة مُريبة جدا ً بحيث لزمها عدداً لا ينتهي من "اللاءات " كي تحصل على " نعم " واحدة خصوصاً بعدْ خطابها المُشرعن معْ الموتىْ و أرواحهم الهامدة أثناء مَا تلثمّت السماء بخمارٍ مُعتم يُلقي وجع الصبابة و يئد الليل فيْ جمهرة من الألوان الضائعة وَ زوجيّنِ من الأحزان الجائعة..
لا تدريْ ذكرى كم كان في جعبة الوقت من حيلٍ و أخاديدٍ ليجعلها تعود مُجدداً و تطلب الإتصال بميّت مُتخاذل ، لا تذكر إلاّ أنها كانت و طارق يخبئون الصحوة تحت ستارِ ساعة الرفض الأخيرة تلك التي حكمت بفرقتهم في عوالمٍ مُتناقضة ذات إنهيار مُتجلِّ ..
كان لها رفضاً مشتعلاً لا يشتهيْ أن يقّبل شفاة الرضوخ لطيشِ طارق مُجدداً طالما تجاوزت عنهُ كثيراً . إلاّ أنها قررت موته وَ مُصادرة نبضه و تسليمه للسماءِ و يستحيل أنْ تحضر " نعم " فيْ هذه الأحاديث المبتورة ..
إنْ .. لا فهي المردّدة سؤالاً : كيف ألقاك يا طارق بقلبٍ سليم بعدما سرقت ألواني ..؟
إنْ ْ .. نعم فهو التقرير الملعون : لا يزال قلمي ناقماً عليك و لن يبرى حتىْ لو بعثتك حيًاً !
هذا ما جاد به الصباح و لكنه كان كافيا ً ليوشوشها بحقيقة مسلّمة و متفق عليها مُنذ القدم . أن الأشياء الجميلة تستطيع أن تأتي ركضا ً لو أرادت وَ تستطيع أن تجتازنا بغتةًُ بين رئة و نفس قبل حتى أن تستيقظ الـحقيقة ذاتها ثانية أو تُجهض فكرة فانية ..
شُعلةٌ لَيستْ كَحبةِ كَسْتَنَاءَ فِي التنورِ ، بَل أنها إناء الْمَسَافَةِ بَيْنَ ذكرىْ و َانْتِظَار رضا الذات
وَ ماذا بَعد الخصام أيتها النفس !
أقسى ما قد يُعانىْ أنْ تمُرك روُحك و كأنها لا تعرفك حتى بعد نَحْنَحة التَعْرِيف , شَخِير الصراعات يَوخِز الصَوت المدعّي قوةً وَ جبروتاً ليَغصْ وَ تذوي إدعاءاته و يربت الوجع كتف الصوت وَ صريره حينما تكفهّر السماءْ ..
مسكينةٌ يا ذكرىْ عقابك أنْ تتعلقّي بَيّن عَباءةِ الْجَنة وَ دُموع خمّارة الجحيم وَ أيضاً خلف القلم تتربصّك ذكريات طارق علىْ حَافةِ لَعْنةٍ سَودَاء لا تُبقِ ولا تذر ، تَجْعلُ الملائكة مِن حَولك تَضْطَرِبْ تُناديّ " ارحمها يا رحمن ، اكنسْ همها يا رحيم ، ادحر كُل طارق رجيم .."
تُزمزم الأرض غاضبة مِنْ صَدورٍ مُكتظّة نفاقاً و كذباً ، فَتُنهكْ ذكرى بوخزةِ مُحَرِضةْ للْذنبْ وَ تلجأ لحديث النفس :
ـ ما الذي يحدثْ مَعي !؟
فَالبَارِحة ..
لمْ أصحوْ مِنْ سكرةِ ثرثرة طارق تلك التي تَتمرغ في صدري إلاّ وَ أنَا بَيْن ذِرَاعيَّ كِتَابُه ذَاتُه يَضُمني و قدْ التحَمت و حروف العقّاد حَدّ الانتماء
وَ اليَوْم :
أنَا لاَ أعزفْ اليوم ! وَ لا أقرأ اليوم ..!
و لا أصبغْ أظافري وَ لا أقُصْ ضفيرتي !!
و لا أبحثْ عَن ابتسامته المُنغمسة في وجهي ..!
أوَ تعلم أيُّها الرجل الميت :
فاليوم يقبع ثرثار هُنا فِي رأسي لا يريدْ أنْ يصمتْ
يُخبرني كُل ما يعرف ، وَ يُخبرني بتفاصيلِ كُل ما يقرأ
و يمضي مُتنقّلاً بين الكُتب و المَواضيع بشغفٍ
هل تُريد أيُّها المُتواري أنْ تَسمع جُزءاً مِن ثرثرته اللا محجوبة ؟
أخالك ـ أقول أخالك ـ يا صديقي الميت تهزّ رأسك بإيجاب :
- ممم حَسنا ً لا يهمْ الخيال لأنْ الكلام يأتي حلقات مُتداعية إنبلاجاً و شغفاً
يقول ابنْ مالك فيْ ألفيتهِ ( كلامنا لفظ مفيد كـ استقم و اسم و فعل ثم حرف الكلم )
وكل ما قدْ أحتاجهُ الآنْ مجرّد اسم أو فعل حتى أكتب لك
شرنقات الدُنيا من بعدك نثراً أو فصلاً مِنظوماً
لاَ تسأم مِنْ صهيل الأبجدية الصهباء ..! و لا تقوّس شفتيك تعجبّاً !
فألفية ابن مالك بالمناسبة هي منظومة في النحوِ
فالعرب كانت تنظم كل شيء حتىْ العقيدة و الفِقْه و النَحو وَ التَارِيخ
فَهُناك ألفيةُ العِراقِي وَ نونيةُ ابنْ القيِّم ..و..و..
فالنظمُ ديوانُ العرب الذي حفظ آدابهم وَ نتاجِهُم
و لكن الغريب أيُها الطارق الميّت /
أنَّ كثيراً من الأمم قَد أحسنوا الكتابة قبل النظم
أمّا نحنْ ( العرب ) فقد كانْ النَظم سابقا ً للكتابة ..
و دليلي على ذلك عنتره العبسي و قس بن ساعدة
فلا تتهكمْ وَ لا تعتقد أنك صائد لأخطاء دارجة
و لا تعجبْ أيضاً يا ميّت لو رأيت حَرْفي يتنسّك بك عزاءاً
أوْ يغزِّل مِن قبسك نسيجاً ليغرز لك مَوْتاً أوَ يرْجم لك ظلاً
وَ لا تناقضاً أوْ نفاقاً أو إدعاءاً مفروضاً
فالْمَفْرُوْض خُدعة أضَاعَتِ الطَّريْقَ فَأصْبَحَت حائطاً …
ذرفت لوحّاتهُ الغياب شجناً و ذكرى ، دفئاً وَ عُتمة
يا الله ، و قلبك السماءْ
و تلاوتك المطرْ
المَطرُ نعمْ المطرُ يا صَديقي أطفالٌ هُمْ المَطر..
ينثرون النقّاء مِنْ دَلوِ السماءْ و يكنسون الضجر ..
وَ تحج أفئدتنا كُل ذِكرى قُبلة المَطر
تطُوف بَين بَياضِه و تسَعى بَين نَقاءِه
أطفالٌ هُمْ المطر أطفالٌ يا طارق ..
وَ تقولْ :
" مُثولكِ وَ المطرُ مُنتصف النقاء
يبني لكِ أملاً آخراً ليعبر بكِ غسق النسيان "
جُرعةٌ حياديةٌ تقتلع الوهمْ
تُثير العوالقُ المتقعّرة في النطق
وَ تنفجر شذراتك بالصدق
" ليتني كُنت.... "
إلاّ أنك تصمت
حتىْ تذرفك عَينك الثالثة وقتاً
و تضيقْ بك رئتك الثالثة نفساً
ممممم لا أنتظرْ كَلِماً مِنْ ميّت مُطلقاً
و لكن فقط أعطنيْ حَقِّي مِنْ النسيان ، كي أعطيك مََا تبقّى
مِنْ الشوقِ يَا مَنْ رحلت وَ نسيت ابتسامتك
و قد آمنت بنسيانُك وَ لكنه لمْ يُؤمنِّي به بعد ..!
يقول محمود درويش " لا ليل يكفينا لنحلم مرتيّن " و بالفعلِ ضاعت ذكرى و هي تعتقد أنها بهذا الليل قد نسجت حلمين ، قُطنةٌ رمادية تضمّد نزف أحلامها لتتهادى مُطمئنة بِتمِيمةِ نحرٍ لصديقها الميت لتتفرد بحلمٍ وحيد و أثير , إلا أنَّ خلاخل رفضها تُزمجر بحدّة فتتوه شياطين المقابر لتختبئ في تِرْياقِ الذات من الداخل ، و يبقى الصُخب يتمضمض أَبَالِيس الإدعاءات بأن ذكرى لنْ تعفو عن طارق و لن تغفر ، بالرغم مِنْ صبغها له في كل ليلة بألوانٍ تُشبهُ حدادها عليه ، مُبتلِعةٌ لسمِ خلوده هي ذكرى وَ كُل قَرابِين شموخهــا مُغطاة تماماً بالتجاعِيد ـ علها كناية عن الحكمة و المنطق ..
قنينةُ السَماء هي لفظك يا درويش ، آه أيها الشاعر كأنك تَطْرُق جنّة ملكاتنا الغائرة في أعمق مكان بالروح وَ تطأ شمس أقلامنا لتحبلْ و تنجب نصوصاً تُشكّل بها أرواحاً لتَهمس فَوق الأموات ، أنت مَنْ تبكيك صراعات أحلام ذكرى لتَزَفُ الْشَهقاتْ على الزفرات ، تَبْصُــق المطر ذوْ الإدعاءات ، تَصْفَعُ الْجَراحْات وَ تطعنْ خطيـئة الأموات بأن يا هالكون فعـــلتمْ ما لمْ تقرّه نرجسيّة !
فاروق جويدة