...واللهِ-أختي الكريمة صمت-ما قلتِ وذكرتِ هو الحقُّ الأبلجُ ولبُّ القوِل وفصْلُ الخطاب...
فإنه لا يختلف مسلمان اثنان عاقلان-مهما كانتْ فجوة الخلاف بينهما-من أن الأصلَ في ديننا أنه يُوَجهُ حركة َالإنسان في سعيه وبذله وعطائه إلى الجوهر والمخبر واللباب،متجاوزاً بذلكَ أن يلتفتَ المسلمُ أو يحفلُ بالمظهر والمبنى والقشور...!!!
لذلكَ في تقديري،أن فكرة ( الوسامة ) و ( الدمامة ) لم تكنْ يوماً معضلة ًفي ديننا العظيم،لأنها محسومة ًفي حس المسلم منذ أن تقرر في دينه أن معايير التفاضل التي ترفعُ العبدَ في ميزان مولاه سبحانه وتعالى تتجاوز بالكليةِ مظهرَ ( الوسامة ) الشكلية التي تنضح بها ملامح الوجه وطلعةِ قسماته مثلما تتجاوز المظاهر الآخرى التي كانتْ أساساً في رفع خسيسةِ الإنسان في الجاهلية،قبلَ مجيء الإسلام كالجاه والمال والحسب والنسب وتقديس العِرْق واللون....
منذ ألفٍ وخمسمائةِ عامٍ كان المبدأ واضحاً حين أعلنه سبحانه وتعالى في آياتٍ وسُوَر كثيرة منها قوله تعالى : (( إن أكرمَكم عند الله أتقاكم ))،وحين أكدًَّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في عشرات الأحاديث الصحيحة،منها قوله الكريم : (( إن اللهَ لا ينظرُ إلى صوركم وأجسادكم ولكنْ ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ))...فصارَالمسلم فينا حين يحب ويكرَه...حين يُقدم ويُؤخر...حين يُوالي ويُمالي..لا يَرى في غيْره إلا رصيدَ التقوى والورع والاستقامة ومَدى الصدق والإخلاص في أخلاق الكلام والمعاملة...وإلا فإننا نعلمُ جميعاً-أختي الكريمة-أن الإسلامَ بمعاييره هو الذي قدَّمَ بلالاً بن رباح رضيَ الله عنه-وقد كان عبداً حبشيًّا أقربَ للزنجيةِ في خلقته وبشرته-وقدَّمَ سلماناً الفارسيَّ وقدمَ صُهيباً الروميَّ،ورفعَ من خسيستهم وأعلى شأنهم وباسم الإسلام وحدَه تسيَّدوا..في حين أخـَّرَ أبالهبٍ ( عبد العزى بن عبد المطلب ) وهو القرشيُّ الحسيبُ النسيبُ القريبُ بالعمومةِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم،الأبيض البشرة،بل لقد توعده بنار ذاتِ لهبٍ،مثله مثل أشباهه من كفار قريش العرب الأقحاح ( أبو جهل ؛ عمْرو بن هشام وأمية بن خلف والنضر بن الحارث....)....
ورحمَ اللهُ شاعرَنا حين قال :
لقد رفعَ الإسلامُ سلمَانَ فارس ** وقد وضعَ الشركُ الشريفَ أبالهب..!!!
باسم الإسلام سقطتْ كل الاعتبارات الجاهلية التي كانتْ تصنع للمرء شأناً ومنها وسامة الوجه ورشاقة القد...وما عادَ في الحسبان-عند الله تعالى ورسوله وعامة المسلمين-من فضل أو رفعةٍ إلا تحت ظلال التقوى والعمل الصالح ومَدى صِدْق المرء وإخلاصهِ لله تعالى في الحب والمكره،في الولاءِ والبَراء...
وصارَ من بدهياتِ القول الحكيم أن نسمعَ القائلَ يقول :
وما الحُسْنُ في وجه الفتى شرَفاً له ** إذا لمْ يكنْ في فعله والخلائقُ...
أو نسمعَ قولَ شوقي الشامخ :
وإنما الأمَمُ الأخلاقُ ما بقيَتْ ** فإن هُموا ذهبتْ أخلاقـُهُمْ ذهبُوا...
ــ نعمْ أختي الكريمة...لقد ابتلينا في هذه الأيام النحِساتِ بطراز من الناس،ليسَ لهم من هَمٍّ إلا أن يأخذوا أتفهَ ما في الحضارة ويجعلوه أخطرَ ما عندهم،وصارَ-من ضرورات الإتيكيت والبريستيش والبروتوكولات العصرية-أن يجلسَ الواحدُ-أو الواحدة ُ-أمام المرآة بالساعات الطوال ليُؤدي فريضة التجميل و ترميم تضاريس الوجه ( !!!! ) وصارَ هَمُّ الكثيرين من شبابنا-إلا مَنْ رحِمَ الله-تدليلَ الجسد لدرجةِ التقديس والعبادة...المهم أن أبدو وسيماً،جميلاً في عيون الطرف الآخر،ولا يهم ما وراءَ ذلكَ...!!!
وأحب هنا سريعاً-أختي الكريمة-أن أفرِّقَ بين شيئيْن....
بين الاهتمام بصحةِ وسلامةِ ونظافة الوجه وبقية الأعضاء وكذا الهندام والقيافة من قبيل أن المسلمَ الحقيقيَّ جميلٌ في مخبره،جميلٌ في مظهره،والإسلام لا يجدُ حَرَجاً أبداً في الاعتناء بنظافةِ الوجه والثياب وفي اقتفاء الذوق المهذب الراقي في ذلكَ،بل إن السمتَ الحسَن في الوجه والثياب وتطييب الجسد بطيب العطور المهذبة العَبقة هو أثرٌ جليلٌ واقتفاءٌ أصيلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته وسنته العطرة،وكذا سيرة أصحابه الكرام وتابعيهم بإحسان،فلا يُعقلُ في منطق الأشياء أن تجدَ مسلماً يحرص على نظافة الضمير والوجدان والباطن باستقذار وتوسيخ الظاهر من وجهه وثوبه ورائحته...!!! فباطِنٌ نظيفٌ جميلٌ يَعني مظهراً نظيفاً جميلاٌ...
أحب أن أفرقَ بين هذا وبين تأليه الجسد وجَعْلهِ الهَمَّ المقعِدَ والشغلَ الشاغلَ في معادلةِ الكمالاتِ البشريةِ وحيازةِ المكارم بما يَبْعَثُ على الغرور والجنون معاً...!!!
بعْضُ الناس-أختي الكريمة-وبسبب عقدةِ النقص الهائلةِ التي امتدتْ في شخصيتهِ المهزوزة فحولتْ عقلـَه إلى مظهرٍ سَمِجٍ للطفولةِ العقليةِ،يُثيرُ بها الاشمئزازَ والإشفاقَ في نفوس العقلاء والحكماء وذوي الحِجَى...تريْنه لا يرعوي أبداً في الحديث عن ( الوسامة ) و ( الدمامة ) من حيث أنه يستجدي الأولى لطلعةِ وجهه البهيةِ-من خلال عمليات التجميل والحرص على الأصباغ المختلفة والكريمات-ومن حيْث أنه يُصابُ بهاجسٍ طوال الوقتِ من الثانيةِ،فلا يقف أو يجلس أو ينام أو يتحرك إلا بإحساس التقزز مما يعتقده في دمامة وجهه...!!!!
الجمالُ في وسامة الوجه الظاهرية نسبيٌّ اعتباريٌّ والاحساسُ به لا يخضع لقياس مطلق كما يقرر ذلكَ علماءُ النفس...فما أستحسنه أنا من وسامةٍ-انطلاقاً من مقاييسي التي أراها في قناعاتي-قد يستقبحه الآخرون،والعكسُ بالعكس صحيح...!!! لذا ليسَ عجباً أن تجدَ مَنْ يستحسن السُّمرَة َبينما آخرُ يستحسن البياضَ وثالثٌ يرى الحُسن في الطول الفارع ورابعٌ يراه في المربوع وخامسٌ يراه في الحَوَر وسادسٌ يراه في افلج الأسنان...وهكذا....
بيْدَ أن وسامة َالخـُلق ونصاعة الضمير وسَعَة العِلم ورصيده النوراني الرباني العامر وفي قوة الشخصية ورصانتها ورزانتها برجاحة العقل والحِلم هي مَحل اتفاق الجميع،لا يختلف على ذلك اثنان عاقلان....
رحِمَ الله تعالى ذلكَ الأعرابيَّ الذي نظرَ في المرآة مرة ً،وكانتْ زوجتـُه قد استوحشتْ فيه غلاظة الخِلقة،فقال :
فإنْ لمْ تـَكُ المرآة ُأبدتْ وسامة ً ** فقد أبْدَتِ المرآة ُجبهة َضيْغَم...!!!!
والضيْغـَمُ ؛ هو الأسدُ الزئبار...!!!!
وشكرَ اللهُ لكِ أختي الكريمة.....