أنت غير مسجل في منتديات منابع الأدبية . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

 

لوحة التميّز الشهري (قريباً)

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

قريبا

عدد الضغطات : 4,613

آخر 10 مشاركات الاستاذ علي هزايمه-قطار اللذه ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    الاستاذ علي هزايمه-بركه خان ( آخر مشاركة : علي هزايمه - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    قصة وقصة وراء الصراع الأزلي بين الخير والشر ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    الكلام حول ماذا كان قبل الوجود ( آخر مشاركة : سارة سعد - )    <->    هي أمي ( آخر مشاركة : حسين محسن الياس - )    <->   
مختارات      <->     أسَـاءَ سَمعـاً فأسَـاءَ إجَابـةً ‏      <->     
العودة   منتديات منابع الأدبية > منتديات الأدب العربي > يحكـى آنـ
التسجيل المنتديات موضوع جديد

الملاحظات

يحكـى آنـ هـمّـسٌ رِوائـِيّ , وقـِصـِة قصيـِره , وأعذب مامرّ على الأزّمـَان !

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 13-11-2011, 07:27 PM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

(الفصل العاشر)
تنفس صباح جديد في كسوة الأرض المخضرة الندية ،وسقطت حرارة شمسه على البراعم الصغيرة تنتشلها إلى الحياة ،ووقف طائره على الماء يلقي رأسه فيه في كل آن ،واجتمع الطائر بسربه فوق رأس الشيخ بسلام. فقال بلحن ساكن:"اجمعني بهم ،رب الطير ،يا من جمعت الطير إلى أحبابه ،اجمعني بهم". ثم رفع عنق زهرة خزامية بين أصبعيه ،فساح نداها على يده وغاص في ثنايا عمرها المديد. والتقطت أذنه نفَس الجندي خلفه ،فقال: "وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج". و رد الجندي بنظرة طويلة للمرج أمامهم ،واستنشق عطره الذي تحمله الرياح ،ثم جلس ناصباً ركبته يفصله عن شيخه خط أصفر يتعرج مرتين من زينة الأرض وزخرفها البديع.
- إن الذي أحياها لمحيي الموتى - يا ولدي - كذلك النشور،إن الله لباعث الناس من عظم حقير ،كما بعث جسد هذه الزهرة من بطن أمها.
- أيها الشيخ الجليل ،لقد أوتيتَ من العلم الكثير ،فهل تخبرني عن الساعة أيان مرساها ،في أي سنة كتبها ربي؟ إني أراك من الناصحين.
قال الشيخ بنبرته المتزنة:
- سأل من قبلك رجال يا بني ،ابتغى بعضهم تكذيباً وهزواً برسول الله ،وحمل بعضهم نوايا الخير والتزود من الصالحات في صدره. لكنهم أخبروا أن جهلهم كان الأصلح لهم ،وأن الله قد قضى إخفاءها في علمه الواسع ،وليس لي أن أفضي إليك إلا قولي أن الساعة قريب ،منذ عهد المخبر عنها ،وعن ربها فتزود بالفاضل من العمل فساعتك تحين حين يحين موتك ،وترقد في ضَيق أمك.
فكأن الجندي قد اهتدى بحديث الرجل المسن إذ يبين وجهه ملمح النور ،ولا يؤتى النور إلا من غشيه الرضا الحقيقي وتمكن من جنانه وجوارحه. فاسترسل في تخيلاته عن تلك الساعة الطويلة القريبة ،وأحس الشيخ انشغال خاطره بالذي قال ،فربت على منكبه بلطف مشيراً إليه أن يساعده عقب جعله منسأته حطباً لنار البارحة. قال للشديد القريب :"يا بني خذني إلى الصخرة ،فإني أطمع أن ألقى رفاقنا هناك". واستمع حسن لأمره ،فغدا الثلاثة إلى صخرتهم أرض اجتماعهم قبل أيام ،واعتراهم بعض ظمأ المكان الأول فتحرك الجندي يبحث ببصره وساقه عن غدير سقاه غيث الليل الآفل ،فلم يظفر بقريب ولم يرد ابتعاداً عن ربعه خشية أذى جند المدينة ،أن يغنموا بسيده وصاحبه ،وهو غافل عنهم. ورجع صفر اليدين مخيب الأمل. إن الرجل لاحظ القوم زادوا مثلهم من البعيد وصدق ناظره لما أن اقترب ،فاستبشر. والتئم شمل أصحاب الصخرة تحت اعتقادهم بوجود أكبر منهم أعلم منهم ،يطلع إليهم. وقبض الحارس هادي على يدي الشيخ وعلى الحديث ،فقال:"إنا طمحنا أن نثقفكم هنا ،ولكنا تأخرنا عنكم إذ ضللتنا مسالك الأرض المتشابهة". وتلفت إلى وجوه أصحابه وصاحبته فلم يرجع إلا بإيماءة لطيفة من شيخه ،ولوحات الوجوه الثلاثة الناصبة. فقال بسرعة:"أيها القوم قد وجدت صويحبتي مكاناً آمناً ،فهلموا بنا إليه" فأجابت الجندية بانكسار:"يلزم أجساد الضعاف طعام وماء ،إن في ساقي حياة لأجلب لهم ذلك". فنهاها الجندي عن ما عزمت عليه ،وأطلعها على نيته بدخول المدينة إنه يعرف أحداً هناك. وانطلقت رفيقة بالقوم الواصبين إلى المعتزل البعيد ،وتساقطوا فيه صرعى من الجوع والحمى. وجلس الشيخ بالوصيد رافعاً يديه يتمتم إلى أحد لا يراه ،ولكنه يؤمن أنه يراه. وجعلت المرأة أذنها قريباً من فيه وفاضت عينها بالدمع الصافي وجعلت تمسحه بردن ثوبها ،وتحرك لسانها بانقضاء الشيخ من تلاوته ،فقالت بتأثر:"قد شردنا في هذه الفلاة لأيام وليال ،وأفرغت بطوننا من الماء والطعام ،وألهبت قلوبنا لوعة الفراق ،أيها الشيخ إنه الذي اعتنى بنا وردنا إلى بعضنا وآوى شتاتنا إلى كهف آمن. أيها الشيخ لقد قُدر علينا بالأمس لكنه فك أسرنا وشرّد بماءه القوم المجرمين. أيها الشيخ إنني في شوق لرؤيته ،لرؤية القوي الرحيم ،أما يوجد سبيل غير الموت؟ أيها الشيخ الفاضل إني أريد أن أراه ". فتبسم الشيخ بحبور وقال:"أي صاحبتي التقية ،إني أحس شوقك العارم هذا ،حين أقف بين يديه ،وأتلو كلماته ،وأنظر لأرضه وسمائه. إن نوره ليس كالقمر البازغ ولا الشمس الكبيرة البازغة ،ولو أنزل كلامه على جبل لرأيتيه خاشعاً متصدعاً من خشيته ،قد قال النبي من قبل:"رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين". إن أبصار خلقه عاجزة عن رؤيته في الدنيا ولا يرضى الله لعبد أن يسأله هذه المسألة". وأحس الشيخ هلع المرأة وارتباكها من الوحي الذي ألقي على مسامعها ،فإذا هي لاهثة في جلستها المريحة الهادئة ،وحدث نفسه ليس بغريب أن تخشع لأن حديثه حمل كلمات ربها التي تهوي بصخور الرواسي الشامخة. وادكرت المرأة بعد مدة فقالت وقد هدأ صدرها:"مالذي حل بكم إذ فارقناكم بالأمس يا سيدي؟ إن بي فضول شديد لأعرف الحدث" فأخبرها الشيخ بصوته المتقطع ،قال:"قد أعمى الله أبصار العدو عنا ،ثم همى برَده على رؤوسهم وردهم خائبين". وسكتت المرأة عن أسئلة وأحاديث كثيرة تريد بذلك الراحة للرجل المسن وجلس الاثنان متيقظَين دفع النشاط في عينيهما شوقها لرؤيته. وتحدث الشيخ بعد ساعة من الصمت وهو يسمع اصطكاك الحديد في يدها ،بلهجة ناصحة:"قد يكسر زندك تحت عنف هذه المحاولات ،إني أجد حرارة اللهب خير منها". ثم اضطجع على جنبه الأيمن ولحس بلسانه شفته اليابسة ،ونام. أما هي ،فقد صلت إلى قبلة الشيخ علمتها آلتها المرشدة جهتها الصحيحة ،وخطت صلادة الأرض في جبهتها علامة زالت مع مضي الوقت. قد قصد صاحبهم مدينة عدوه وعدوهم ،فقد رجت القوي الرحيم أن يحفظه.
سار الرجل طويلاً حتى حاذى موقعة الليلة التي لم يحضرها ،فألفى جثث أصحابه ببزاتهم العسكرية الممزقة ووجد رائحة العفن الرطب من سيل الأمس تقترب باقترابه منها. واكفهر وجهه وهو يبصر أجسادهم أكل منها الجارح وقبح هيئتها ،وسد ثغري الشم بذراعه وعزم أن يحفر لهم قبوراً أربعة. واختار مساحة رجا أن لا تطأها أقدام المشاة وحوافر الدواب ،وحفر بيد وحيدة ،وأحال بذراعه الأخرى دون تهافت التراب الذي لم يبله المطر ،على حفرته. واهتز القيد الخاوي على يده الحافرة منشداً قصيدة من حزن عظيم كظيم ،مع كل تقدم لها وتأخر. وواصل هادي حفره حتى مال وهج الشمس للغروب ،فاستعان بحمرة الشفق إبان ظهوره القصير ،وأرقد الأجساد الباردة في دفء الأرض يقبل كل واحد منها قبلة النظرة الأخيرة ،ومسح براحته قطرة من دمعه على وجه محمر من الدم ،فساح وخدع الناظر بحياة ليست حقيقة وجعل يحثو التراب على القبر الضيق الذي اجتمعت فيه أجساد الجنود الأربعة ،حتى اختفت أنوفهم الواقفة عن ناظره. ونصب على القبر حجراً صغيراً كان وجده بمشقة وخط على الطين جانب القبر أسماء رفاقه وكتب"ماتوا ميتة الشرف مناضلين مع الحق ضد الباطل". فلما فرغ قعد قبالة القبر يتأمل في حفرة كل حي ،واقشعر جلده على هبوب رياح باردة أشعرته بإحساس الضيق المؤلم ،وهو بعد لم يجربه! وحرك أفكاره فناء المكان من صوت إنسان إلا من حفيف خفيف للرياح على التراب. وتأمل قمم التلال حوله تحت ضياء القمر ،ثم نظر للقبر الساكن عند رجله فأصابه رهب وجزع. واحتضن جسده بذراعيه وأغمض جفنيه ورحل عن سماع عاصف أو إبصار كاسف ،ولم يفتحهما إلا مع الفجر. ولقد هاله نور المكان الذي كان نزله أول ظلامه وانطلق معجلاً في طريقه إلى المدينة. واتخذ الحارس مشية سريعة يطوي بها النجد فابتلعت أرضها يومه وليلته. ثم دخل المدينة على حين غفلة من أهلها وانصرف إلى معرفه في أقصى الشرق. كان يسير بثياب الكهل المدنية المتسخة سافر الوجه في الشوارع المزدحمة بالركاب ،وقد وضع يده اليسرى في جيب سرواله الأزرق. وصل بعد الثلث الأخير من الليل ،وانتظر حتى استيقظ أهل البيت إلى العمل. خرجت الفتاة أولاً تلبس ثوباً رسمياً طويل الأكمام ،قابضة بكفها عنق حقيبة حمراء ثقيلة. نظر إلى جسدها الذي يتمايل على بعضه بوضوح من خلف ثوبها الضيق الغامق ،في نزولها درجة بعد أخرى بكعب حذائها الصاخب ،فتعمد أن يكسر غصناً يابساً فالتفتت إليه مستطلعة. وكان أن مالت إليه بحدة فاحتجب وجهها بشعرها القصير ،نسفته رياح الصباح الأول. رفعته بأصبعين من يدها الخاوية ببعض الانزعاج ونظرت في زوايا وجه الرجل التي وضحها النور ،فارتدت إلى الخلف وعلت وجهها سحنة الوجل. فهمس إليها هادي أن تتبعه بهدوء وأظهر لها ابتسامة مطمْئنة. تقدمت الفتاة إلى مجلسه على فرع الشجرة المنخفض فاتكأت عليه وجلس هو قبالتها على ركبته. قال لها وهو يحاورها ولم تغادر بشاشته وجهه:"لقد أذهلتك بظهوري ،إني أتيتك أسترد مالي الذي أقرضتك إياه لسيارة الأجرة في سالف الأيام" قلبت بصرها في نواحي مظهره القذر ،وقالت تحاوره:"كم كان ذلك المال؟..انتظر من حي التجار إلى هنا عشرون ورقة نقدية..هاك إياها.." وأخرجت محفظة نقودها تريد أن تدفع ،فقبض على المحفظة بيده وقال:"أريد كل الأوراق هنا" فسلمته النقود وركنت إلى جذع الشجرة فصدمته بقوة ،وتطايرت العصافير أعلاها وهي تشتمها بصوت مسموع ،وهمس الرجل إليها ببعض كلمات ،وأجابته قائلة:
- نعم إنه في المنزل ،أبي يخرج في السابعة.
- اجلسي أيتها الفتاة ،وهذه المحفظة سأردها إليك بعد أن أفي بحاجتي وأستغني.
ثم أراح على الجذع المنخفض فاهتزت الشجرة وتساقطت بعض أوراقها ،قال:
- أنت لست مهتمة بالتبليغ عني..فبين إصبعينا ذلك العهد القديم ،وأحسبك لا تحنثين فيه. إني مطلوب هنا ووجهي يعرفه جميع الناس ،أيتها المرأة الفاضلة سأجلب الزاد لرفاقي وأعيد مالك في أسرع وقت.
- هل ستذهب الآن؟ بهذه الهيئة المثيرة للشبهة ،أنت لست عدوأً لي ،إني سأكرمك كضيف صباح.
ونظرا جميعاً إلى الأب الذي أخذته سيارته ،فتقدما داخل البيت وحيته في غرفة المعيشة. ولاحظ الرجل نظافة المكان فاستحى أن يريح على الأريكة ،ووقف صامتاً لا ينظر لشيء. وأدركت الفتاة مبلغ حرجه فدلته على الخلاء ،وقالت:"أي الثياب تلبس؟ سأصعد إلى خزانة أبي".
دخل الرجل واستحم ،وسمع الفتاة وهو يجمع ثيابه تجري مكالمة هاتفية ،مع صديقتها على الأرجح. "أنا آسفة قد أتأخر قليلاً ،أذهبي بالأوراق على مكتبي إلى المدير..نعم قبل التاسعة..شكراً لك".
خرج الرجل عليها مرتدياً لون الليل ،وبدت خطوط الخياط مشدودة حول كتفيه. واعتذرت الفتاة إليه من الضيق الذي يجد ،ودعته إلى بعض الطعام. وضع هادي يده على ذراع الكرسي فعجبت من هيئتها المشوهة. وصدت عنها بسرعة فكبت له فطيرة مغطاة بالعسل وأترعت كوبه بالشاي ،واستراحت في مقعدها أمامه. سأل عن سكونها الغريب ،واطمئنان حالها ،فقالت:
- حين أبصرتك ذلك اليوم اعتقدتك لصاً تعبث بحوالات والدي الإلكترونية ،لكني استدعيت للتحقيق واطلعت على حقيقة فعلك ذلك اليوم. أيها السيد هل سمعت عن نور الحق؟ شخص يكتب كلاماً عربياً ليس على لسان بشر ،يقول أنه من عند الإله ،ذلك الشخص يثير الضجة في شبكة الاتصال وقد قرأت بعض نصوصه ،إني أجد اهتماماً في نفسي لدراسة معتقدكم ،فإني أراك أمامي رجل اعتقاد وليس مجرد لص منازل صغير.
نهض الرجل فارشاً منديله على صحنه إشارة الانتهاء وأخذ المحفظة بيده وقصد الباب ،وقال شاكراً الفتاة:"أحمد لك سعيك ،احتفظي بموثقنا لأطول وقت أيتها المعاهدة الصغيرة" فأسرعت إليه تقول:"إن المال في المحفظة قليل ،دعني أجلب لك المزيد"
- لا تقلقي إنه كاف.
- هل ستجعل الجميع يتعرف إليك؟ خذ كمامة الأنف هذه.
- شكراً لك.
- حسن دعني أوصلك إلى السوق بسيارة أبي.
فلم يعترض أو يتمنع ،وانطلقا يشريان ما يجدان أنه يحتفظ بحياته لمدة طويلة دون أن يفسد ،فملئا عربة التسوق بأكياس الأرز والفاكهة المجففة ومن الماء أخذا الكثير. وأوصلته إلى حدود المدينة فغادرها آخذاً مغانم كثيرة إلى أرض سربه ،الخالية ،وعادت هي إلى العمل.
أعلنت أقدامها حضورها في البيت ساعة المساء ،والتقى والدها بها فحياها ببرود ،ورشف رشفتين من كأس يحمله. قالت له باستغراب:"أليس يبدأ عملك الآن؟ كيف تشرب الخمرة يا أبتاه ،وورائك المرضى؟"
- إنه المساء يا بنية ،وواجب أن أفصل بعد صباحه بشيء من السكر الجميل.
نظرت إلى حمرة وجنته بازدراء شديد ،ثم خلعت معطفها القصير ووقفت تحضر كأسا من القهوة. قالت له غاضبة:"لا تحدق بي هكذا ،إني أعظك أن تراني كامرأة " ثم ألقت نظرة خاطفة في مرآة المطبخ الصغيرة على مظهرها بقميصها الأبيض ،وخفضت ناظريها فألفته ما يزال ينظر ،ويشرب. قال لها بصوت هادئ:"هل أخذت حماماً هذا الصباح؟ إني أسمع وقع الماء في المغطس. أنت لا ترخين الحنفية كوالدك" والتقت أبصارهما لوهلة ،نظرات الوالد الماكرة ونظرات الابنة المستسلمة ثم قطعها صفير إبريق الماء ،فنهضت تجيبه. لقد تعلقت الفتاة بالشاب القوي الذي ألبسها إصبعه خاتماً في إصبعها ،وفي نبله ودماثة خلقه ،وتقلبت في مرقدها تحسب ميعاد زيارته الآتية. كتبت تخاطب نفسها في مذكرة هاتفها الجوال:"كنت أعتقد الجنود أولو قوة وبأس ،وقد غاب عن خاطري أنهم ذوو أخلاق كريمة". ثم انقلبت على جنبها الآخر قبالة أستار النافذة الخفيفة التي تلاعب الرياح ،وكأنها تنظر إلى رجلها يخطو واثباً في صحراءه الشاسعة. ولقد أصاب بصرها وما أخطأ ،إذ الرجل بالأحمال الثقيلة قطع أميال كثيرة. وعجز بصره عن التمييز في غسق الدجى فقضى أمياله الباقية مع طلوع الشمس ،وحين رأى الهند تغدو مع حارسها الأبقع عجل إليها وولج بين أفرادها حتى لاحظ رؤوس الأوتاد خلف جرف صغير. واستقبله صاحب النزل بصوته المرحب من البعيد وأدخله خيمته وقدم له شيئاً من الرزق الكريم. ونادى البدوي بصوته العالي أهل الدار فأقبلت امرأة تستفسر عن طلبه ،ولما أراد أن يعلمها تصدى له هادي فشكره على كرمه وقال له:
- إني أتيتك على عجل ،وأخاف أن يفوتني الذي ينتظرني وراء الأميال.
- سألتك إلا تمسي لدينا ،وحقك ثلاثة يا ضيف.
- وإني قضيت بياتا عندكم وأنا جريح ،وخطر ببالي أن أسلم عليكم إذ ألفيت مضاربكم لم تبرحها الماشية.
فتفرس الرجل المضياف في وجه الجندي طويلاً ثم قال وهو يمسد لحيته ذاكراً:
- نعم ،أنت الذي عثر عليك الأبقع في تلك الساعة. ثم اقترب منه حتى تلامست أنوفهما فصاح: ولكنا لم نتمك حقك ،ثلاث..ثلاث يا رجل. وصيدك نؤتيك خيراً منه ,تعالي يا امرأة.
فنهض هادي ولحقه الضيف واختصما حتى اهتدى المضيف إلى فصل بينهما ،فقضى بأن يهبه ناقة من قطيعه تعويضاً عن تقصيره في ضيافته. وتفحص هادي جوانب المكان ومد عينه إلى داخل الخيام ،كان يقيم مع الرجل سبع نسوة وغلام وحيد فاحم الشعر كثيفه ،يلبس ثوباً يكشف ساقه ،جاءه حين طلبه فقال له:"تخير يا فتى ناقة في مقدمة القطيع تسير أماماً لا تنحرف" وغاب الغلام ثم أناب يجر بيده زمام الناقة وسلمها والده ،وضربها الرجل على يديها فأناخت ورغت. سأل هادي قبل أن يرحل أهل الترحال إن كانوا شاهدوا جيشاً أو اقتربوا من خطر ،فأجابه الرجل وهو يرفع المتاع على الراحلة:"هذه الأرض آمنة يا ولدي ،وبعيدة عن الشرور". وتجاوز هادي مرابع القوم مطمئناً أن خبر أصحابه لم ينكشف بمرتزق أو عين حقير. وتلك الساعات قطّعها بدعاء علمه الشيخ إياه إذا أحس كربه وضيق حاله ،أخذ يردد:"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". وقد نعس الرجل فوق ظهر الدابة فقادته إلى أرض لا يعرف رؤوسها ولا بطونها ،فأصابه حزن شديد. واستغاث بسيده في السماء ،وأحنى جسده وبكى ثم استدار يتفقد دابته ولم يحكم لجهله إذ ذاك وثاقها ،فهامت في الأرض بالرزق على متنها ،فأطلق الرجل آهة الرجال وعانق رمل الصحراء يائساً حتى نبهه صوت غريب. خاطبه الصوت باسمه فتعجب ،قال:"إن هذه ربوعنا أيها الغريب ،وعليك أن لا تطأها بغير إذن منا"
- أنجدني يا هذا ،ذهب الحزن بناقتي وزادي..وورائي خلق يحتضرون.
- وما تبادل بحثي وكدي؟
- بكل شيء ،إني في كربة يا رجل.
- الجزاء أولاً ثم الكلام.
- ............................
- حسن ما شرطك وعجل بالخطاب.
- أما ناقتك فسآتيك بها قبل أن تقوم من مقامك هذا ،وأما الجزاء سفر عتيق.
- أي كلام تريد؟
واستقرت الناقة بحملها بين يديه ،فقفز ونكص على عقبيه وأوجس في نفسه خيفة ،ونظر لخصمه في دهشة وترقب. وبركت الناقة فتقدم منها وفحص طعامه وسقاءه ،ثم اعتلاها فقامت على أرجلها وسارت به. وناداه الرجل أن اجزني أجر ما صنعت ،فرد هادي أن قد كلفتني أمراً لا أحتمله ،وأجابه الرجل أن الناقة والسقاء سيوفيهما في يومين ،إن لم يأته بخبر عن طلبه أو يستعين بناصح أمين. وابتعد هادي عن الرجل الأشيب القصير ،وتاه في هضاب الصحراء وسهولها وخذل عزيمته اليأس وأضاع صوابه عرض الفلاة ،فانتبذ من شمسها ظل نشز صغير. وطوق الحارس رقبة دابته واسترخى ،فأحس ظهرها يتحرك تحته فرفع رأسه ونظر. فإذا غانية طويلة الشعر تمسك الرسن في يدها تلتفت إليه. سألها بسرعة:"من أين جئت؟ من أنت؟" فأنشدت المرأة تقول:"من أرض قوم لا تلد نسائهم الرجال ،من جحر نذل نصب حول أهله الأقفال ،إني رضية فافجر بقولك وافعل الأفعال ،لا ترتدد أيها الغاوي وتعال إلي تعال " فتهربت حدقتاه من لقاء محياها الضاحك وأشار إليها أن تخلي سبيله ،فاعترضته وصاحت به أن يمتثل لطلبها ،لكنه ركل دابته فحادت ،حتى إذا همت أن تسير داست المرأة خفها فأرغت وتوقفت. وغضب الحارس واستنكر هدوء الناقة ،وطلب إلى المرأة أن تتركه. فأخرجت المرأة طبلة من بطنها وأخذت تدقها وتغني ،ودارت حوله تهز خصرها وتدعوه إلى نفسها. وانزعج الرجل من لحنها الصاخب فسد أذنيه ،وقال بالذي علمه الشيخ ،فغابت الغانية عن ناظره فلم يهمه غيابها السريع ،وانطلق يبصر طريقه تحت الشمس الراجعة وشفق الغروب. إنه يصول في مكان قريب من قومه ويجول ،فتعبه وانهزام حيلته جعله يتخبط ويتعثر ،وإنه أدرك منزلهم في رأس العلم فنصاه وعقل راحلته والنور يغالب الظلام ،ودخل على أصحابه في غلب الظلام. واستقبله الوهج الدافئ وصوت الحارسة الفرحان برجوعه وهي تقول:"كدت أضربك بكعب البندقية لولا أن شفعت لك النار". وآوت إلى القوم وفم بندقيتها يرسم خطوطاً تمحو صورة خطواتها ،خلف ظهرها الحبيس. أفلت الحارس الأمتعة من يده وأخمد شوق عينه إلى رؤية وجه شيخه الصامت ،خلف لهب النار الراقص وتقدم منه فعانقه وقبله وسقاه المعين وانتزع عوالق الطين من لحيته ،ثم بلغ الأسماع النهمة بالذي مر به:"لقد انتشلني قوم رحل ليلة جرح يدي ،وكنت شارفت على الموت فأكرم سيدهم مثواي ،وهو رجل شديد الجود. ثم قص أثركم فاتبعت السبيل حتى ألفيتكم تحت الصخرة فسقيتكم ما رزقني إياه. إنه أكرم عبوري الآن بهذه الدابة أيضاً ،وعرفت فيه رجلاً خيّراً لا يتجسس لصالح أحد. والشخص أعرف في المدينة أعان يدي في حمل الحاجة ،وما آسى على شيء إلا أن تأخرت عنكم". قال حسن بصوته المرهق:"لا بأس عليك يا هادي ،ما فرطت في أمرنا من شيء. ونحن صبرنا..على ربيع الأرض وفرات نقع قريب". ثم سأل الكهل باهتمام:"كيف وجدت القوم في المدينة؟ هل سمعت من أخبارنا شيئاً؟"
- يظهر لي أنهم يأتمرون بنا. تحاك خططهم يا صاحبي بالسر والكتمان.
- رجائي أن لا يكون هدوئهم بادئ الأمر إنذاراً لعاصف في آخرة.
وتفكر القوم في قول الكهل خافضي رؤوسهم صامتين ،حتى أخمدت النار ولم يتقدم لإذكائها أحد. وتأمل هادي في الجدران وزوايا المكان وفحص ببصره بعض فرجات في السقف ،ونزل منها إلى وجه رفيقة الذي ينظر إليه. خاطبته حين انتباهه إليها ،قالت:"خلفك ترقد شجرة ميتة فامدد بيمينك وألقها يصطلي بحريقها الرجال". وأضرمت النار بالحطب اليابس فاشتعل الشق كله بالنور ،ونظر الرجال لبعضهم نظرات وداعية صامتة فقد خلا المرقد من الحطب ،وديجور ليلتهم طويل. وتولى أصحاب الكهف إلى السكون بعد أن هدأت البطون واطمأنت الأفئدة ،وأرخت الجفون. وأرخى هادي وكاء صرته وأخرج مافيها وقال للحارسة:"قد جمعت أثري هنا" "أعتقد القيد المكسور سيكسر أسرك". واستخرج إبرة دقيقة من حديدته وألقاها في أصل النار ،ثم انقلب إليها وجلس. كان الحارسان لا يتسليان بحديث ولا يجتمعان في رأي ،ولم يكن كلامهما لبعضهما إلا صامتاً وإيماءات أعينهما لا تنيب ولا تجيب. حرك هادي وقود النار وأخرج قبساً من أسفلها ،فثقب ثوبه انفصام لهيب وآذى جلده فصرخ وابتعد ،ثم قفل فأخرج حديدته بحذر شديد ،وسمع الشيخ يسترجع ويطلب المغفرة من سيد السماء ،ويقول:"هذه النار يا ولدي جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم. قد برد ألم جلدك وتوقف وأنى لناره أن تتوقف وحطبها يلقى إليها في كل آن وكلما نضجت جلودهم تبدل بجلود غيرها. هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن". وانتهى الشيخ من حديثه فانتهرت المرأة الرجل آمرة إياه أن يفلت من يده ،وترك الحرق في راحة كفه علامة مستديمة. و عاد إحماء الحديدة وقربها من المفصل الصغير في قيدها ،وجعلت المرأة تصرخ من القطر المتساقط بين أصابعها وتبكي ،وتخلخلت شدة الأسر وتحرك ذراعا المرأة بعصبية ووقع الشر المعدني وراءها على الحجارة ،ولم يرفعه أحد.
أمن أصحاب الكهف في هجرانهم أصحاب المدينة ،وامتدت الأيام بهم حتى بلغت الثمانية ،وإذ بالأوعية يبقى نهايتها حتى يعلم مافيها الآكلون. فتجهز الحارس لرحلته واتجه إلى ركوبه بين أصحابه الموصين. نظر في عين الناقة وأنفها ففزع ،والتفت بحدة إلى الشيخ. حدثه وعبرة الخوف تكاد تقطّع بحلقه أنه رأى رجلاً أشيباً خارق الفعل وامرأة بارعة الجمال تظهر من العدم. وصد الشيخ بعينه عنهم للحظة ثم قال:"هؤلاء أهل الأرض ،خلقوا من النار ،وهم مثلنا عند الله تعالى. فإذا رأيتموهم فاستعيذوا بالله من أشرارهم ،وأخيارهم كثير".
- طلبني الرجل الأشيب أدله على سفر عتيق ،وتوعد أن يرد الناقة في يومين إن لم أخبره.
قالت رفيقة بدهشة:
- وقد سلخنا ثمانية أيام حسوماً ،وصاحبك بعد لم يظهر. هل الأيام تفرق من أرض لأرض؟ هل الوقت يمر بصحرائنا كما مثليه عند أهل المدينة وما وراءها؟
وتناظر الرجال مرتبكين من قولها ،وقال هادي بسرعة:
- لا تتخبطوا لدينا الشيخ لنسأله.
وطلعت الشمس من الشرق على خمسةٍ وسادسهم ناقتهم ،إذ ألقت رأسها بين رؤوسهم وأرغت في الحديث حتى لم يجد مسمع سمعاً ،فركلها الكهل يريد سكوتها ،فرفسته بين رجليه فوقع على ظهره وصرخ واستنجد ،وكانت تخفي تحت رموشها الضافية شيئاً يجهلونه. وخطى الشيخ بعصاه القصير اتخذه من جذوع الشجر فابتعد ،ونظروا إليه وإلى الناقة فإذا حدة نظرتها تتلاشى مع آخر ظهور لساق الشيخ يكشفها ثوبه الذي ترفعه الرياح ،خلف ظرِب قريب. واتبع الرجال الشيخ فاستفسروا فلم يزد على أن قال:"لن تراعوا لن تراعوا ،هذه الدابة تخشى رجلاً أشيباً ،وقد اطمأن قلبها." ثم خاطب هادي وضم الجميع في الخطاب:"لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون. نحن تزيد لحظاتنا ولا يكون لها أبداً أن تنقص ،فويل للذي تزيد أيامه وتنقص أعماله ،ويل له" "أما رجلك فقد زل إذ روعك بهيئة الإنسان الذي لا يأتي قول وفِعال إنسان. وأحسب أن كتاب الله العظيم هو ضالته". وتأهبت الجندية لحديث فكفاها الشيخ عناء السؤال وتقدم منها بخطوات وئيدة:"وأما يا أمة الله فصل قولك ،فاعلمي أن أيام العسرة قد حسبتها فلم تزد عن حسبة هادي إذ كان في البعيد يوماً. وإن في الأرض التي نزل إليها آدم أغوار كثار ،وفي بروج السماء أسرار خافية". ثم أمر ببعض الثياب وشيء من الحبر ،فأتاه هادي بثياب المدني البالية جمعها في صرته ،فأمر أن تكتب كلمات الله في أنحاءها النظيفة ،فاعترض الكهل بشدة قال:"والله لا تكتب كلمات الله في بالٍ متسخ" وأوحى الشيخ إلى الرجال أن يكتبوا مكان القلب من الثوب وأعلى ،وأن يقطعوا مكان البطن منه وأدنى. وبحثوا فلم يظفروا بالحجارة واستكرهوا ثقلها. وخط هادي من فَي الشيخ ما يمليه بقلم يرجه طلباً لماءه بعد كل حرف ،كلمات من هدي الكتاب في صدره ،وأجاد كتابته في أقصى مدى يصل إليه قلم الجندي.
سار الرجال مع راكبهم حتى إذا لم تؤثر أخفاف الناقة في الأرض جعلوها جادة مسافرهم ،وودعوه. وتوجه الشيخ تلقاء الشمس يسأل ربها الحفظ لحبيبهم فيه ،وكثير من الخير. وتلوى فؤاد رفيقة جزعاً وهي ترمق سواد رأسه يغيب في التلال ،واقترحت إليه أن تآزره سالفاً ،فرفض.
واستمرت صحراءه تقلّبه في الظلام إلى النور ،حتى حاذى موطن قوم فسلم عليهم وما كان لهم أن يردوا عليه إلا أسماءهم مسحتها الرياح ،وإذا سمة القبر أخذته الريح.
وأتى طرف المدينة الحبيس فحيى الصابرين فيه على أذى الجنود ،وألقى موعدة إليهم أنه مستنصر لهم. وعثر على سور قديم محيط بأرض موات ،كأنه الحصن فأودع دابته فيه ،وخرج. واتصل بأهله من أهل المدينة فعزروه ونصروه ،ونام تلك الليلة تحت سقف عدو له ولهم. ونادته الفتاة التي تناصره في الإصباح وأجاب طلبها فدخل. قالت له بحبور:"إني أتيتك بخبر. إن القوم أتوا خبيراً فرسم لهم تضاريس صحرائكم. يقول المطلعون أنها تنتهي خلال شهر ،وتبدأ مناورتهم للنازحين اتكالاً إلى خريطته". حدق فيها ثم سألها بعد مدة:"أتحشرين نفسك بينهم؟ أتقدرين على هذا؟"
- إن عملي يا سيدي يخالطني بأصحاب الشأن وأفراد الشرطة ،إني وزميلة لي نحقق في قضية ممرضة أسيرة.
عاجلها القول:
- ممرضة؟ التي سجنت بتهمة القتل؟ جريمة منزل المعمر؟
- نعم..هو سيدك. إننا نسأل كثيراً بشأن طفل هارب ،لا تعلم والدته أين ولى..
- إلياس ،هل تعرفين منزل والدته..أريد أن اتصل بصبية يعرفهم.
- كان هذا اسمه. إننا نبحث حول ثائر آخر أيضاً..جندي رافق السجينة كثيراً في جلسات تعذيبها الخارجية..ربما تعرفه..هو فرد ضمن كتيبة كنتَ منها..رجل أجلف غليظ ،لسانه سليط وبذلته يقتسمها اثنان من الرجال الضخام.
قال وفي صوته رنة سخرية:
- لدينا جنود كثر بمواصفات بطلك ،فلا أحدد في ذكري أحد.
وسكتا طويلاً ثم قالت الفتاة:"لقد تبدلت الباعة الذين أشتري منهم إلى سوق آخر ،هل يعجبك هذا؟"
- أشتريتِ الطعام؟
- نعم ،خبأته في غرفتي...
فنهض وأقبل عليها باسطاً كفيه ،وقامت إلى لقائه وقد توترت أطرافها واحمرت وجنتها ،وكان في مرأى وجهه في عينها شعور غير الذي يظهره. واندفعت فتقدمت خطوة منه فارتد إلى الوراء محرجاً ،وقبض على يديها في يديه ونظر في عينيها ،فأخبرها أنه ممتن لها ،ثم أفلت يديها وذهب يريد سماع صوت المدينة. ونظرت المتيمة إلى كوبه الذي لم يمسه ثم إلى الباب الذي أخرجه ،فما رجعت بغير صوت البراد الرتيب ،في المطبخ. لقد تبوأ الرجل منزلة غير هينة في قلبها الواسع ،وصدوده عن نزولها كمالك أعطي مفاتح داره التي اشتراها فرفض أخذها ،فما يكون شعور البائع حينئذ فذلك شعورها!
ومع تبدل لون السماء إلى حمرة الغروب ،آب إلى ناصرته في عقر دار عادِيْه ،وأزال لثام وجهه وشكرها على ثيابه وطعامه ،قال:"لا أود أن تهترىء هذه الثياب ،لقد أفادتني"
- دعها ستراً لجسدك وزينة ،إنها ليست من خزانة أبي.
فلم يتفوه بكلمة ،وقالت له بصوتها البريء:"قد غسلت ثيابك ،إني في فراغ كبير صباح عطلتي". ثم خرجا إلى حديقة المنزل وجلست الفتاة على جذعه المنخفض من شجرة التين وسط أحواض من الغرس. قالت بينا تمسد ورقة بيدها:"قد زرعت أمي هذه الشجرة ذات يوم كنت حينها لا أنطق حاء وخاء". ثم نادته باسمه وانتصبت ،ورفّت أشجار البستان الصغير لتطل على حديثهم وأصغت فسكتت. وسكنت ياقة معطف الرجل وأكمام ثوب المرأة ،وقالت في هدوء:"هل تبقى هنا..يا سيدي..أو تأخذني معك"
- ليست مواطن الجفاف والخوف مناسبة لفتاة رقيقة.
ثم سحق ورقة أوقعتها الشجرة تحت قدمه ،وتحدثت الفتاة بحماسة وأمل:"إني معتادة على الظروف القاسية ،إني أرافق الرجال في توثيق الحدث ،ذلك عملي يا سيدي"
- هل تتركين لفظة سيدي..لا أتفضل عليك بشيء وأدين لك بالكثير.
فانقبض وجهها وهي تقول:"هل ستعود يا هادي؟"
- إن أمكن لي ذلك. غايتي الأولى أن أحمي نور الشيخ.
ونظر إليها وسط طوق أحواض الزنبق الأبيض الذي أحاط بالباسقة ،وتذكر الغانية وشعرها الطويل في خواء الصحراء يومه ذاك ،وتذكر نفوره من ضحكتها ومرحها الصاخب. ثم نظر ،إلى بياض ثوبها الخفيف وبتلات الزنبق الأبيض من حولها ،فألقى كفه فوق رأسها وانسابت أصابعه الخشنة بسلاسة مع شعرها البني الناعم. حظيت يده بلمسة نقية إلى حمامة السلام ،وهناك في صدرها بياض غاشم لا يقدر أن يلمسه.
إلى الفصل الحادي عشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 03-12-2011, 09:48 PM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

الفصل الحادي عشر
سار المحقق في الجادة التي يحفظها عن ظهر قلب وأشار مساعده إلى مجمع سكني قريب ،فابتسم قائلاً:"أعرف المكان أيها الرفيق ،قد أتيته مراراً فاسترح في مقعدك ولا تتكلم". وغاص الرجل في مكانه بحرج إذ هزأ به رجل غير هين في ذكر رجال الشرطة ،ونظر إلى سحنته التي بينتها شمس الصباح الجالسة في شيء من الفضول. ولكن المحقق لم يتركه لإكمال متعته فستر عينيه بنظارته السوداء وقال منزعجاً:"هل تعتقد يا ضياء أن الشمس أنثى؟ إنها تجذبك بجلوسها الهادئ بعد الفجر وتصدك إن أنت اقتربت منها في وقت الظهيرة". وتحرى المساعد الحذر في إجابته وعرف أن رئيسه لابد يختبر فطنته بطريقة غير مباشرة ،وتجلى له بعد حديث المحقق الأخير أن الرجل أتاه شاكياً لا ممتحناً فقد صرح بقول عجيب:"كل رجل لطيف ،وكل امرأة تسوقه إلى وحشيته". وضغط مكابح السيارة فجأة فتوقفا أمام منزل صغير. واستبقا الباب فطرقه المحقق عوضاً عن الجرس. وأجابته امرأة من البعيد وفتحته بعد أن جلس على عتبته بعض الوقت. وعرفت فيه وجه الملاحِق فرجعت ببعض الخيبة وأظهرتها واضحة في هيئتها المنكسرة بثوب طويل. جلس المحقق في غرفة المعيشة التي أتاها ذات أصيل بعيد واستمر مرافقه واقفاً يتبصر في السقف وجدران المكان الفاتحة. وأراد المحقق الحديث لكنه لمح صورة كبيرة للشقي الذي طرده من البيت فانزعج وتوتر ،ووجد نفسه يقف ويقول واضعاً كفه على إطارها السميك:"ندرك عظم مصيبتك أيتها الأم ،ولكنا مكرهون للتفتيش في أثر ابنك راجين الحظوة ببعض الإجابة" ثم أراها مذكرة التفتيش فقالت بصوتها الضعيف:"غرفة ابني بهذا الاتجاه". وتبع الرجلان جسدها الذي يترنح من الهم أمامهم ولاحظ المحقق أرض البيت التي علاها الغبار وكانت تلمع من قبل بشدة. وأصابه شيء من الحماسة الطفولية لرؤية متاع حجرة الولد الصغير وفضول عجيب. ودخل ،ودخل رفيقه وانتظرت المرأة بالباب ناظرة إليهما بغير ما اهتمام. قلب المحقق كتباً مدرسية مرتبة على المكتب وأقلاماً بعثرها بيديه ،ثم اطلع إلى خزانة الثياب وأدخل كفه في بعض أدغالها وبسط أنسجة مطوية ونفضها بقوة. وأطل مساعده تحت السرير ورفع مرتبته فوجد صورة لطفل رضيع. وتساءل الرجلان وهما يرقبان الأشخاص الثلاثة ،فقالت المرأة"إنه إلياس ووالده ،وأنا قبل سنين مضت". فسأل مرافق المحقق المرأة بصوت جاد:"هل أخفاها هنا متعمداً أم كنت تعلمين بذلك؟" فأجاب المحقق بغير حرص وهو يفحص النافذة:"الأطفال دائماً يفعلون هذا". وتلمس الرجلان ألواح الأرضية فلم يجدا متحركاً أو ناتئاً ،واستفسرا عن قطع الأثاث إن كانت نقلت أو غيرت ،فردت الأم أن القطع لم تتحرك خلال خمس سنوات مضت. واكتفى الباحثان من الشك فرحلا من الغرفة بعد أن أخذا جهاز الكمبيوتر للولد وعدداً من الأقراص الممغنطة وقال المحقق للمرأة:"نحتاج أن يفحصه الخبراء عندنا ،استئذنك في أخذه" ثم سألها بسرعة:
- ألم يتصل بك أحد خلال غياب ابنك؟ رجل يعمل في الجيش مثلاً؟
- لا يا سيدي...انتظر...أحدهم قدم لسؤالي عنه بعد ذهابه بيوم..
- ما اسم ذلك الرجل؟
- لم يخبرني ،لكنه أجابني أنه شرطي.
فنظر المحقق إلى وجهها الذي عاد إليه النور ثم إلى سطوع الشمس المتمايل على الجدار ،فقال بصوت خفيض:"أنتما متشابهتان". وأطلق تفكيره عميقاً وهو يرمق الرجل المساعد بنظره حين كان يخط ملاحظاته بحرص في مفكرة يحملها في راحته. ثم وجه حديثه للمرأة فقال وهو يعدل ياقته ويتقدم في كرسيه استعداداً للنهوض:"إن البحث ما زال جارياً في أثر ابنك ،وأرسل الرجال إلى البحر كمكان أخير. لا تقلقي أيتها الأم أعرف كثيراً من الصبية يرحلون إليه" "وأما زائرك إذ لم يرسل المركز برجل إليك في ذلك اليوم فسوف نحصر وجوه المشتبه بهم ثم نطلعك عليها..أتعرفينه إن رأيتيه؟" أجابت بسرعة:"من غير شك يا سيدي ،وجه الرجل عميق الوديان رفيع هضابها على رأسه كتلة من شعر أحمر كأنه علم في رأسه نار". وترك الرجلان الدار وردا إلى مركز الشرطة. وتحدث المحقق إلى رفيقه في بهو المبنى المليء بالمراجعين فقال وصوت حذائه على الأرضية الملمعة ينافس صوت حنجرته العالي:"لدي زيارة في المساء ،سأتركك مع البصمات وصور الرجال" "سألتقيك في مثل هذا الوقت من صباح الغد". وأومأ الرجلان لبعضهما ،وافترقا ولكل منهما جهة هو موليها. ووصل المحقق إلى موعده مع المدير فدخل مكتبه بعد أن نظرت إليه امرأة شقراء طويلة تجلس إلى شاشة في ركن قريب الباب. ورحب المدير الأسمر بالمحقق وسحب له كرسياً فجلس ،وارتاح الرجل أمامه وقدم له الشاي. تحدث المحقق قبل أن يأذن له المدير فقال بصوت محبط:"تبدو القضية أعقد من تصورنا عنها ،يشترك في الدم كثيرون" "وليست رغبتي في الحضور هنا لإطلاعك على نتائجها ،ولكني أتيتك أطلبك أن تجد غيري يلخصها لك". فتغير وجه المدير وحرك شفتيه يريد الحديث غير أنه أطبقهما وحرك ملعقته في كوبٍ سكره ذائب. ومرت بالرجلين فترة من السكون الكئيب فأعاد المحقق سؤله مجدداً:"أيها المدير ،كنتُ أغلقت القضية ورفعت يدي عنها وما أعادني إليها إلا هروب المسن مع زمرة من أهل المدينة الذين آمنوا بربه. أيها المدير هل هي قضية قتل؟ أم هروب مشتبه لطفل صغير؟ أم تآلف من أهل هذه المدينة على إقامة معتقد يقلب النظام ويبعد الأمن؟ إن المجموعة التي اتخذت من دار الشيخ مكاناً قصياً لم تكن العاصية وحدها ،فثمة عشرات المجموعات التي شقت عصا الطاعة" "وبرغم وضوح الحوادث بين يدي ،فإني لا أحب أن أطارد الطير في الظلام ،وأبلغك أن يومي هذا هو الأخير لي تحت إمرتك في هذه القضية أو أستقيل من عملي بين ظهرانيكم" فغضب المدير واحمر وجهه كدأبه بشدة ،واسترقت المرأة النظر إليه ولزائره في تحفز. وقال المدير وعينه لا تنظر لمحدثه طوال حديثه:"هل تعني أن الجهد عليك ثقيل؟ أم أنك أدركت مثلي عراقيل هذه القضية؟ أيها الرجل الرشيد لقد مررنا هذه القضية برتابة كأختها وأختها ،ولكنا أدركنا الآن أنها معضلة حقيقية ترتفع عن قدرة هذا الجهاز وجنده من الرجال. يلزم أن يبرز العلماء ويناظرون حكمة الرجل المعمر ،وأن يستأمن الذين آمنوا في أموالهم وأنفسهم وحتى يظهر الحق تبقى السيوف منكسة في أغمادها" ثم قال وهو يرخي صوته:"بعيداً عن هذا المكان ،أخبرني أيها المحقق برأيك في علم الشيخ" رد المحقق بسرعة:"إنما نحن طاقات لها مدى معين ،تحول بعده إلى الركود ولن يسألنا عما جرحنا أحد" وقبل أن يخرج عجل له المدير الخطاب فقال:"اتفقنا إذن..إن علاء مشغول حالياً لكني سألحقه بك فور فراغه". وابتعد المحقق يجر خطاه بإحباط وودعته المرأة بنظراتها الطويلة. ووافه لدى الباب رجل ذو رتبة دانية شديد الأدب قدم له فتاة قصيرة ترتدي ملابس أنيقة. قال:"هذه الفتاة من صحيفة الأخبار سألتني أن أرشدها لك" فتأمل المحقق في وجهها الذي يلقي ابتسامة مرحبة إليه بنظرات واصبة ووضع كفه على رأسه ثم قال:"لابد استلمتِ إذنا في التحقيق معنا" وقال بانزعاج وهو يمط لهجته:"يا للمفارقة العجيبة نُستجوب الآن ومن قبل كنا نستجوِب" فأجابت الفتاة بتهذيب:"لا يا سيدي ،نحن لا نستجوب أحداً ،نحن نريد أن نجعل القارئ على علم بمجريات عالمه ،ولكن لا نجبر لذلك أي شخص" فرد المحقق بنفس اللهجة المنزعجة:"تملكين لساناً يُزلق بعسله. قد أصاب من وظفك هناك" فشكرته وهي تنحني له ،وحياها في مكتبه بفتور ومن قبل كان يتلهف لهذه اللقاءات ويتمعن في وجه مخاطبته بنفس الشغف الذي يخالجه حين يعزم أن يلتهم فطيرة اللحم التي يحبها. وأحست الفتاة نفوره منها فحزنت أن كانت مصدر إزعاج له وختمت لقاءها بسرعة ،وشكرته بانحناءة أطول من سابقتها ورحلت وهي لم تكتب كلمة ،أو عبارة واحدة مجدية.
وأقر المحقق أن سبب ثورته وجنوحه كان الأسى الذي بعثه مشهد وجه حبيبته المظلم ،وعجزه عن إيتاء الفعل الذي يعيد له حبوره. وليس الضيق الذي وجده في نفسه بعد أن خرج من عندها ،ببعيد ،حين سمع ملعقتها تطرق فنجان الزجاج ،وحدها تتحرك وكل شيء وحيد ساكن من حولها. ونظر المحقق إلى أوراق القضية واستخرج من بينها صوراً لرجل في منتصف العمر ،لازم الشيخ مع الفتية قبل القبض عليه والآن هو مفقود لم يترك رسالة لزوجته. وشد نظارة القراءة أمام عينيه ودقق في هيئة الرجل البلهاء ،وذكر المحقق زوجة الرجل ،عرف فيها امرأة غيورة ضعيفة العقل لم يكتمل جبران قلبها بُعيد فقدها ابنها الوحيد ،حتى فتته الزوج تارة أخرى. وإنها تجد ما يهدئ(1) صرخاتها في الليل فتنام ،ولا مطَمئن لنواحها آخره وأطراف النهار. تلك الأم ضبطت نفسها حين فقد الولد جزعت حين فقد والده ،ولا يجتمع في المرأة صبران. ثم اطلع إلى ملف منفصل أعده مساعده قبل أيام ،وبقي له القليل ليكتمل ،رجل مجهول هجم في الصباح على منزل الطبيب الذي قرر دخول الشيخ مصحة نفسية ،فأجبره أن يعدله. مواصفات المهاجم التي جاء بها الطبيب تتوافق مع جندي موقوف سابقاً تأكد أنه تابع للشيخ. نهض المحقق ومغط ذراعيه بإرهاق وأغلق شاشته على المكتب فخلت الغرفة الصغيرة من النور الذي كان فيها إذ أدبر قرص الشمس ورحل. ورحل المحقق إلى عمله في التحقيق مع جند يستيقظون في جنح الليل. قارب موقف سيارته الجيب فأومضت أضوائها بضغطة زر على الشيء في يده ،ثم ثوى فيها وأشعل المحرك وغادر صخب الأحرار وضجيجهم.
كانت أعمدة الإنارة في حصن السجن وطرقه كثيرة ولاحظ المفتش آلات التصوير التي تراقبه زادت عن أول مرة أتى بها المكان. توجه إلى مكتب المدير في مبنى الإدارة الكبير ،ففتح الباب أمامه تلقائياً وألفى أمام ناظره مصعداً ينتظر. وعلا به المصعد طوابقاً سبعة ثم فتح بابه في الطابق الثامن. خطا المحقق بحسب لوحة إرشادية سبيل المدير ولاحظ المكاتب عن جانبيه شاغرة تعوي بها الريح. وبعكس الفناء الواضح بالنور كانت الأروقة غارقة في الظلام وكل منعطف يضيئه ضوء صغير ،ورائحة السجائر تملأ المكان. وقرب من الباب المطلوب فأصغى سمعه إلى الرجل المدير وامرأة خلفه يتضاحكان ويتمتمان بكلام ليس يتضح من خلف الحجاب الخشبي العريض. ضغط مفتاحاً إلى شق الباب الأيسر ،فرن جرس هادئ سكتا به فجأة عن ما كانا يفعلان ،وخرجت المرأة وهي ترفع جيب قميصها. ودخل المحقق فحياه المدير بحرارة وقال:"كنت انتظر قدومك أيها المحقق ،تفضل سيجارة"
- شكراً لك ،لا أدخن.
فأشعل المدير سيجارة بقداحته ونفث دخانها في غير جهة جلوس المحقق ،ثم قال:"سأتحدث عن الذي أتيت تريده مباشرة" ثم أخرج صوراً ورقية من مظروف كبير لوجه رجل من جميع الجهات ،فقال:"هذا ضالتك الذي تريد ،هذا رجلك الذي تبحث عنه" كان المحقق يطالع الصورة باهتمام ،فقال المدير:"اسمه هادي ،جندي خدم عندنا بشكل جيد لأربع سنوات. تجد بين الأوراق معك تقرير عن خدمته في السنة الأخيرة" "لقد أوقفته لاشتباهنا بتورطه في تدبير هروب الشيخ مع ثلاثة من رجالنا ،وأشارت العيون والأسماع إليه دون غيره فحبسناه. أما الثلاثة الآخرون وهم هؤلاء هنا(وحط إصبعه على صورة تجمعهم في شاشة مكتبه) فقد سرحناهم من الجيش وتم الختم على سيرهم من قبل مكتب الحكومة أن يرفضوا في كل الوظائف التابعة لها. لقد مررناها بالشكل الطبيعي تماماً"
- أولئك الثلاثة ألم تحققوا معهم بشأن علاقتهم بالشيخ؟
- ليست الدلائل تشير إلى اشتراكهم في المعارك التي قضاها الجيش على الحدود. ولقد أخبرتنا العيون أنهم لم يغادروا شوارع المدينة حتى هذه اللحظة.
- إذن أنت لا تشتبه بهم. وماذا تعرفون من أخبار الرجل؟
- تقصد هادي. رجلك قطع يده وذهب إلى صاحبه في الصحراء ،ولا نعلم من أخباره غير ناره يصلينا إياها في الحرب. ومما أكد ظني السيء فيه أنه قد زار ممرضة الشيخ بإذن غير مقصود ذات مرة ،ولا يعلم أحد ماذا كانا يقولان.
- لقد نشر الرجل العجوز علمه بين جلاديه أولاً ،فدخل قلوبهم من أوسع أبوابها ،ولا نعلم ما يصنع علمه بأهل المدينة آنفاً.
- إن الجيش على أهبة الاستعداد دائماً ،ربما يأتي يوم يحارب فيه أهل المدينة أهلها.
ثم حرك فأرة جهازه فتبدلت الصور بصور أخرى لجنود ببزاتهم العسكرية. قال للمحقق وهو يحدد بظفره على كل منها:"هذه صور للجنود المفقودين ،إنهم ستة مع رجلك حتى الآن وهناك أنباء عن اختفاء جندي سابع في نفس الفيلق الذي ينتمي إليه هادي ،منذ بضعة أيام" وبدل بين الصور ببطء ناطقاً بعنوان كل وجه فيها ،ثم غمرت الشاشة بوجه امرأة في الثلاثينات من عمرها ،قال المدير يعقب على الوجه الأنثوي الصارم:"هذه كما ترى امرأة جندية ،اسمها رفيقة وهي تعمل في سجن النساء قبل حضور رجلك إلينا. إنا وجدناها مرتبطة بالرجل" "لقد كان لنا مطاردة فلول الهاربين بين تلال الصحراء ،وما فتئنا نفعل هذا. ولكم يا صاحبي التحقيق في أمر الجناة حتى يذل شأنهم" رد المحقق وهو يجمع السجلات والأوراق ببطء شديد:"ومتى تبدأ حملتكم التالية؟"
- حين ينتهي تخطيط ملاذ عدو المدينة. فقد شردت رمالها بالجنود وخسرنا كثيراً منهم ،ربما تكون فرصة للهاربين أن يبتعدوا ولكنهم الهالكون إن فعلوا هذا.
وقبل أن يخرج المحقق سلمه المدير مجلداً كبيراً وقال:"هذه نسخة من ملفات جنودنا المفقودين ،ستجد الدليل الذي سيثبت تورط أحدهم في جريمة السطو على المدني في بيته" رد المحقق شاكراً وصافحا بعضهما ووعدا أن يتصلا بشكل جيد وفارقا مكانهما. وعرج المحقق على سجن النساء وقدم إثبات هويته ودخل. ولم يعترضه أحد في طريقه إلى الزنزانة التي يعرفها غير سيقان الحارسات مدت في خدر ،أو حارسة تعاكسه مشياً في جهته التي يطلبها. وألقي المفتاح في قفله وأطلق الألحان فهاجت أسماع النائمات بين قضبان قريبة ،وخطى الرجل خطوتين في ضيق المكان وطلب إلى السجانة التي ترافقه أن تهدي سلوكه بمشعل أو تدع الباب مفتوحاً ،فزمت شفتها في استياء وأتته بكشاف صغير. وتأمل المحقق في المحيط بعينه وسمعه فاهتدى إلى أنفاس الحبيسة تحت شق صغير ،تلج منه أبخرة كريهة وقهقهات بعيدة لأفراد مجتمعين. وأسقط شعاع كشافه فوقها لثانية واحدة وقد هاله ما رأى ،وتراجع عن دنوه حتى رده حائط الصلب وأزجت عيونه نظرات الروع المتوجع. وعزم فتقدم فتعثر بذكرى الجثمان النحيل مسند رأسه نازع صدغه من الشعر ،ولقد علم أن عينه لم تخبر الكثير. وأرغمته النظرة الراسخة أن يئوب إليها وبدأ حديثاً فقال:"هل أنت بخير..أيتها الممرضة". ولقد أناب عن لسانها صوت روحها العصامية في نظرة تتحدى بسفور ،اتحدت عيناها بها رغم الحائل يفصلهما من قطع يصل حافة فمها ،ويصب في بحر أحمر جمدته الأيام. ورد حديثه إليها وزاد فلم تجبه شفتاها بشيء واستمر واقفاً ينظر إليها وقد تبدو في عينه تنظر إليه. وأمالت إليه بطرف حسير وأحيت كلماتها لغة اللسان:"في حال أفضل منك". وفهم الرجل خمارها الذي جاء بعد أن رميت قارورته فاستلمه بلهفة واستل جوابها بحديث جديد:"إنك تقتلين نفسك أيتها الممرضة..لا أعتقد خليلك يريد لك هذا"وانتبه الرجل إلى دمعات يابسات وأخر رطبات ينزلن بجرأة من علو ثابت في رده لا يتغير. قالت جوابها بقوة:"وما أدراك عن سيدي؟ إني اسمع أخباره أكثر منك. ثم ما أدراك عن سيدي وبين روحينا حوار طويل" فجلس إلى الحبيسة وهو يسمع طرق نعل المنبهة يقرب جانب الباب ،وقال:"أنت..ماذا.." "لا تفعلي.." وأبت الكلمات في حلقه إلا رجوعاً ،وأثار قلبه فقذف حركة زائدة في أصابع يده وقدميه ،وأدارت العاسة قضيبها المسنن في قفل الباب ،وانتصب الرجل ومرفقاه يهتزان على شطريه ،ثم انتفض جسده دفعة واحدة فوقع يتأوه بصوت خافت ضعيف. وامتدت ذراعه تدفع رأس الممرضة في صدره ،وتشد عليه ،ودخلت التي وراء الحجاب وتقدمت عن صرير الباب وغناء سلاح الحرية المعلق في منتصفه ،وتقدم المحقق ليخرج قائلاً:"ثم أخبري رئيستك بالذي أريتك ،واسعدي!". فلم تعقب بكلمة وأعادت الباب إلى حاله الدائب بوجه جَمود. ونظر المحقق في سبيله فإذا سجانة نحيلة تنظر إليه كأنها تريد أن تحادثه ،قالت بصوتها الحاد:"لدي معلومة تثمر سعيك هذه الليلة ،لكي لا تعود خائباً" وأكملت دون أن يرحب بشيء ،فقالت وهما يتجهان للخارج:"إن للممرضة زائر وفي ،يأتيها في كل خمس مرة ،إنه طبيب أجزم أنك تعرفه" فأشار إليها أن تتم الحديث ،فقالت:"إني أجد غرابة في اهتمامه بممرضة صغيرة" ثم انتقلت إلى حديث آخر بسرعة حين شارف على مغادرة المبنى من بوابته الكبيرة:"والجندية الهاربة زميلتي وقد علمت أنها على رابطة بالجندي الذي يبحث عنه المدير" وخرج المحقق وهو يحاول أن ينسى نظرة الشماتة في عيونها الثعلبية الضيقة ،وحديثها الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. وترك السجن وأهله وقلبه وفكره في حال لا تستقر. فلما أن ركب سخريّته ناداه صوت من تحتها فتبصر ،فما رأى إذ رأى أحداً فتعجب. ثم رد الصوت سائلاً:"الذين زرتهم..كيف هي حالهم؟". فطفق المحقق بحثاً بنظره عن اللسان الوحيد وترجل عن مركوبه ثم نظر ،ثم عبس وبسر ،ثم أدبر يعتقد كذب سمعه وشعوره. فناداه الصوت سائلاً مرة تالية:"قد سألتك فأجبني. هل الممرضة حية في هذا الحصن؟" وأطل المحقق تحت عجلات سيارته فألفى جسداً ينسل خارجاً مبتعداً بسرعة ،فقال:"إنها تقترب من نهايتها ما لم ينجدها منجد". فتباعد الظل يحيي محدثه بيده وأدرك المحقق أنها لا تحوي في نهايتها الأصابع ،فاستذكر وهرول نحوه ثم ارتد بقوة ،دفعته ذراعا الفتاة السجينة إلى ألمه ،ويا لقبضة تلك الذراع الهزيلة بين أصابعه من ضعف ،ويا لطاقتها في داخلها من هزال. فارق المحقق الغريب دون أن يلحق به ،أو يقود إليه القوم أو حتى يقذفه بحجر من الطريق ليبطئ من سرعته. لقد كان الرجل الهارب أحمقاً صد عنه وجه الممرضة الجريح عزم رجل ذاو في الألم. وألقى المتألم قدمه على دواسة الوقود بضعف شديد وضغط على المكابح أكثر من ضغطه آله السير. وحين وصل مكتبه بعد منتصف الليل وقد تحول جسمه يأكل بعضه من الجوع ،ألفى فتاة قصيرة لدى بابه يظهر عليها الارتباك. وعرف في هيئتها فتاة الصباح المهذبة وتحدث قبل أن تفتح فمها بحديث ،فقال باستغراب:"ما لذي جاء بك في هذه الساعة؟" ردت بسرعة وهي تلاحظ تورم عينيه الواضح ،فقالت:"جئتك أطلب مفتاح بيتي نسيته في حوزتك" فتقدم وفتح الباب ودخل ولم تدخل حتى أذن لها بالدخول ،فوجدته على الأريكة وشكرته وأرادت أن تخرج إذ سمعته يقول:"لقد كنت أبكي هذا اليوم" وتعجبت من قوله وتخاذلت عن السير فاستطرد يقول:"رأيت امرأة في مثل عمرك الغض وبهاء وجهك على جانب القبر" قالت باهتمام وهي تلتفت إليه:"ما أوداها هناك؟ هل فقدت ابناً مد به العمر طويلاً أم قريناً أول الزواج؟". "هل عظيم حزن المرأة يأتي من هذين الاثنين؟" سأل المحقق وأجاب حيرته بنفسه فقال:"بل فقدت قرينها ،فما تواءم جسدها مع روحها منذ وقت طويل ،حتى فقدت الجسد" وسكت قليلاً ثم قال لها:"لست أفرق بين الاثنين ولكن تلك المرأة تفعل ذلك". وأرادت الصحفية أن تستدرجه لحديث غير أنها عدلت عن ذلك. وكان اختيارها سالماً من الخطأ تماماً إذ أن الرجل بدا على غير طبيعته ،ثائراً تارة ،ضاحكاً تارة ،وباكياً تارة أخرى. إنه رجل أهمّ لحبيبة في الصباح ،وبكى صاحبة في الليل وبينهما التقى بنات الأفكار المزعجات. ونظر إليها الحارس بالباب واعتذرت إليه أن أطالت المكوث ،فلم يعتب أو يشكر أو حتى يتابعها ببصره. وتلاها خروج المحقق إلى سكنه ،ولكنه انحرف عنه إلى بيت أمه في حي غير بعيد يرتفع درجة عن أحياء الفقراء وينخفض درجتين عن مساكن المترفين. وركن سيارته وانتظر خلف الباب. فأقبلت والدته في صرة فصكت وجهها وقالت:"أتأتي إلي في الحلم! أم في عالم الإدراك يا ولدي!" فأجابها وهو يحضنها قائلاً:"في أيهما شئت يا أماه". ثم جلسا على أريكة منخفضة في غرفة استقبال المنزل ،ولم يترك الولد أمه لأحاديثها الطويلة ورواياتها التي لا تنتهي بل قطع خطابها بسرعة وعلا على صوتها فقال:"أمي ،قد أتيت استفتي باع خبرتك الطويل في القرب من نفوس الرجال" فقالت في عجب:"ماذا قلت يا ولدي؟ هل تهزأ بأمك!!"
- لست بساخر أو مستهزئ ،ولكني في انفعال جامح.
- إنك ترى الدماء كل يوم ،فهل تريد لنفسك أن تستقر!.
- إن ألمي هذا لم أشعر به من قبل أبداً ،قد زارني هذا اليوم.
فقالت ساخرة:
- ماذا أكلت في عشاءك؟
- لم أتعشى.
- فذلك سبب رجفتك التي أحس يا بني. ثم ضربته على صدره بقوة وهي تضحك وتقول: هل حنيت إلى طبخي وأفجعتني آخر الليل. أيها الطفل المسكين سأنهض من سريري حتى أطعمك فما زالت أرفف المطبخ بعيدة عن متناول يدك!
وتضايق الرجل من استهتار أمه رغم الاتساع الذي حضر صدره في دفئها جانبه ،وطرافة حديثها تلقيه إليه من ثغرها المبتسم. وحين ابتغت النهوض جذب ردائها ونهض ونظرت إلى عينيه الحمراوين في ترقب ،فقال:"أمي..عانقيني أرجوك". فرمقته بنظرة تفتيش وتمحيص تريد أن تعلم الخافي في رأسه الكبير. قالت له وهي تقبض على ثوبها بكفها حاذرة:"ما ورائك؟ أين جلافتك وفساد لسانك؟"وفكر الرجل لحظة في عبارتها الظالمة ثم دنا منها فعانقته. قالت وهي تشم شعر رأسه بجدية:"يدرك الرجل ضعفه في حضن أمه ،ويدرك قوته في حضن المرأة التي يحب" "يقولون يا ولدي أن البسيطة أمك ،وأنت تعود في بطنها ضعيفاً خائفاً. وأن الحياة حبيبتك وأنت فوقها مرح سعيد" ثم قالت مغيرة في لهجتها إلى المرح:"إني أرى رأسك زال عنه دهنه" وأخذت بين أصابعها عَفْراة رأسه فراحت تعقصها ثم تمسدها ،ثم تعقصها ونصحته أن يقص شعره المتشابك إن كان يريد النساء أن يقربنه. ولم يكن يستمع إذ ذاك لشيء غير دقات قلبها المنتظمة في لين صدرها الدافئ ،ولم يكن يرى سوى زهرتين تتعانقان بشريط واحد أمامه ،من زينة الثوب وزخرفه. واستدركت الأم حديثها فقالت:"وإنك لتعقل الآن وتعرف ،ما كانت الأم موتاً ولا الحياة حبيبة إلا لأن الموت هو الرحمة وأن الحياة هي العذاب!" فابتعد الابن بحدة عن صدرها وقال:"مالك تنقمين على الوجود؟ أوتودين أن تدخلي تلك الحفرة؟". "لا يا بني ،ولكن جهلي بما فيها أحب إلي من علمي بالذي يعلوها ،أجبني إلى ماذا نسعى ونحفد؟ ولأي شيء نكد ونشقى؟ أجبني أيها المتفائل الصغير" "إني بحياتي عالمة ،ولكنه علم أردى من الجهل" فألجم فمه ولم يجب ،وأطلقت أمه ضحكة صاخبة وتولت إلى المطبخ وسمع الآنية الفخارية تغني بين يديها بلحن سعيد ،وأحب هذا اللحن بالقدر الذي كره فيه مغنية الصباح الوحيدة-الملعقة-في كف أم إلياس حين خرج. وبزغت فتاة صغيرة عاليها ثوب طويل من حرير أمام عينه ،فرحب بها وناداها باسمها إليه فقالت بصوت يماثل صوت أمه:"ما لذي جاء بك إلى بيتنا أيها الأخ الكبير؟ هل جلبت الدمية التي طلبت؟" فأجلسها على ركبته وأخذ يتأمل في محياها البريء الذي يتفاعل مع القصة التي يلقيها إليه:"هل تعلم! لقد تزوج والدي بامرأة جميلة..ولكن أمي أجمل منها" "لقد بكت أمي يوم علمت الخبر ،ولكن هدية العم أسعدتها كثيرا"
- هل تحبين العم.
- نعم ،لأنه يحضر ألعابا إلي حين يحضر بعد كل غياب طويل. إني أترقب هديته الآتية بفارغ الصبر.
ثم قفزت من حجره إلى الأرض فأصدرت أقدامها الصغيرة صوتاً قوياً ،فنادتها والدتها قائلة:"ما لذي بعثك من فراشك إلينا" ردت الصغيرة صائحة:"صوتكم العالي. أمي لن أعود إليه ،لن أعود". ثم تربعت في صدر المكان وقد ارتفع ردائها عن ركبتيها وخطفت من الصحن في الوسط قطعة بطاطس مسلوقة ،وقضمت أجزائها بنهم. وأكل الرجل حتى شبع ثم اتكأ على الأريكة فطلب إلى أمه أن توقظه بعد الفجر بساعتين. ولكن الصغيرة أبت أن ينام أخوها الكبير وقالت:"إن شئت أن تنام فاذهب إلى المخدع" قال بصوت متعب:"لست أنتمي لهذه الدار". فأخذته من يده إلى غرفتها وطلبت إليه أن يغير لباسه إلى لباس الراحة ،فأجاب أني لا أملكه. ولما كان أهل البيت من الإناث فقد جلبت له ثوباً لها وبسطته على جسده فوجدته صغيراً فضحكت وقالت:"سوف تناسبك ملابس أمي". وارتدى المحقق أحدها مكرهاً ونام في سرير الصغيرة واستيقظ على برودة بلل في وجهه ،وسره وجه الفتاة الناصع أمامه ومسح بإبهامه ماء فمها بلطف ،ثم غادر المنزل. لقد عاد إلى بدنه هدوئه واتزانه ولم تعد ذكريات الألم للوجه الجريح والوجه الحزين لتهزه ،وقد قال بصوت مسموع بنغم ساخر:"أهذا يفعله الموت!" ثم ضحك كثيراً حتى انتبه له العابرون في الممرات ،فسكت. وتقدم منه مساعده وحياه فرد التحية بمرح صاخب ،وجلس الرجلان يتحاوران. قال المحقق بعد أن استعاد حزمه:"كيف تركتك بالأمس؟ هل أبحاثك بخير؟ إن عملي يعرقل بالكثير" فبسط المساعد ورقة طويلة لها شكل فريد كتلك التي تختص بمختبرات الشرطة ،ونظر المحقق فقرأ التقرير وهو يسمع تقرير الرجل الصوتي:"يبدو أن حارس الشيخ الذي يخدم في الجيش هو نفسه مهاجم الطبيب النفسي في بيته ،طابقنا بصماته مع بصمات اليد المقطوعة في ثلاجة الحفظ قبل يوم ،وبقي أن نزور المرأة لتؤكد ذلك" رد المحقق بسرعة:"لا تهتم بهذا الجزء خاصة ،كثف أبحاثك حول الرجل" ثم ألقى إليه مستندات جمعت في حقيبة بلاستيكية وملف عريض وأفصح فقال:"هذه شواهد وصور قد تساعدك في بحثك" ثم أنهى حديثه إذ ألقى معطفه فوق منكبيه ،وخرج. وأصاب المساعد بعض الأسف على انقضاء اللقاء بهذه السرعة ،إذ أن لديه الخبر الكثير لينقله إلى علم المحقق ،ولكن الأخير انصرف ليعمل بمفرده كعادته. كان يهيئ أسئلة التحقيق في ذهنه أثناء انتظاره إشارة المرور الحمراء أن تخضر ،وطال مكوثه فالتفت ينظر إلى السائقين على جانبيه واستمع لصخب أبواق المركبات ونداءات الأشخاص بالإسراع ،إنهم أناس يعملون ولا يدرون لأي شيء يعملون!. وصل المحقق بغيته فترجل وأسرع يشق موكب ممرضات يطلبن البركة لبعضهن بهذا الصباح الجديد. واستقبلته ممرضة بوجه منفر وقالت له عقب علمها بهويته:"الطبيب ناضر إنه يكون بين مرضاه بعد نصف ساعة" "سأخبره بمجيئك أيها المفتش ،أين ستجلس؟"فرد وهو يغادر مكتبها في شيء من الملل:"سأجلس في الردهة. أرجو أن لا يتأخر". وألقى جسده بإرهاق على الكرسي البارد ثم راح يتابع خافض طرفه أقدام العابرين وأحذيتهم المختلفة. فمن سيقان الممرضات إلى عجلات النقالات المسرعة ،إلى منسأة رجل كبير. ومن تحيات الأطباء اللطيفة للعاملات إلى بكاء طفل صغير. كان العالم الذي يلاحقه في أسفله كاذب ،يناقض في أكثره قمته ،ووجد الممرض يلاعب طفلا يقول وجهه خبر " طيب" غير مقالة"أنظروا إلي" التي تصرخ بها ركبته المثنية في طريق الناس. رفع المحقق رأسه وسأل نفسه قائلاً:"هل أنا سيء الظن؟" ثم نهض ليحيي الرجل الطويل أمامه وينكر تصريحه في نفسه:"بل أنا رجل حذر". وتصافح الرجلان وشدا على الأيدي بحرارة النفاق الموقد في عينيهما وخلجات جسديهما ،وذهبا إلى مكتب الرجل. قال الطبيب حين لاحظ غياب مرافقته:"إنها تتأخر دائماً ،لو كانت هنا لرحبت بك قبل مجيئي" رد المحقق بلطف فقال:"لا عليك يا رجل ،فقد سعدت بالانتظار هناك" ثم قال باهتمام:"إن لدي بعض السؤال وأحسبك رجلاً تجيب"
- إنه استجواب إذن ،اعتدنا على هذا.
- هل حقق أحدهم معك سابقا؟
- لا تقلق لقد أكرموني لأني صديق لأكابر المدينة.
- إني لا أعرف طبيعة العلاقة فاسمح لي أن أسأل الذي يحلو لي.
- لك هذا. ولي عليك ألا أرد إلا بالذي أريد.
- فإنك تعرف الممرضة السجينة ،وإنك لتزورها في قبرها إذ ترقد منذ أمد. وإنك رجل صريح في منهجه إذ تستند إلى شواهد العلم الذي عرفت ،وإذ الممرضة آمنت بشيء لا شاهد له ولا دليل فكيف انسجم فكريكما؟
- إني رجل باحث ألتقط العلم من أي شيء صغير.
- حسن ،هل تزورها حتى الآن؟
- نعم ،ومنع عني هذا منذ الفترة المقبلة.
- آه إنها شهور العذاب الأخير ،حيث تسحب إلى الاعتراف.
- .....................
- لقد لقيتَ ربها ،كيف تصف الرجل؟ وهل تعرف أحداً من رفاقه؟
- كان مريضي فقط. وأنا لا أعرف أحداً.
- أعني صبي صغير ،اسمه إلياس.
- يغيب عن خاطري هذا الاسم.
- هل أنت متأكد؟
- ماذا تريد أن تقول؟
قرب المحقق وجهه إلى الرجل الجالس ونظر في عينيه بالشك الصارخ:
- أما كنت معبراً تنتقل خلاله الكلمات؟
- لن أجيب.
- حتى وإن قلت أن كل سبابة تشير إليك؟
- لن أقع في حفرتك التي حفرت.
- تبدو ذكياً صعب المراس.
- وأنت تبدو ملحاحاً بطيء الفهم.
- شكراً لك. ثم خرج من عنده وهو لم يكتب ملاحظة واحدة!
وسار إلى المخرج مبتسماً وقد ستر كفيه بجيبي سترته ،وتوقف لحظة حاذى فيها وجهاً يعرفه. قال بسرعة:"إني أعرفك ،هل لنا بحديث؟" فنظرت إليه الفتاة ببعض الخوف ولم تجب ،قال:"حاذري أن تخدعيني ،إنني كثير النسيان غير أني لا أنسى ملامح الناس". فبدت أمارات الاستسلام على وجهها وجسدها المشدود وتحدث بنبرة ألطف فقال:"لن آخذ من وقتك الكثير ،فقد سألتك مراراً سالفاً ومن الظلم الصراح أن أسأل. أردت أن أبشرك فقط أنك امرأة عنيفة ولهذا ستنجحين". ثم تجاوزها وهو يحك شعره الأسود ويخرج شعرة ليست منه ،قلبها في يده باهتمام ثم أفلتها وقد عرف فيها وجه طفلة الأمس ومبسمها الآسر.
وإلى البحر قصد المحقق مكان التفتيش الأخير ،ورفع السواد عن عينه ينظر إليه في وضوح السراج السماوي الكبير ،وأصغى لصوت خطوات تهرول إليه ثم عصف الهواء فاصطحب معه نبرة علية تلقي التحية العسكرية من خلفه. قال رجل باحترام شديد:"كيف حالك أيها المحقق؟ أتيتنا في سابق الوقت المتفق عليه".
- لم يشغلني شاغل فأردت أن أنظر إلى عملكم من بعيد.
- أرجو نقل الخير عني أيها الرجل الكريم.
وضحك المحقق لدقيقة ثم التفت إليهما وعلى محياه الكالح إشارة حزم وعزم"ماذا عن البحث؟" فتطوع الرجل الآخر للإجابة وكان يبدو متحفظاً غير ودود:"قد وجدنا بعض الصبية واختلط علينا في التفريق وجه طفلك الذي تنشده"
- لا يمكن أن تخلط يا صديقي ،إنه صبي حين تنظر إليه طويلاً ينقلب إليك بصرك خاسئاً وهو حسير ،في عينيه بحر كالبحر في أوله الطيب وفي آخره شر يمكنك رؤيته.
وتراجع الرجلان إلى الوراء قليلاً إيذاناً بالانصراف ،وقال أولهما للمحقق:"حسناً يا سيدي ،قد وضعنا أوراق القضية في أمانة المحقق علاء. قد طلبها اليوم. وأما حجزك فقد تم دون مشاكل ،ستكون الليلة على متن اليخت الذي أردت" "نتمنى لك نزهة سعيدة". وهتف لهما وهما يبتعدان:"شكراً لكما. أقدر لك أن قضيت لي هذه الخدمة الشخصية" ثم استدرك بسرعة:"ولن تدخل في حسبان درجة تقييمك". وتبسم الرجال لبعضهم وتفرقوا ،وموج البحر أمامهم لم يتفرق. واتخذ المحقق مجلساً من صخرة ناتئة وبعض الأسف يعلو وجهه من أن الليلة قد لا تكون مناسبة للإبحار. ولربما اعترى انتباهه غفوة قصيرة ،وسنيات متفرقات أخذن بدقائق فراغه حتى التقت الشمس مغيبها واختفت عن ناظره. وانتبه من رقاده فنهض ونظر إبان مهلة بقاياها الأخيرة إلى بطاقة الركوب في يده ،وأومأ إلى بعض ما جاء فيها ثم انطلق. ونظر إلى مقعده الذي غادره فوجد عباب البحر يلطمه بشدة ويتجاوزه في مد جارف. وقضى الرجل يفكر في هناء غفوته على الصخرة طوال إرشاده من قبل غلام قصير. قال له الغلام حين أوصله إلى مرسى السفينة وهو يمد إليه يده:"هات يا عم أتعابي وعجل أرجوك" فأجاب المفتش متعجباً:"لم نتفق على هذا" رد الصبي بنبرة ساخرة:"ألم تعلمك أمك أن لكل شيء ثمن..لاشيء يأتيك لوحده هكذا". فأخرج المحقق بضع ورقات نقدية وضعها في راحة الصبي وأطبقت كف الأخير عليها بقوة ،وطفح وجهه بالنشوة والسرور. وابتعد المحقق وهو يفكر في صبي قليل الذوق وإن ارتدى ثياباً أنيقة! وأبدى ورقته للموظف الذي حدق فيها من خلف عدساته المكبرة ،ثم أذن له بالدخول في سلك من الناس المتنزهين. واتجه المحقق فور صعوده السفينة إلى قاعة العشاء وأكل كثيراً حتى امتلأ ،وغازلته بعض الشابات فلم يجبهن وخرج إلى فناء السفينة يتمشى في رياح الليل العاتية. ولما أن رفعت مرساة السفينة وشغلت محركاتها نادى مناد في مكبر للصوت أن قد بدأت رحلتنا في سكون الظلام فاستمتعوا بليلتكم في أقصى استطاعتكمَ! وأطلق المحقق زفيراً طويلاً بينما يسمع هتافات الناس وزغاريدهم وأسند ذراعيه المنهكين إلى حائط قصير ،ونظر في عمق البحر المعتم. ووجد نفسه يقارن بين النور أول النهار حين أتى وبين الظل المدلهم أمامه الآن.
بين الليل والنهار تتقدم حياتنا حتى نفنى ونموت
أجيبوني من الأقوى أظّلام أم النور؟
أجيبوني ولا تحذروا ،سأكون حليفاً للأقوىَ!
سأتبع الظلام يا رفاقي ولن أخاف ،لأنني مع الرجل الأقوى
بين النور والظلام تتقدم حياتنا حتى نفنى ونموت
وسمع المحقق صوتاً غليظاً يقول:"لم أعلم أيها المحقق أنك تملك ذوقاً غنائياً وصوتاً بهذا الدفء" فرد المحقق دون أن ينظر إليه:"إن لي قلب أيضاً" فرد الصوت بنفس الغلظة:"ولكني لا أخالك تملك عقل المحقق". ونظر الرجلان لبعضهما أخيراً بنظرة تحد طويلة ثم قال المحقق:"ما هذه الصدفة التي جمعتني بك ،يا علاء" وحيا كل منهما الآخر بغير ترحيب شديد ،وتقدم الزائر فوقف جانب المحقق على مطله الساكن. قال وذقنه الدقيق يهتز طوال حديثه:"أنت رجل ذكي ،لو تخليت فقط عن عاطفتك وقلبك الذي تدعيه" "إني حققت في أمر المفقود فلم أعثر على أثر. وهناك احتمالان لا ثالث لهما بشأن غيابه المفاجئ..فإما أن يكون في المدينة في مكان لا تصل إليه أعين الباحثين ،أو في غياهب اليم راقداً في بطون الأسماك". وعلا وجه المحقق انفعال غاضب ،وشاء أن يلطم الرجل الذي لا يعرف مكان هذا الصبي في اهتمامه وعنايته. ولكن ذقن الرجل الدقيقة ونظارته ظلتا تلمعان في السواد الجاثم على قلب المحقق ،وفكرته المحتضرة.
إلى الفصل الثاني عشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 18-12-2011, 06:17 PM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
طيبتي أتعبتني
اللقب:
نبع لا ينضب
طيبتي أتعبتني
نبع لا ينضب
 
الصورة الرمزية طيبتي أتعبتني

 تاريخ التسجيل : Sep 2011
 رقم العضويـة : 6592
 مجموع المشاركات : 1,799
 بمعدل : 0.33 في اليوم
 الإقامة : الدمام
 معدل التقييم : 13
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
طيبتي أتعبتني غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

قديبتعدالشخص يومالسبب ما
لكن حنينه لمن أحب يجبره على العودة
لأن قلبه مازال يخفق بذكرهم ولوغاب عنهم

عرض البوم صور طيبتي أتعبتني   رد مع اقتباس
قديم 26-12-2011, 07:36 PM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

الفصل الثاني عشر
"اليوم هو أزل لا يتجدد عبرت به ثلة الأولين ووصل إلى الآخرين بشكله الوحيد ،وحين ينتهي دوره في إخبار الناس بحياتهم في صباحه مرة بعد مرة ،فإن قرنهم يكون قد ولى ،وقرن غيرهم يكون وصل" "وإن تحدثوا في حساب وتعداد ،فهو عملة واحدة ،تلقى في أيديهم ليشتروا بها" "وإن تقدم شرق المدينة بدقيقة من النور على أهل غربها ،فسيتأخر الغرب عنه بقدر سبقه من الوقت. وكل ساعة حائط في المدينة تنقلب إلى اليمين ،تقابلها ساعة في جسد الناظر إليها تنقلب إلى اليسار ،وعند الالتقاء..يرجع المرء إلى الكمون ،وتبقى دقات الساعة فوق رأسه مع مشتر آخر. وإذ قرن المدينة رحل وإذا قرن أخرى أقبل"
خاطب الرجل المعمر أصحابه المحزونين على جانبيه ،وشد على يدي أقربهما إليه وهو يقول:"أتدرون ماقال ربي في الحياة التي تعيشونها بكل ما فيها من سنوات الكبد ،قد قال أن الدنيا كماء أنزله من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح.."
"وحبيبي عليه السلام وصف وجوده فيها كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"
"افترون أن جعلها ربي ورسوله شيئاً عابراً أفتجعلونها غير ذلك!!"
"ستنتهي ساعة العسرة ،لأن لكل شيء أجل محدد ،فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". وإذ أحس خمول إرادتهم تعين مكاناً غير مجلسهم ،وجلس فيه. ثم نظر إلى أثر كلماته أزالت زرقة وجوه بعضهم ،وبقيت قطعه السوداء في وجوه الآخرين. قال الشيخ بصوت خفيض:"يغطيه غشاء يتشرب الإيمان بسرعة وببطء ،والقلوب الغلف لا تنفذ إليها كلمات الحق". ونظر إلى سنام الدابة التي ترعى في جدب الفلاة ،فتراجعت عمامته عن ناصيته ،ونظر إلى السماء فوقه فوقعت على الأرض. وإذ أطل في مجلس قومه لم يلق أحداً وأصغى لحديثهم عند الشجرة فسمع قول حارسه ورد حارسته.
"لقد أمهلنا العدو شهراً فلننظر ما نصنع فيه. فصحراؤنا خلو من الخير ،وأيدينا خلو من السلاح" وردت المرأة في شيء من الغلظة:"وإنك لم تخبرنا عن أهلك في المدينة ،لو عرفناهم لأرسلنا إليهم أن يشتروا لنا السلاح ويأتون إلينا بالخبر"
-قد أتوني به ،وأما السلاح فشراؤه عمل ليس بهين. وتحدث حسن بصوته المتزن فقال في رفق:"ليس عليك من حرج يا صاحبي ما فرطت فينا من شيء ،وصاحبك بذل فينا مساعي يبذلها الأب لابنه الوحيد" ونظرت المرأة إلى الرجلين قد استأثرا بالحديث لوحدهما وتجاهلا حديثها ووجود الكهل ،فالتهب في عينها الغضب. وليس الكهل يهتم لحديث الجنود أو يحكم رأيا ،فقد ذهب إلى سيده يطلب منه الحكمة ويحفظ العلم. وأطال الرجال لقاء التشاور عند الشجرة ،وأطلع حسن صاحباه عن عزمه في زيارة المدينة:"سأرجع إليها. إني جندي خبير بعدة الحرب ،فأنا مقاتل محض". "وأنا سأعرف الخبر اليقين من ناصري في المدينة ،فالخبر فقط هو ما يقدر عليه" قال هادي معقباً بسرعة. أما رفيقة لم تحدث بكلمة ،وسأل حسن رفيقه مستفسراً:"هل تثق بأهلك في المدينة يا هادي؟" وتضايق الرجل لشك صديقه المغلف باللطافة فقال مستسلماً:"إنها امرأة يا صديقي ،وامتحنت أمانتها بعهد صغير" وتبينت الدهشة في وجه الرجل والمرأة ،وقالت الأخيرة في خيبة:"مساعدك امرأة إذن". وكانت دقيقة الصمت التي مرت بأصحاب الكهف شديدة الوطء على قلوبهم ،قلبوا خلالها فكرة الفناء في الحرب القادمة وضياع حكمة الشيخ ،في محل تفكيرهم وقال هادي بسرعة:"إن في المدينة أهل لنا ونصرة. أخبرتني صاحبتي أن أحداً يدعى بنور الحق يرسل للناس أن يؤمنوا بربهم. إن الحق سيغزوهم في المدينة قبل معركتنا معهم" قالت رفيقة وهي تنهض:"ليس يمنع الخطر عن شيخي تشاجر أفراد لا نعلم عنهم ،ولكن يمنعه محنك يدبر أمرنا في ضيق عدد الرجال". وركنت إلى مرتفع صغير تفكر وتقدر ،وجلس الرجال في ضيق شديد. وتقدم الشيخ إلى مجلسهم واستقبله حسن فأجلسه وأظهر إليه البشر وقد غفل أن للشيخ عينان في أسفل ترقوته ،وقاطع الشيخ حديثه المصطنع في نبرة حزم ثابتة:"أيها الأبرار فاسمعوني ولا تقاطعوني ،إنما علق الله في صدوركم مضغاً حية وفي صفوف جند المدينة إنها في سبات طويل. أفلا ترون رجلاً دخل داراً في الليل أنه غانم بسبي عظيم؟ إن المعركة المباشرة لن ترد بأس جراراتهم فابحثوا في المدينة علكم ترون ثغرة تدخلون إلى عدو الله منها ،واصبروا واثبتوا في مواجهة شرهم فإن يكن منكم مأئة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين". واسترجع القوم الأمر الفارق كلمات الله التي ختمت على قلوبهم ،وكلمات الوالد التي ختمت في قلوب عدوهم حين كانوا صغاراً لينين. إنهم اطمأنوا ثم سعدوا ثم ضحكوا وراح بعضهم يسلي بعضاً. قال الشيخ في أثر تبدل حالهم إلى هذا الهناء:"وهو الذي أضحك وأبكى ،فبأي مغيرٍ بعده أتبدله؟". إن أصحاب الكهف وإن عرفوا حزنهم فقد لجوا ساخرين من شجارهم العقيم ،ولقد صفت قلوبهم حتى تنتظر تقلباً يعتريها ويرسل مهجته إلى الوجه فيحيله بهياً أبيضاً أو كالحاً أسوداً."إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". قال الشيخ ورد الكهل جانبه:"إن لربنا الأعضاء أيها الشيخ؟" أجاب الشيخ وهو يرفع يديه إلى حجره:"نعم أيها الطيب ،ولكنها ليست كأعضاء البشر. ولا يعبر بالخاطر صحيح وصفها وهيئتها. إني لا أدري لعل قلبي يرتد عن الإيمان غداً ،أو يميل إلى فعل أو قول يسخط الله علي. أيها الصاحب إن خفت مثلي نوازع القلوب فاسأل خالقها أن يثبتها على الهدى ،وأن يصرّفها على سبيل الرشاد"
- ليس قلبك مثل قلوبنا ،فأنت عشت الأعوام تملأه من نور الله. أفترى إن تغيرت أفئدتنا وقاتلناك أفأنت قاتلنا؟
- قد أقاتلكم وأنتم على الحق ،قد أقاتلكم وأنا على الباطل.
فأسكت الكهل متأملاً في خشوع ،هاهو قلب الإنسان الذي يعول عليه الشيخ الكثير من الخير ،والشر ومصائر الأجساد يدق مرة ومرة بين أضلاعه ،ساعة حبيسة حريتها هي سجن الجسد في سكن تحت الأقدام. تلك الروح من الروح الأولى وهي عائدة إليها في أجل مكتوب محفوظ. إنه ينظر خلال مخيلته إلى اليوم الأخير وتسابق الناس في أخبار الكتاب إلى رب الكتاب ليلقوا الحساب ،كلهم أوتوا أرواحهم التي كانت في الدنيا ،من غير خطأ أو نسيان. وحين يفكر الكهل فإنه يغفل عن الحوادث فيما حوله وينسى كل حديث سابق تأمله ،ثم ينقطع نظره في الأمر مفاجأة ويعود ينظر بعينيه وقد نسي صراعه العقلي ،ولا يذكره. ومن شأن من كان مثله أنه لا يتقدم ولا يفهم إذ الفكرة في أولها يبدأ دائماً حواراً طويلاً في كل مرة ،لا يزيد ولا ينقص. لقد غادر رفيقاه إلى المدينة وبقي مع سيده وحارسته رفيقه. وكذلك فإن الثلاثة انتظروا لوقت طويل.
لقد كان لأهلهم في المدينة بحث عميق في تحقيق شأنهم وتعرّف مكيدة أصحابها ،ورحلت التي كان هادي في دارها إلى دار أم إلياس في وقت مبكر من يوم الأثنين ،ودقت الجرس. وحين ظهرت لها امرأة جميله بوجه ممتلئ ومسحة من الحزن تُذبله سألت بأدب:"أنت أم إلياس؟ أنا أعتذر..لكن هل لي بالقليل من وقتك؟"وأجابت المرأة قول المرأة فعلاً فتراجعت وفتحت الباب أكثر فتقدمت الفتاة إلى الداخل. وبعين المخبر الشاهدة صدّقت مظاهر المكان واتخذت سبيلاً إلى الأريكة. ونظرت إلى مضيفتها بامتنان وخفضت رأسها لها مرتين ثم قعدت وجعلت حقيبتها الكبيرة على الأرض. قالت بنبرة ودية وهي تبعث بورقة صغيرة إلى الأم:"في الواقع إني أفتش في الأمر لأرضي شيئاً في نفسي..لن أنشر كل ما أتوصل إليه في الصحيفة ،من حقك طبعاً أن ترفضي أي سؤال ،ومن حقك أن تسألي" "إن حرس المدينة يطارد شيخاً كبيراً وعدداً من الفارين ،إن ابنك المفقود كان صاحباً للمسن..أفلا ترين الأمر غريباً أن يرحل في منتصف المعركة؟ سمعت أنه يحب سيده ويقدره كثيراً"
- اعتقدت أيضاً ان طفلي ذاهب وراء شيخه ،لكن المحقق في القضية أخبرني أن طفلي غادر قبل إطلاق سراح الشيخ ،ثم إن الجيش لا يعتقد بوجوده مع جماعة المتمردين. كل الذي أعرفه أنه راحل إلى مكان قصي جداً..طلب إلي ألا أقلق عليه.
- وماذا تعتقد الأم في نية ابنها؟
- إنه ولد غامض ،وازداد جهلي به بعد لزومه الشيخ.
- ماهي آخر أخبار بحثهم؟ هل خبروا بشي؟
وحركت المرأة رأسها علامة النفي وأرسلت نظرها إلى الأرض. واستفسرت الصحفية عن صحبة ابنها هل يعرفون شيئاً ،فأجابت الأم بفتور:"لقد اتصلت بصديق ابني فور غيابه وسألته عنه ،فرد علي أنه لم يتصل به منذ زمن طويل. وقد تعاملت الشرطة مع الموقف رغم معارضة أولياء الأمور إجراء استجواب آخر لأبنائهم"
- هل أستطيع أخذ أرقام الاتصال؟ أريد التحقيق مع هؤلاء الأطفال.
- سأحرص أن أجلبها لك.
- أشكرك كثيراً ،أريد أن تعلمي أيتها الأم أن مساعدتك لي تصنع درباً للوصول إلى مكان ابنك. إن المدينة تشتعل ،في عالمها الوهمي إنها تشتعل.
نظرت أم إلياس إلى حقيبة المرأة في حيرة شديدة ،ثم أفصحت ببعض التردد:"أتعتقدين أن طفلي غادر المدينة حقاً؟ آه أشعر أني لن أراه مجدداً"
- لا تبتئسي أيتها الأم ،ستجده الشرطة قريباً.
وتهيأت للنهوض ورفعت حقيبتها الثقيلة واستدركت بسؤال صغير:"أنت لا تعتقدين أن أحداً قام باختطافه ،أليس كذلك؟" أجابت المرأة وهي تقودها إلى الباب لتخرج:"لقد حسبت الشرطة هذا الاحتمال ،لكنها رجحت أنه خرج بمفرده". وشكرت كل منهما الأخرى وأحنت الصحفية رأسها مرة أخيرة ،وارتحلت. قلبت في هاتفها أرقام الاتصال برفقة الصغير واختارت رقماً لتتصل به بعد وقت الدراسة ،واستأجرت سيارة لتصل إلى وجهتها التالية. خاطبها السائق الذي سيطر الأبيض على خصل شعره:"من النادر أن أقل أحداً من محطة القطار إلى السجن ،إلا مجرم قرر الرجوع إليه بعد الهروب" ثم قهقه بصخب فاشمأزت منه ،وقال ببعض الجدية في صوته:"أيتها الآنسة الطريق طويل ،وإني طاويه بالحديث عن أصحابي الذين أضحوا غرباء هذه الأيام. إنهم يتصلون ببعضهم عبر أسلاك الهاتف وكلما دعوتهم لنلتقي على الأرض جعلوا أصابعهم في آذنهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً. إنهم يتبعون شخصاً يقال له نور الحق يبدو سيداً في أرضهم الوهمية..وإذا ما اجتمعت بهم تحدثوا عن حكمته ورسائله التي يرسلها كل وقت إلى رواد هذا العالم". ثم أرخى صوته وزاد من نغمة الجدية فيه ،فقال:"أيتها الآنسة هل تؤمنين أن لأجسادنا خالق؟"
- هل تؤمن أنت بهذا؟
- أفكر فيه من حين لآخر.
- وماذا ترى؟
فالتفت إليها يحمل وجهه نظرة معبرة قائلاً:"أيتها الآنسة هل تريدين أن توقعي بي.." فتفتق جفناها حتى ظهر البياض ونظرت في وجهه مطولاً ،ثم أحست سلوكها القبيح فأعادت رأسها إلى ظهر المقعد وقد احمرت وجنتاها وتخدرت أناملها وراحت تعتذر:"أنا لا أبتغي منك شيئاً يا عم..أتدري..يظهر لي أن المسيطر قدر أن يؤلب أهل المدينة على بعضهم. أتدري أنا خائفة من اختلاف قريب ،من حرب توشك أن تبدأ. أخبرني ما فعل المتحكم بمكان الداعي على أرضه الوهمية؟" رد الرجل رافعاً صوته باطمئنان:"إنني سعيد بالعيش هنا في أرض البشر الحقيقية ،أنا لا أتبع أخبار ذلك الرجل..أيتها الآنسة ألا تصلك رسائله؟" ردت في شيء من الخيبة:"ليس دائماً..أجزم أنهم أغلقوا عدداً من قنوات بثه لئلا يفتن الناس" ثم أضافت بعد لحظة من الصمت:"أن تكون باحثاً عن الخبر لهو أمر تطفلي مزعج ،غير أني أحقق الآن لأجل أحد الأشخاص ،لذا أجبر على اختراق قانون الأدب"
- أن تكون مديناً لأحد..ذلك على الإنسان عسير.
ردت في حياء:"ليس الواقع رد للجميل بل هو رغبة شخصية لأكرمه". أوقف الرجل سيارته ودعاها للنزول قائلاً:"ذلك أقصى ما تصله سيارة مدنية. تمشين بعض الأمتار ثم تصلين البوابة. أتمنى لك التوفيق". ألقت له تحية بكفها ومضت مسرعة عبر الطريق ،ووصلت المكان ورفعت رأسها تحدق في الأسلاك الصاعقة البعيدة. قدمت وثيقة إلى الحارس خلف نافذة المبنى الصغير ،فطلب منها أن تنتظر ريثما ينهي اتصالاً بالمدير. وأجاب صوته عبر الأثير وهو يرحب بالضيفة ويدعوها إلى مكتبه. وحطت الفتاة قدميها الصغيرتين داخل الحصن واتخذت سبيلاً إلى مكتب الإدارة الذي أرشدت إليه. إنها سلكت كل درب سلكه المحقق حين قدم لزيارة المدير وكل شيء كان كما كان ،غير ضياء الشمس الذي سطع على سطوح المكاتب الملساء والجلبة التي تميز المكان عن هدوئه بعد منتصف الليل. لم يلتفت إليها أحد طوال مسيرها إلى غرفة المدير بالرغم من نظرات التعجب والرهبة التي تبثها لواحظها تصديقاً لأدغال المكان وأجسام الرجال الضخمة. ولقد استقبلها المدير بعناية وكان لا يجد حرجاً من مقابلة أحدهم وأعماله متراكمة فوق طاولته ومئات الأشخاص ينتظرون. قال:"نحن نفيد بعضنا البعض. عديني أن تأخذي بقدر ما تعطين" فقالت بلهجة تحمل معنى تقديرياً كبيراً:"نعم يا سيدي ،لست أبغي الحصول على علاوة بقدر الفضائح التي أنشرها في صحيفتي ولكن أريد أن أعرف أين تتجه المدينة. إني أتيتك أسأل عن رجالك الذين هربوا ما أنت خابر بهم ،وأسألك عن رجل سيء الطبع قبيح الوجه ،له شعر طويل" تحدث المدير وهو يتوقف بين الكلمة والأخرى:"أما رجالي فهم مفقودون منذ اليوم الثاني لهروب المسن السجين ،ولحق بهم جندي يقال له هادي. رجل قدم يده ثمناً لحماية الشيخ ،هم في فلاتهم يرموننا ونرميهم ،وسنطبق عليهم قريباً. أما دميم الوجه فقد فقدناه منذ فترة ،بعد أن قضى إجازته لم يعد إلينا. إنه رجل سيء الطبع والجبلة ولقد كان يشرف على ممرضة الشيخ منذ بداية أسرها ،في تنقلها بين السجون"
- إنها تتلقى تعذيباً قاسياً ،ألم يتقدم أحد للشكوى بشأنها؟ ثم أيها المدير إني لا أفهم انتشار الوباء بين جنودك بهذه السرعة ،ألا ترى معي أنكم أخطأتم في تنشئة الجنود؟ أليس يفترض أن يكون الجندي سداً منيعاً في شأن الطلقات التي تصيبه؟ تلك الطلقات يا سيدي ألا تصيب البدن والعقل؟ ألا تصيب القلب؟ ألا تربونهم على فراغ صدورهم من العواطف والأحلام ،أنا حقا لا أفهم وجود الضعف في أجسادهم العنيدة.
وتفرس المدير في وجهها بدأ بحاجبيها المقوسين ورمشيها الوارفين ،ثم نظر طويلاً في شفتها التي اصطبغت بلون الدم ،قال:"قد تكونين محقة ،جنودنا يموتون في الحرب لأن قلوبهم خاوية من أية عاطفة ،أو على الأرجح تفيض بعاطفة الهلع ذلك هو فراغها الذي يحركهم ،ويوقفهم" "حسنا إذا أردت زيارة الفرد الذي سيمنح بحثك قوته فقط لو تكلم ،سأمنحك مذكرة موقعة باسمي. لن يسائلونك إن فعلت حتى وإن كانت أيام العذاب الأخير" قالت بسرعة:"شكرا لك يا سيدي ،ستدخلني وقد منعت عنها الزيارة. شكراً جزيلاً لك". ولقد استدعى المدير مساعدته فأتته بسجانة نحيلة يظهر لسانها الطويل كلما ضحكت أو تكلمت وترسل نظرات ماكرة إلى الفتاة التي تنحني قرب المدير. قالت لها وهما يقتسمان الممر الضيق مشياً إلى زنزانة المقصودة بلهجة كريهة:"إذن فقد سمح لك المدير بمقابلتها..حسنا أرجوك أن تتخيلي أبشع الصور أيتها الفتاة الرقيقة. العناد شيء غير محبب أبداً. حسناً من هنا" وفتحت الباب فأطلت الصحفية إلى النائمة في ظلمة المكان وأمسكت قلبها بكفها وهي تقول:"هل تشعلين ضوءاً؟" أجابت السجانة:"سأترك الباب موارباً ،أسرعي".
تحركت الفتاة نحو الجسد الهامد بسرعة فلامست ساقها إبريقاً معدنياً كان مائلاً فوقع وأحدث ضجة خفيفة وساح ماءه حتى غشى رداء السجينة المهترئ وذراعها الممدودة فانتبهت إلى الزائرة بعينين خائرتين. رفعت الفتاة الإناء وهي تعتذر ثم جففت ما أصاب السجينة من البلل. قالت وهي تخلع سترتها لتدثر الأخرى بدفئها:"إنها نسمات الخريف. يجب أن تبقي دافئة". وحين رأت الثوب الفضفاض يحيط بالجذع الهزيل تحطم قلبها وغاصت في مشاعر الأسى. إن الثعلبة حذرتها من شناعة المنظر الذي تراه أمامها ولكنها لم تعتبر. وتشنج وجهها وأطرافها وهي ترقب السجينة تزحف على الأرض صوب زاوية قذرة فيها حفرة سوداء ومقعد خشبي صغير. وطلبت إلى الزائرة بصوتها الضعيف قائلة:"أريد أن أقضي حاجتي هل تلتفتين إلى الناحية الأخرى". قامت الفتاة إلى الباب ووقفت خلفه فإذا المرأة الآثمة تلقي حذائها فوق حشرة صرصار وتسويها بالأرض. قالت وهي تلمحها خارجه:"أخذت وقتاً أقل مما اعتقدت"
- سأرجع حالما تنتهي.
- تقصدين ذاك الشيء..لماذا..نحن نستخدمه لتعذيب الشرفاء أيضاً. أنظري إليها في الوضع الذي لا تحب ،ذلك ممتع للغاية.
- أتجدين سعادة في إيذاء الناس؟
- أنا أقوم بعملي فقط. عملي كمعذبة يحتم علي أن أصل بسجينتي إلى أقصى درجة من الألم النفسي والجسدي ،ولست أرى في ذلك عيباً.
- حسناً لماذا اخترت أن تكوني في هذا المكان؟
- يا للمثالية العرجاء..أيتها المرأة الفاضلة مكاني هنا أو هناك ،هذا لايغير من الواقع شيئاً. وعملي الذي تكرهين سيقوم به شخص آخر.
- لماذا يعذب الناس بعضهم؟ لماذا لا يمكن فض النزاعات إلا بالسلاح؟ إن الممرضة وقومها يحملون رأياً..لماذا لا يعرضونه على الملأ؟ ألا تجدين خنق أصواتهم مظلمة كبرى في حقهم؟ نحن لا نعلم من الدنيا كل شيء بعد ،فلماذا..لماذا لا نعتبر رأيهم صائباً؟
نظرت السجانة إلى المرأة في ارتياب ثم قالت في غير ارتياح:
- أخبرتك من قبل إنه العناد الذي يسيطر على بعض الأفراد ،فماذا ينتظرون غير القمع! ثم لا تتحدثي في هذه المثاليات معي هنا في هذا المكان(وغمزت بطرفها) فقد تحبسين. لكني في الحقيقة غير جديرة بملاعبة فتاة غبية مثلك ،أحببت في الممرضة دهاءها..وعنادها أيضاً.
ولما أن ضاق بالزائرة الحال ذكرت فدخلت وسمعت المرأة من خلفها تصرح:"لم تبقى غير دقيقة ،أسرعي". قعدت على ساقيها ومدت يمينها تصافح المحتضرة وقبضت كفها على الأصابع الذابلة تقدم المعطف. قالت بلطف:"لا أريده..استعمليه تستطيعين أن تقولي أني أعرتك إياه ،سلميه لي عند خروجك في ذلك اليوم"
- من أنت؟ من جانب المحقق وأصدقاءه..إن كنت أتيت لتأخذي اعترافي فاخرجي.
- لست تبعاً لأي أحد. فقط..أردت أن أسألك شيئاً هل يسيء القوم معاملتك هنا؟ إني أراه تعمداً للقتل وليس لسحب اعتراف...
وقاطع حديثها سعال طويل عنيف خرج من صدر رفيقتها في علو وهبوط ،وأمسكت بكتفيها ونادت طالبة للمساعدة ،ولكن لا مجيب غير صدى صوتها الهاتف في سراديب المكان الرطبة. وأجابت الممرضة سؤالها وهي تسعل بين الكلمة والتي تليها:"ما أنت؟ أقول لك أنني بخير. شكراً لطيب مشاعرك".
- استمعي إلي..أنا صحفية أحقق في الأمر..أفيدك أني سأنقل خبرك هذا إلى سماء المدينة ليعلم الناس أنك تعذبين لأنك تشهدين بوجوده وليس لأنك قتلت رجلاً ذات ليلة. إنهم يحقدون عليك هنا لأنك تحملين هديه في قلبك فيزيدون من ويلات العذاب. العاملون هنا تفاعلوا مع فكرتك فعذبوك..وليس يعنيهم أمر القاتل في منزل الهادي.
وأخذت نفساً طويلاً بعد خطبتها الطويلة ثم نهضت ومضت إلى الباب ،ونادتها الممرضة راجية منها أن تسمع وتفهم:"أيتها الفتاة الطيبة ،قد حرقتني سياط العذاب لأنني لم أعترف ،ولم يكن لها أن تلمسني بمقصد آخر. أيتها الطيبة ما فعل إلهي بهم ،أخبريني أرجوك"
- إلهك؟ لقد ثوى أهلك إلى مكان بعيد ،إنهم بخير. إن كان ذلك الولد هو القاتل فعجلي بالاعتراف أرجوك فليس له أثر في المدينة.
رفعت الممرضة وجهها إلى السماء تنظر إليها بين قضبان الشق الصغير ،وقالت بامتنان وبصوت خافت:"كنت أعرف ،كنت أعرف..إنهم منتصرون لأنه ناصرهم". ألقت الزائرة نظرة أخيرة على المكان لتنقل وصفه بالدقة التي يرتضيها ضميرها الحي ثم رحلت برفقة الجندية إلى الخارج. "هل ما قلته لها داخل في التحقيق الذي تكتبين؟ لدي إحساس أنك تساعدين أحدهم". قالت بصوتها الصاخب وردت الفتاة في وثوق:"إني أبحث عن الحقيقة وأعلم بها الناس ،ذلك جل ما أبتغيه"
- حقاً! أتمنى ذلك. لكن لا تبحثي كثيراً حتى لا تكوني يوماً ما في مركز البحث!
- أتعلمين أنت تملكين جانباً لطيفاً ،بيد أنك تخفينه بهيئتك العنيفة وكلماتك التي تلقينها في آذان الرجال.
فتلقى خدها صفعة قوية ،وأخرى قوية ،ولكمة حطت في بطنها فصرخت في ألم. صاحت السجانة في الممر بصوتها الذي يزعج الآذان:"كيف تسمحين لنفسك أن تكلميني كصديقة؟ أنا امرأة برغم كل ما يقولون. وهل يشترط في الأنثى أن تكون وديعة؟ أذهبي إلى بيتك بسرعة". وتجمع وفد سجانات النهار يشهدن هذا الانفجار الرهيب لم تعتده غرفات السجن الهادئة. وغادرت الزائرة وهي تضع يداً على بطنها ،وتفرق الجمع فكان كأن لم يجتمع قبل هنيهة ،ولحظات. وإلى المدينة عادت هالكة من التفكير والتدبير وقصدت منزلها محطة قبل مقر العمل. وعرفت أن في الدار أحداً وتمنت فصدقت أمنيتها رأس أحمر جالس إلى جذعه ،من شجرة التين. وخفت إليه فألقت حملها وأمسكت فرعاً عالياً في اشتياق ،تعيض بهذا عن حرارة كفيه ،قالت:"أنت بخير إذن! إني خشيت أن أصابك بعض بأسهم في المرة الماضية. لا تعلم كم ظلت أجراس الشرطة تصيح في ليلتك إذ غادرت..أنت بخير..أنت بخير". ودعته إلى طعام فاعتذر قائلاً أنه قد حظي بالفعل به. فاقتربت من مقعده من الشجرة وهيأت لها حيزاً فجلست فيه. ثم سردت عليه وقائع اليوم فأنصت لها في انتباه شديد. قالت:"أي صاحبي ذلك الولد إلياس أعرف أصحابه الذين ابتغيت وصالهم. إن أمه دعتني لزيارتها مرة أخرى ،إن أردنا مبحثاً" رد في جمود:"ليس عليك أن تتصلي بهم ،سألقاهم بنفسي ،ذلك سيودي بك إلى الهاوية".
- وماذا إن عرفوا أنك أتيتني وحملت علمي عنهم ،فثقفتهم؟
- قد زرت الأم ذات يوم ،وأخذت منها علماً بشأن صديق ابنها..
- أخذت حقاً؟
- استمعي إلي تلك الأم في شتات وضياع فلن تتأكد إن أنا كنت آخذاً أم لم آخذ. أنا لا أريد أن أزج بك إلى تهمة حتى وإن كنت خارجة منها كالشعرة من العجين..ولكن أظن أني مجبر على هذا. لا أستطيع أن أزور المرأة الآن فقد تقتلني بسلاحها الموجود في حلقها فيجتمع على جثتي الناس. أنا في الحقيقة لا أريد أن أحدث لك كل هذه الآلام ولن أحدثها أبداً.
فرمقته طويلاً وقالت:"هادي ،أرجوك أشركني في تعبك ستجدني من الصابرين" رد بسرعة وهو ينظر إليها بعزيمة وإصرار:"إلى متى تعتقدين سأكتم أمري؟ إني ناشره قبل أن تنشر شمس الأثنين أشعتها ،اليوم القادم ليس بعده أو بعيده ،ذلك قرار أكيد" فبدا في وجهها العجب والغضب الرؤوف ،صاحت:"لم أنت متعجل هكذا؟ دعني أدعمك أرجوك. أسمع..لطالما اعتقدت أن دينك الذي أنت عليه إن شاركتك فيه ،سيقربني إليك زلفى..لكني قرأت من وحي نور الحق وجذبني كلامه وعلمه. فإن مشاركتي الآن في معتقدك و.." والتفت إليها ينتظر تتمة الحديث ،ولم تكمل. قال وقد مر بالبستان رائحة طيبة:"أصغي إلي ،أنا لا أدعوك إلى القتال معنا ولكن أدعوك إليه. إلى الله الذي رفع سبع سماوات وبسط سبع أرضين ،إلى من يراقب حديثنا الآن. عندما تؤمنين به فذلك مبلغ هنائي وسعدي ،وإن كشفت نفسي ثم نشرت علمي ،وحميتك ضريبة الاجتماع معاً ،فأنا سعيد..إن كنت تسعين لإسعادي"
- نعم أنا أريد مشاركتك في نفسك ،وفي معتقدك..أريد القرب منك.
فتحول نحوها بكامل جسده وربت بيده على خصلاتها البنية ،فقال:"لا أملك الوقت لمثل هذا ،لا تنظري إلي ،لا تلحقي بي. إني لن أبني لك بيتاً أو أنجب لك طفلاً ،إني لن اقترب منك أكثر..فأنا لا أجيد غير هذه الحركة". خفضت نظرها عن ملاقاته متمنية أن تنزع من رأسها كف الامتنان الكبيرة. قالت بشجاعة وعبرة تتراكض في حلقها:"أنت كريم ،تريد أن تقود أهل المدينة إلى دين الهدى ،أنا أتفهم اهتمامك..سأكون منتظرة لك..عندما تعود..والواحة التي تجد فيها الظل إبان سعيك" قال والكلمات تتلاحق في حديثه السريع:"لا أنت لم تفهمي أن هذه هي الزيارة الأخيرة ،ستبقين في ذكري شخص جاد علي بماله ونفسه ،ولكن لا أعد بيوم أطرق فيه بابك فتقدمين لي كوب الشاي" وأسكت عن الحديث ونهض ،قال:"أعتبر نفسي مسئولاً عن مشهد السجينة الذي مزق فؤادك.." قاطعته بسرعة:"ذلك من أجل عملي.."
- بل هو من أجلي أنا. أسمعي ألا أسلمي له؟ سأعلمك كيف تعبدينه خمس مرات في كل يوم وليلة.
ولقد شهق قلبها بالحب لربها ولمن حببها فيه ،فتهادت في الأنحاء كلمات الشهادة ،تنطقها حرفاً حرفاً ،قالت مولية وجهها إلى السماء:"ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع هادي لله رب العالمين". وتيقنت إذ ذاك أن جملتها قد وجدت مسمعاً حياً ،وليس بمسمع بشر.
تلك الصبية لم تحزن لذهاب رفيقها وقد وعدها أن يعيد نقودها مع رسول في وقت قريب. إنها ستتبعه وتتشبث به بالطريقة التي لا تغضبه في صفوف الجيش الخلفية حيث تجتمع الممرضات ورسل الخبر. ذلك ما عزمت عليه ،فهي لم تحزن. وبجرأته التي لا تعترف بحذر عبر مسالك المدينة وفجاجها بعد أن ودع نصرته ،والتحق بصديقه في ظل قريب. قال وقد رآه غافياً يحادث نفسه:"وفي أرض العدو نجد الأمن ،وتحت ظلالهم" وتقدم منه فجلس جانبه وسمعه يقول:"أتيت إذن ،كيف كان الأمر؟" رد متهرباً:"على أفضل حال. وأنت؟ أمر بك مزعج هنا؟"
- لم يأت أحد. إن المدينة هادئة على غير عادتها في النهار..إنني أعني رفيقتك هل أفضت إليك بشيء؟
- لقد انتهى الأمر. وأحسبها الآن من عباد الله الصالحين.
- ماذا عن حديث الجنود؟ ماذا عن صوت المدينة؟
- لم أطلبها المزيد يا..أخي..ألم يآخي الشيخ بيننا؟
ورمقه حسن بنظرة يأس ،إنه لن يفيد بحديث أو يبشر بخبر. وافترق الاثنان ووعدا أن يلتقيا في مكانهما هذا بعد ساعة من غروب الشمس. وانطلق هادي يحقق في شأن الغلام حِبّ الشيخ ،فتحدث إلى صبي من هاتف عمومي على الطريق. "إن كنت تحب الرجل المسن ،فتعال إلى الميدان الكبير بعد ساعة". قال هذا أربع مرات متتالية ثم تلفت يمنة ويسرة وغادر الغرفة. سار على الطريق الذي أتى منه وتوقف فدخل مقهى صغيراً يلجأ إليه المحبطون والمحزونون فيجدون فيه الراحة. واتخذ مجلساً أمام شاشة في آخر الدكان ،وخطت أنامله على سطحها كلمتين متصلتين"نور الحق". وفاجأه خطاب النادل وهو يقول:"كثيرون يبحثون عن هذا الشخص. يبدو أنني في عمري هذا لم أعد أفهم العالم. حسن..ما طلبك؟"
- لا أرغب بشراب. شكراً لك.
وقطب جبينه في استهجان لقلة ذوق العامل ،تلصصه حول ما يبحث عنه. وعقد حاجبيه ثانية وهو ينظر لآلاف المناقشات التي تدور بين الكلمتين ورسائلهما اليومية. قرأ"إن نور الحق شخص عادل ،ومفكر حقيقي ،هل زارتكم كلماته هذا اليوم؟ (هل تعتقد أن هناك شخص أعلى منك ،وإذا كان رأيك أن البشر سواسية..فهل لديك اعتقاد بوجود من هو أعلى منهم علماً ،وقوة ،وفضلاً؟ انشر فكرتك الخاصة وناقشها مع الآخرين)".
"نور الحق ليس له وجود ،إنه وجه وهمي لمنظمة شقية ،لا تؤمنوا بأفكاره"
"نور الحق شخص عبقري ،لو حكم المدينة لأحالها إلى جنة لا يظلم فيها أحد أحداً"
"هل يرسل رسائله كل يوم؟ لا يصلني منها إلا اثنتين في كل أسبوع"
"أنا سأحاول البحث عنه؟ لي صديق يحجب قنواته ،سيعمل على تتبعه وكشفه في القريب"
"أعتقد أن مقاليد الحكم في يد أسوأ رجل في المدينة ،هل نصرخ جميعاً؟"
"هاي ،ما تعتقدون هيئته تكون؟ ربما يكون امرأة! أو رجلاً وسيم. لكني أرجح أنه ذو مظهر سيء"
"إنها خزعبلات وألاعيب ،أعرف أنها حيل الفقراء. أن يجعل الناس طبقة واحدة عند من لا نعرفه ،ولا نراه."
"هاي حصلت على معلومات بشأن منزل قديم كان يجتمع فيه شرذمة مشكوك في أمرهم..ما رأيكم أن ننظم رحلة إليه؟ بالمناسبة سمعت أن مصيبة حلت فيه قبل فترة ،جريمة قتل وحشية! هل سيذهب معي أحد! أفضل لو كن فتيات يركنّ إلي حال الخوف!!"
"ما لمشكلة في الطبقة الدانية من المدينة؟ أنا فرد منهم وأجزم أنني خير وأفضل من أعاليها ،من يصموننا بالحثالة ،بطونهم منتفخة بالمال النجس"
"أنا فتاة يتيمة ،حتماً سأشترك في أي مغامرة متهورة فقد أردت الموت منذ زمن"
"يمكنك أن تنظر إلى الحروف التي يبعثها إلينا ،إنها صور من كتب بالية لكنها مليئة بالعلم. تمعن في المعاني (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). هل درست الآثار؟ أنا عالم بها ربما يمكنني أن أعرف من أولنا ومتى سيقدم آخرنا. ربما نور الحق مبشر منهم. لكن هذه المدينة تحيط نفسها ببحر كبير وبيداء لا تنتهي..ربما سأستأجر سفينة وأختار البحر"
"قرأت الكثير ممن يحفرون قبورهم بأيديهم..ربما نور الحق يشاهد هذا ويضحك الآن"
"لقد دخلت إلى مكتبته ووجدت العديد من الكتب..لكنهم أغلقوها. أرشديني إلى قناته الأخرى أرجوك يا زهرة"
"هذا الشخص لو وجدته لجعلته بطلاً لعملي القادم ،لن أذكر اسمه لكي لا يعرفني أحد"
انتهت منحة البحث وتقدم هادي فدفع ،وودعه النادل بأسنانه الصفراء النتنة. وأحس أنه المقصود في أحاديث المارين من حوله فتنهد وتمنى لو ابتاعت ريحانة قميصاً أوسع من الذي يرتديه. وبدا انكسار ضوء الشمس الأحمر على الأحمر أعلاه حارقاً ويهيج عين الناظر. ووصل مكان الاتفاق فوجد صبياً قصيراً يجول حوله في شيء من التوتر. حياه فانتبه إليه ودعاه إلى مجلس قريب فأجاب بعد لحظة من التردد. سأله هادي عن أصحابه فنظر له الغلام قليلاً ثم أفصح قائلاً:"أنت الصوت على الهاتف؟ إن أصحابي لن يأتون"
- لماذا؟ أنا رجل صادق. إذن انقل هذا لأصحابك ،إن الشيخ كلفني أن أقول لكم هذا(أنتم في موضع الصواب ،أثبتوا على الحق ،أنا لم أتخل عنكم وستكونون سندي في وقت قريب. لاتنسوا أطيعوا آبائكم وقبلوا أمهاتكم قبل ذهابكم للفراش. أنا أدعو لكم. أثبتوا يا أحبابي).
ونظر الصبي مطولاً في وجه محدثه ثم صد عنه ونظر إلى البعيد ،وبدا لهادي غرقه بتقليب مقالة الشيخ في رأسه الصغير. وانتبه الاثنان إلى صبي متعلق بجذع عال من شجرة يفتش بناظريه ،وعرفه الطفل فأسرع نحوه. ناداه وهي يخف إليه:"نحن هنا..تعال". وقفز الصبي من علوه إلى الأرض وتأوه قليلاً وهو يدلك ساقه بيد واحدة ،ثم هرول إلى مجلسهم.
- هل غيرت رأيك وانضممت إلينا؟
- هل هذا هو السيد الذي اتصل بنا؟. قالها وهو يفحصه من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. ورد صاحبه معاتباً:
- عليك أن تكون أكثر أدباً في حديثك معه ،إنه رسول الشيخ.
ونهض هادي وخطى اثنتين ثم قال:"أنتما أتعرفان شيئاً بخصوص صديقكما المفقود؟" ورد الصبي الواقف ببعض الغلظة:"لا نعرف شيئاً. قد مللنا هذا السؤال. ذلك الصبي كان صديقاً حميماً للشيخ ينظر إلينا وكأننا دخلاء ،هو لم ينسج وشائج صداقة معنا ،بل كان صبياً متكبراً"
- الكبر شيء ليس بجميل. لم تخبراني عن اسميكما؟ وأنا بعد لم أخبركم عن اسمي.
قال الطفل الذي أتى أولاً:
- أنا هشام ،وهذا غسان. نحن مقربان منذ البداية. في الحقيقة أنا لم أحضر مع الشيخ سوى مجلساً مفرداً ،فإنك ترى أني لا أعرف عنه الكثير. وددت لو سألته عن أشياء وأشياء(ثم أكمل بانكسار) لكنه رحل. (ثم قال بحماسة مفاجأة):بما أنك صديق سيدي فلابد أنك تعرف الكثير..ما أخبرك في أمر الجن؟ وأين الملائكة؟
نظر هادي إلى وجهه الذي اندفع فيه الدم وعينه التي لا ترمش ،قال:
- أما الجن فقد لقيت أحدهم..شيخ يظهر ويختفي ويفعل المعجزات ،وأما الملائكة فأعرف أنهم طيبون طاهرون ينقلون رسالة الله إلى مصطفيه من الدعاة..آسف إنني لا أعرف الكثير.
رجع الصبي المتحمس بتعبير خائب وخفض رأسه ينظر لحذائه ،أما الآخر فقد انشغل بحك رأسه في غير اهتمام كبير. قال هادي وهو يهم بالمغادرة:"هشام وغسان ،شكراً لكما(ثم نظر ناحية الأول واستطرد) أخبر صديقك بالذي أخبرتك به". وأولاهما ظهره فسمع صوت الأخر يقول بهدوء:"أنت الرجل المطلوب ،أليس كذلك؟ أنت لم تخبرنا عن اسمك" ولم يلتفت إليه هادي إذ كلمه وجاوز مقعداً آخر ،فتبعه الصبي وهو يقول:"أتعلم كم عرضت الشرطة على جثتك؟ الكثير من النقود..وبالطبع التسهيلات". ولحق بالصبي صديقه وهو يرجوه أن يترك رسول الشيخ ،فرد في كبرياء:"إنني غير مهتم ،رغم أنني من طبقة وضيعة والمكافأة ستحركني منها..(ونظر إلى العابرين) إلا أنهم لن يتركونك بالتأكيد" ثم ربت على ظهره وهو يقول:"كن حذراً". فتركهما هادي وهو يشير لهما من البعيد:"ستكونون في كتيبتنا قريبا يا رجال!". وقفل راجعاً إلى الظل مكان اللقاء ،وانتظر.
ولقد غربت الشمس كلياً ولكن حسن صديقه لم يأت فتضايق وتأمل خيراً ،وضاق صدره أخرى فنهض. وأوصله إلى الجادة التي أشار إليها حسن رجل نحيل ،بائس المنظر لم يهتم لتقاسيم وجهه أو بروز عضله ورضي بالقليل. وترجل هادي من مركوبه وجال بين الأزقة في سكون الليل وحدق بعينه عله يعثر على رفيقه الضائع. ونادته عجوز تجلس إلى سلم قصير فأجاب ندائها واقترب. قالت مكشرة عن بقية أسنانها:"أي رأس هذا الذي أراه؟ دعني أعقد خيط الدم(شعره) هذا في ثوبي فإنك حينها ستكون بخير". وعرف هادي فيها ما أرادت خيراً وهي قصدت مأرب المال. فأعرض عنها وأكمل طريقه ،فخاطبته بصوتها الخشن المتعرج:"سأجعلهم يلحقون بك ،أبنائي سأجعلهم يؤذونك" ثم نفضت ردائها الغليظ عن كتفيها فقفز أمامه ثلاثة أقزام يتلاحقون ،قالت وقد لمحت دهشته:"اخفض لي جناحك يا هذا ،فكل من يمر أمام عيني لا يعود سالماً" خاطبها بسرعة:"أتخوفين الخلائق بهذا؟ أنا لا أريد أن أعلق نفسي ببشر" فزمجرت بغضب وأوقعت بردتها فدخل فيها الثلاثة وهم يتضاحكون ،صاحت بهم الحيزبون:"اخرجوا ،لم أقصد أن أدخلكم..قد أسقطتها سهواً ،أخرجوا وآذوه". فتقدم الثلاثة منه وأحاطوا به وأصدروا صوتاً قبيحاً صاخباً ،فتراجع هادي إلى الوراء وحاول التخلص منهم ،صدع بصوت عال:"أعوذ بالله منكم ،أعوذ بالله منكم". فكان ما كان في يومه ذاك وصرخت المرأة بغضب:"من هذا ،من ذا الذي تعوذ به من قوتي؟" ثم قفزت في خفة غير معهودة على من مر بعمرها وقالت في هلع:"ربما ،ذلك الرجل..في الحارة المجاورة..إن الناس يتوافدون إليه بكثافة" وتحركت إلى موقف هادي فجذبته من ياقته وهي تصرخ:"أخبرني عنه..هل يحرسك من شري دائماً..لن أدعك حتى تخبرني". ولم يكن هادي بحاجة لسماع شخص بصوت هذه العجوز ،ولم يكن بحاجة إلى اشتمام رائحة فمها النتنة. قال لها بسرعة وهو يحل أصابعها النحيلة من ثنايا قميصه:"إنه أقوى منك ومنه ،إنه من قال:(إنه كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) ،إنه الله".
- حسن ،أخبر سيدك شيئاً ،أنا سأصيبه بكيدي فلينظر ما يفعل.
واقشعر جلد هادي حين سمع كلماتها المتكبرة ،فصاح فيها:"إنك تقولين كلاماً كبيراً ،لقد حاولت إيذائي فلم تقدري فكيف ستؤذين من حماني من أذاك؟"
- ستكون حياتك شقية ،أيها الشاب. (ثم استدركت) يبدو تابعك بخير.
فرد متعجباً :
- تابعي؟
وابتعدت وهي تتسخط بصوت خفيض. سار مكتئباً يفتش عن وسيلة يتصل خلالها برفيقه ،وتألم كثيراً إذ لم يجد. وجلس على سور قصير ونظر إلى القفر وراءه ،واستذكر تحدي الساحرة فاقشعر جلده ثانية ،ولاذ بذراعية تضمانه من سكاكين البرد. ولكن ساعة مضت فقرر أن يسير تارة ثانية وغير في اتجاهه. وألفى ضجيجاً يقترب من أذنيه كلما اقترب خطوة إلى وجهته ،وأضواء ساطعة. وجد نفسه وسط باحة تبدو لسهار الليل ،يسمرون فيها ويسكرون..ويغنون أو شيئاً من هذا. وسأل مقامرَين جلسا إلى بعضهما يلعبان الورق عن رجل بارز الصدر كبير الرأس ،أرأوه في الجوار؟ لكنهما نظرا إليه بغير ألفة فاستحب بعداً عنهما ،ولم يكن راغبا بالدخول في مشاحنة تهدر وقته. وجاوز ساحتهم إلى شارع تنيره مصابيح الجسر الذي يعبر فوقه ،فأبصر سترة صديقه تضيء في آخره. ومشى إليه فألفاه ينهي خطاباً مع رجل سمين ،نبهه بضربة خفيفة على كتفه:"أين أنت؟ هل نسيت الموعد" رد حسن ببعض الاستغراب:"لم أنسه ،اعتقدت أنه يمكنني العثور على أسلحة هنا. أنا آسف لقد اندمجت في عملي".
- لا عليك ،لكن ،هل هذا المكان آمن للحديث؟
فتلفت الرجلان وهمسا لبعضهما:"هل لاحظت هذا؟".."نعم لاحظته ظل يظهر ويختفي" وقال حسن بهدوء شديد:"هل نتقدم؟ أو نتعامل معه؟" رد هادي بصوت أهدأ:"لا أجد المكان مناسباً لمناورة..الأجساد ثائرة هناك"
- إذن سنتقدم قليلاً.
وتقدم الرجلان حتى بلغا منطقة هادئة ،ومازال الظل يلاحقهما في سكون ،وأخبر حسن صاحبه بنيته في نظرات عينه وأخرج خنجره فأمسكه وضعية الهجوم ،واقترب إلى التابع فأشهره في وجهه. ويالتعبير الذي أخذ ملامحه آنذاك ،مزيج الدهشة والتحفز والعنف الذي يتطلبه القتل ،أو الهجوم. قال بقسوة:"من أنتِ" ولكن محيا الفتاة ظل واجماً لا يدرك شيئاً ،وسحبها حسن إلى صديقه الذي اقترب هو الآخر ،فدهش وصاح:"دعها إنها رفيقتي". فهرعت الفتاة إليه وهي تبكي وظلت ترتعش في ذراعيه لربع ساعة أو يزيد ،قال لها لما أن استعادت هدوءها:"أكنت تتبعين أثري؟ لماذا تفعلين هذا؟" قالت وهي تحاول الوقوف بمفردها:"ظننتك بحاجة إلى المساعدة..آ..أعني أني سأفيدك" رد وهو يسدل ذراعيه حول جانبيه:"ماذا لديك؟"
- إن..رجلاً يشك أنه نور الحق ،سيلقي خطاباً في الاستاد الرياضي هذه الليلة..ربما إذا حضرنا ،ربما نتحالف معه.(فنظر الرجلان لها طويلاً فقالت بسرعة) أعني أن تحالفكم معه سيدمغ الأعداء أكثر من قوة صغيرة..ألا ترون هذا؟ بالطبع سأوفر تذكرة الدخول.
- تذكرة؟
- لقد كان الحضور مفتوحاً للجميع ،ولكن أعداد المقبلين فاقت مساحة المكان. من حظي الجيد أني كنت في المقدمة وإلا لما حصلت عليها.
واستحسن الجنديان فكرتها فذهبا بصحبتها بعد أن غلفا وجهيهما بكمامة تخفي معظم ملامحهما ،واستقرا بعيداً عن بعضهما لكي لا يثيرا الشكوك. وقبل أن يصعد رجل فارع الطول أدعج العينين خفيف الشارب يبدو في الثلاثينات من سنوات قضاها حياً إلى منبر يطلع إلى الجمهور الحاشد ،رن الهاتف بين الاثنين فاهتز المقعد بأكمله مرتين إلى أن أخذته بكفها ،وأغلقت أذنها الأخرى كي تستمع إلى المتحدث على الخط. قال:"كيف أنت؟ أردت أن أخبرك أن توقفي نشاطك وتأخذي إجازة منذ الغد ،ماذا تقولين؟" ردت في استهجان وهي تعلي صوتها ليسمع:"لماذا أيها المدير؟ هل تقول لي أن أترك كل شيء وأرحل؟ لقد وصلت نقطة حرجة..سيكون تحقيقاً رائعاً"
- أخبرتك..هذا أمر..ليس مني بل من عند من هو أكبر مني. لقد اتصلوا الآن وأجبروني أن أوقف التحري بشأن القضية ،وليس بوسعي عصيانهم.
ومرت لحظة صمت طويلة ،قطعها صوتها الهادئ وهي تقول:
- فماذا إن لم أفعل؟
- فأنت لا تنتمين لصحيفتي بعد الآن.
قالت بنفاد طاقة:"حسن ،فهمت. سأوقفه" رد منهياً حوارهما:"حسن فعلتِ. أتمنى لك عطلة سعيدة حتى تجدي موضوعاً آخراً". واختفى صوته الأجش في أذنها وقبضت على الهاتف بين أصابعها في قهر ،ولاحظ هادي أمرها فسألها:"ماذا حدث؟" قالت وهي ترقب الطويل يبدأ خطابه:"لقد أوقفوه ،لكنني لن أوقفه".
- هكذا إذن.
وبدأ أدعج العين خطابه فاستمع الناس له وأنصتوا ،وخيم على المكان صمت مطبق. وبصرخة واحدة تزعزع هدوء المكان ونظر هادي بفزع إلى حمامة السلام وقد أصبحت جريحة تحت قدميه واختلط دمها القاني بثوبها الصافي الذي رآه في المرة الماضية. واستمعت الآذان إلى خطوات رجال الأمن الراكضة وهي تلحق بملثم قصير ،وتوقفت مكبرات الصوت عن نقل الصوت وتدافع الناس وبقي نحيل الوجه منتصباً إلى منبره.
إلى الفصل الثالث عشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 26-12-2011, 11:08 PM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
الطيبة
اللقب:
مشرفة على منابع الرياضة والترفيه والتسلية

 تاريخ التسجيل : Oct 2010
 رقم العضويـة : 5300
 مجموع المشاركات : 1,773
 بمعدل : 0.30 في اليوم
 الإقامة : كويت
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الطيبة غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة












عرض البوم صور الطيبة   رد مع اقتباس
قديم 06-01-2012, 10:39 PM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحبا ً بالجميع..

الفصل الثالث عشر
"والعصر ،إن الإنسان لفي خسر ،إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". قرأها الرجل الأشيب ببطئ وتهجي ،وامتن لهادي حتى كاد لينحني له. ومنعه الأخير قائلاً:"اركع لقائل هذا الكلام. ليس بمقدوري أن أنقل إليك الكتاب. إن بين دفتيه سورة باسم بني خلقتك..إنه منزل من فوق السماء إلى كافة المتظللين أسفلها من جن وإنس". فقال الجني رداً لمقولة مكرمه:"قد داويت مأربي يا صاحبي ،لو ما أنزل من الكتاب على الخلق إلا هذا ،لكفاهم". وترك الرجل ورديفه المكان وانصاعت الراحلة لأمرهما فتوجهت تلقاء كهف صحابهم. قال هادي بادئاً بحديث:"ذلك الرجل الأشيب أمهلني يومين وعداً فأخلف. ربما أشغله طارئ ما" "أتعلم يا صاحبي ،ما فعلت إذ فعلت في ليلتي المنصرمة إلا لؤماً ،وابتعاداً عن خلق الرجل. إن هروبنا مشينة في حق أحق عزيز وجب علينا أن نتبعه ،ونحرسه. ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لفضحت نفسي وأسعفت جرحها ولم أولي دبري كالصاغر الحقير". ولم يرد المخاطَب بكلمة واختار الصمت على الكلام ،حتى انتزع المخاطِب منه الإجابة انتزاعاً حين هوى على صدره بقبضته القوية ،صاح:"لا تلتفت يساراً ،لا تهرب. ألا تريد أن نعود؟" حدق فيه حسن ببعض الغضب:"إن وقعنا بين أيديهم فإن نور الشيخ سيظلم. إن غايتنا نشر علمه بين الخلق ،استرخ وسكن نفسك وناصرتنا ستكون بخير. أنت ضعيف سريع التأثر وصفاتك لا تناسب الجنود ،دع إحساسك المرهف يذهب بعيداً". فتوقف هادي عن التأوه واستمر يراقب الطريق ويفكر في المصير ،في أهل المدينة الحائرين ،في سلاطينها المسيطرين وفي قوة الهجوم التي تملكها على اليابسة حتى أساطيلها الصامدة في البحر الكبير. لتصل كلمات الشيخ إلى البشر لابد من القتال مع الذين يقفون عقبة في الطريق. في ذلك الطريق آذان بريئة ستموت وأخرى مذنبة قد تحيا ،فلا تقوم الحرب إلا على جثث أناس طاهرين. فكر كم سيقتل من آدمي لا يعلم عن قلبه شيئاً ،فكر أن أقرابه ليسوا مستثنين من هذا. وتفجرت في ذهنه أمنية الطريق المباشر ،أن يقتل عمدة الشر غير مضطر للدوس على جماجم المساكين ،لو كان في الأرض نصف يلجأ إليه الخيرون ،وبعيدا يتفرق الأشرار ويلعبون. لو كانت بطون الأمهات لا تأتي إلا بالأخيار لدامت مدينة الفضلاء ولكن لا ضمان ولا توثيق.
قضى الرفيقان الليالي التي مرت بهما معا وبدت المسرة جلية على وجهيهما حين اقتربا من مضارب القوم ،وتحين الجندي هادي بقعة طيبة فضرب الناقة في بطنها فجلست وترجل منها. قال لصاحبه الذي ارتفع في محياه العجب:"استأذنك يا صاحبي أن تتم طريقك من دوني. إنني عائد". ثم حمل صرة الزاد فألقاها فوق كتف صديقه الراكب وساعده في النزول. ومضى بالناقة من غير أن يسمع من رفيقه كلمة واحدة. وحين جن عليه الليل ركن إلى ظهر ناقته التي أناخت جانب نار أوقدها من حطب أصاب الندى أكثره ،وتلحف بكل ما يحمل من الثياب يتقي قر الصحراء. ولقد بلغ منه الجوع ما إن معازفه لتعلن في بطنه الألحان ،فأرخى صرته ونظر إلى طعامه فيها ثم أوكأها وترك ،وانسلخت ساعتان من ليلته بعد ذلك فعاد إلى صرته وفتحها ثم تذكر طريقه الطويل فألقاها جانبا. إنه فعل هذا حتى نام وأيقظه صوت بطنه حين دجى الليل الأخير ،فقام وضرب التراب براحتيه ومسح بوجهه من الأثر ،ثم تخير موضعا فركع فيه وسجد ،للذي ألهه ورببه على كل الناس ،وقرأ من كلامه ما تيسر على حفظه أن يذكره. وفي التفاتة تحيته لمح ثوب الأشيب تقلبه الريح في ضوء ذكائه فقلق ،وتوجس في نفسه الخوف. وحادثه الأشيب قائلاً وهو ينهض:"لقد أتيت بنفر من قومي يستمعون إلى القرآن(فتبصر هادي ولم يلق أحداً وتعجب من أن الناقة لم تصدر صرخة الخوف كسالف أمرها)وأكمل الشيخ:إنك لن تراهم ولكنهم يسمعون. أنت مستأمن في أرضنا ومن معك لا يمسك منا شر أو مضرة ،وما أخلفت إذ أخلفت وعدي إلا أن ألزم جميع قومي بهذا ،إني لم أنوي إيذاءك منذ البداية ،وتعلم يا مبشري أن النفوس لا ترتدع إلا بالقوة وشدة الكلام". ثم رحل الجني الكبير وأفراد عشيرته وتركوا الغريب واقفاً إلى قبلته. وطرد شدة الظلام سراج السماء الوهاج وسار هادي قبل أن تغمر أنواره كل شيء. وتعاقب الليل والنهار حتى وصل قبلته فعقل ناقته في خانها الخرب وأخذ طعامه وابتعد ثم تغلغل داخل المدينة فوجد بستان أهله ودارهم خلواً من الأنفاس ،وذقنين يلمعان قرب بابهم في مدلهم الليل. وخاب راجعاً يسيح في طرق الحي وشوارع المدينة ،وهداه فكره إلى أم الصبي فأيقظ أذنها النائمة صوت جرس المنزل المتعاقب ونهضت مهطعة إلى لقائه. قال وقد رأى الخوف في عينيها المفتوحتين بشدة:"صاحب الشعر الأحمر الذي حذروك منه ليس إلا رجلاً يبحث عن الحق ،ويصاحب صديق ابنك". فتركت له الباب وذهبت إلى المطبخ وقد هالها شحوب لونه وارتعاش أطرافه ،وقادته ساقاه المنهكتان إلى غرفة المعيشة وتركت فوق الأرض قطرات ماء همين من أكمام ثوبه وجلس. وحضرت المرأة فأطعمته وسقته ودثرته في غرفة دافئة وشدت وشاحها الصوفي على منكبيها وارتحلت وهي ترتعد.
وأحاط بأناس الحي اجتماع الخوف والبرد وهم الذين لا يعلمون ما يكون تنبؤ عقلاء المدينة بعد غد أو الغد الذي يليه ،وخلت السبل خافتة النور من المتجولين إلا قليلاً ،وكثفت الشرطة وجودها في الشوارع القريبة من مسكن المجني عليها وفي كل الضواحي الدانية منه ونامت الأعين على صوت صفارات الحرس ونباح كلاب الفريق. قال رجل الشرطة مخاطباً الحارسين قبل طلوع الشمس من مشرقها:"كان حشداً كبيراً في ذلك الملعب. لا أدري لأي شيء تجتمع الأنفاس هناك! وبهذا استطاع الجاني الهرب منا بسهولة". فلم يجبه أحد المتصلبين بكلمة ،فقال مكملاً بتثاقل:"والآن ..وقد انسل من أيدينا أول خيط يوصلنا إلى المقتحِم..فكيف سنبدأ". ثم ألقى نظرة طويلة في البيت الخالي والبستان الصغير جانبه وغادر بسيارته إلى أهل البيت في المشفى. كانت طرقاته الداخلية هادئة كعادتها ورتيبة ،ولقد تبادل مع المدير ورقة وقاده الرجل إلى غرفة المصابة وهو يقول:"يتبدى لي أن إصابتها ستتحسن في البيت. زادها الطبيب يوماً ترتاح فيه بيننا ،في عناية الممرضات". وطرق الباب فأذن له ،فدخلا وقدم المدير كرسياً للرجل فجلس. وتمنى للمريضة شفاءاً عاجلاً ثم خرج. نظر الرجل إلى الفتاة التي تتكأ على السرير ولم يكن يتضح وسط ذبولها غير شفتيها النابضتين بالحمرة الشديدة ،وفتح شفتيه بالكلام فقال:"كيف حال إصابتك؟ أتمنى لك الشفاء العاجل. تعلمين..في مثل هذه الظروف يضطر الفرد أن يكون لئيماً حتى ينجز عمله..أعذريني فجميع أسئلتي يتوجب عليك إجابتها..هل أنت موافقة؟"
- ليس لدي خيار سوى أن أوافق.
- حسناً..أقول للإفادة فقط أنت تتعاملين مع هذا المركز في تعهد صحتك أليس كذلك؟
- نعم منذ أن أصبحت صحفية وأنا أفعل ذلك.
- ووالدك؟ أعني الطبيب أدهم يعمل هنا أيضا؟
- ذلك أنه باحث مطلوب ،واختاره المدير ليعمل هنا.
- هل المدير يقرب لوالدك بأي حال من الأحوال؟
- إنه زميل دراسة حسب ما أعتقد ،وله ووالدي آراء في الإنسان والمجتمع. هو جراح كبير مازال يقوم بعملياته من حين لآخر.
- المدير هاني أليس مقرباً للحكومة؟ كون التحقيقات الإجبارية لا تمرر بغير إذنه؟
- أن يتحدى قطاعا حكومياً كالشرطة..أليست اتفاقية حماية المريض التي عقدت قبل سنتين مضت؟
فحرك الرجل رأسه في ارتباك ونظرت الفتاة إلى وجهه البليد مطولاً حين قال:
- أسألك عن الجاني ،هل تعرفينه ،هل قابلتيه؟ ربما عملك كصحفية جعلك وجهاً معروفاً.
- يا سيادة المفتش أنا لم أميز هيئته إذ رماني برصاصته..أخبرني بعض الأصدقاء أنه أطلق علي من أعلى مدرج قرب البوابة فقد استطاع أن ينجو بنفسه.
- أمم ،حسناً ربما علي أن أخبرك بمسكنك المؤقت في مكان قريب. سمعت أنك في إجازة من العمل وأعتقد هذا ملائماً لمثل هذه الظروف..وسيرافقك حارس في تنقلاتك الأخرى.
- ووالدي؟
- سمعت أنه في الشرق يحضّر لأحد المؤتمرات ،سيلحق بك حال قدومه.
- شكراً لك ،أفيدك أنني في تحقيقاتي لا أصنع الأعداء.
- لا نعلم ما يجعل الآخر يغضب منا..فقد تكوني الآن عدوتي إذن!
ثم نهض متهيئاً للمغادرة وقال وهو يفتح الباب:"سيسألك محقق قدير بعض الأسئلة..يعتقد بجدواها في قضية يعمل عليها حالياً ،أتمنى ألا تنزعجي. تفضل يا حضرة المحقق". فدخل المحقق الذي بدأت معه أول أسئلتها إلى الغرفة واحتل مكان الآخر بهدوء ،قال أول ما قال:"كيف هي السجينة؟ لا أخالك تنشرين مآساتها بعد الذي حصل" ردت وهي تقدم ظهرها مستعدة لحديث طويل:"بل سأنشره ،ذلك ما عزمت عليه. مازلت لا أفهم الذي يحصل في جنبات مدينتنا الهادئة وفي أزقتها المظلمة ودواخلها الصامتة. إن الناس يتوجهون إلى ربهم الذي هم به مؤمنون ،أنا أيضاً اتجه إليه ومن واجبي أن أفهم الطرف الآخر. إننا في شقاق داخلي قد يدمر. لهذا..سأنشر ما رأيت حالاً ليأتي الآخر بسكينه إلي فأجلّي له الأمور. سأخرج للعيان بالتأكيد" قال وهو يقرب بنظره إلى وجهها المتحمس:"هل هذا اعتراف باقترابك من جماعة المتمردين ،من فكرهم؟ أنت إذن توالينهم"
- أوالي نور الحق ومن اتبع سبيله ولو كان القوم في الصحراء.
- بالمناسبة من كان بصحبتك إبان خطبة الخطيب؟
- لم يكن بصحبتي أحد.
- بالرجوع إلى الوراء ،فأنت ابنة الطبيب النفسي الذي هجم عليه في صباح ذلك اليوم ،ومن إفادتك لنا أنت لم تري المجرم ،لكن..لو أنك رأيته هنا قد تتبدل كل الأحداث. عموماً أصبحت اتهم الجميع هذه الأيام غير أني أريد تفسيرا مقنعاً بشأن الذي اختارك من بين جميع الناس ،إلا أن يكون لك خيط تدلين فيه بين يدي قضية ما ،لن أسميها والذي اعتقدوه نور الحق قائم ينادي ،لن أحددها وأنت باحثة بين طياتها في كل بقعة علم في المدينة.
- ربما أخطأ الرامي الهدف ،ربما قصد شخصاً آخراً.
نظر المحقق صوبها نظرات نافذة ،وقال:"هكذا إذن ،تفسير منطقي شكراً لك ،سأغادر الآن".
ولقد عرّج على منزل الحبيبة في المساء فاستقبلته بغير ترحيب كثير ،قال لها ليجذب اهتمامها:"بشأن بحث الشرطة حول ابنك إلياس..تأكد أنه لم يخترق سبيل البحر ،والبر أيضاً..وأنا أرى أنه لم يغادر المدينة". لم تزد على مقالته بكلمة وظلت ترقب الفراغات بين ألواح الأرضية في شرود كبير حتى قال:"نعم السيارة لا تستثنى من هذا ،إن ثبت أنه ركبها في رحلته" قالت بعد أن انتظر حديثها طويلاً:"ليس عليك أن تحتمل مشقة المجيء ،كنت سأمر بالمركز على أية حال"
- لا عليك ،إن هذا وجب عليه أن أقدمه. كأني أستمع إلى شخير مريض(ثم سكت طويلاً وأصغى ،فنهض) قال: ليس من طبعك استقبال الرجال ،أم إلياس هل تؤوين أحداً؟
فنهضت بدورها في استعجال وحرست بجسدها الباب وقالت للمصر حين اقترب منها:"إن كنت تحبني فلا تفعل". وأطل بنظره في ناظريها فسرت في عروقه لمحة التوسل التي حدجته بها في حرارة ،فتراجع محجماً عن عزيمته كشف النائم وقال:"هل..تتزوجينني إن أنا التزمت بطلبك؟" قالت بملئ فيها:"أفعل ،أفعل هذا" فابتعد أكثر وهو ينظر في غير ناحيتها قائلاً:"انسي ما قلت..سأذهب الآن. استطيع أن أساعدك إن كنت واقعة في مشكل ما ،اعتمدي علي..أريد أن أقول لك أني أحب أن أقوم بهذا فامنحيني فرصة القيام به" فلما أن توارى وراء الباب ارتاح جسدها واطمأنت عضلات وجهها المتقلصة وسكن فؤادها في موضعه. وما إن رأت النائم يقظاً في غرفة المعيشة أمامها حتى خفت إليه وهي تقول:"أنا لا أستطيع إخفاءك أكثر من هذا. في طرف النهار أتاني رجل وعرف بوجودك. أنا آسفة انج بنفسك. إنني امرأة بسيطة لا أعلم عن نزاع الفريقين شيئاً". فنظر تلقاءها واتبع النظرة النظرة فعلم ما في وجهها من خوف ،هذا الخوف كان في أكثره منه هو ،فإذن لم تطمئن إليه. وليس لرجل مطلوب طرق باب امرأة آخر الليل فآوته أن يطمع بأكثر من هذا ،فإنه ممتن إليها وأراها ما رأى:"سأبقى في كنفك بقية الليل وأرحل قبل الشروق. أفترضين بهذا؟" فسكتت راضية وذهبت إلى بعض شأنها فانتظر في الأريكة مقلباً رأياً وآخر حتى دعته للعشاء فهب إليه. والتقطت قطع الطعام بسرعة وكأنها تريد هرباً من مواجهته إذ قالت وهي ترفع طبقها عن المائدة:"أنا..آسفة..آسفة لأجلك" ولم يجبها ولم ينظر ناحيتها ولكنه فكر كم وجهه ينشر الخوف في جنان كل إنسان قابله غير..تلك الصبية البيضاء قد نشر في صدرها شعوراً أجمل. ولقد برّ بوعده فمضى وثوى إلى الخان الذي أودع فيه ناقته فحل عقالها وهم أن يمتطيها لولا أن لامس أذنيه صوت خطوات حذره على السلم المتواري خلف الجدار ،فتحفز رافعاً سكينه وربت بيده على رأس ناقته فسكتت وحدق بعينه ناحية الحائط القديم ،فبرز من ورائه رجل شرطة يضع كفيه في جيبي سرواله ويرتدي نظارة تلتمع بشدة تأثراً بخيط النور من ثقب صغير. قال هادي بصوت مرتبك:"من أنت وماذا تفعل هنا؟" وأجاب الرجل بلهجة متكبرة:"صدق عقلي إذ أرشدني لدنس أثر لكم هنا. هه..أنصار لكم في المدينة!" خفض هادي سكينه متعجباً من وثوق الرجل وهو يغادر المكان بغير تحرز منه فأوقفه مهدداً ونظر إليه الآخر بتحد كبير. قال لهادي وهو يرفع نظارته ويزيح شعره عن ناظريه:"سواء حياتي ومماتي فاتصالكم مفضوح ،ورائحة فقدي أو حضوري ستشير إليكم ،وإليك" وخرج بهدوء يسير على قدميه إلى المكان الذي قد جاء منه. أما هادي فقد ارتحل إلى قومه مسرعاً تاركاً خلف ظهره عتاولة المدينة بكل خططهم وعدتهم ،سار حتى أصبحت المدينة في ليلها بضياء فاقع أصفر ،وواصل السير.
ولو أنه تأخر قليلاً إذن لحظي برؤياها إذ خرجت تطوف في الشوارع تسمع صدى رحلته. وتبعها شاب مهندم ذو طرف قاصر ولسان نظيف ،يبدو يسار صدره ذيل السلاح تستره أصابعه الطويلة وخطواته الهادئة. وانتظرها حتى فتحت باب مسكنها الجديد وهي تفرز وتبحث في المفاتيح بصبر شديد. وانتظر أخرى حتى دخلت واختفت تماماً في أركان المكان ثم ألقى نظرة في الممر على اليمين والشمال وتقدم إلى الداخل. ولم تكن الفتاة حينئذ تصنع شيئاً لهذ انضمت إليه في حديث بطيء تخللته فترات صمت كثيرة. أفادته أنها لن تخرج اليوم ولكن متاعها آت بعيد الظهر. ثم ألمعت في انتباهه أسفاً واعتذاراً أنها استعملته لحماية العائلة ،عندها قال:"إنه عمل كلفتني به شرطة المدينة ،ليس عليك جُناح ،ليس عليك حرج" ثم راح يحدق في جدول عمل الساعات القادمة على شاشة صغيرة يحملها في راحته. ورأى القلق ظاهراً في عينيها الشاخصتين اتجاهه ،فقال بنغمة صوته الساكنة:"ربما عليك أن تخلدي إلى الراحة. سأكون في استقبال والدك" ردت بابتسامة مع نظرة ممتنة وقررت الاختفاء في غرفتها وأن تسمع وتبصر أنباء الفريقين وأن تبعث كلماتها إليهم. كتبت في المكان حيث يقرأه الجميع:"إنني التقيت بسجينة القضية ،إنها تتلقى عذاباً فظيعاً لم أجد له مبرراً في مثل جريمتها إذ آثرت الصمت على الاعتراف بمزهق الروحين في دار الشيخ أتانا بعلم جديد. سأنقل لكم ما رأيت بأم عيني ،في زنزانة مظلمة تخضع لقوانين الحبس الانفرادي وساعات التعذيب تزيد عن نصف يومها ،ولا يسمح لها الآن بمقابلة الزوار حتى جلسة الحكم التالية. هذه الفتاة لم يثبت تورطها في جريمة القتل الثنائية وهي تدفع إلى قبرها دفعاً من غير ضابط أو شرط. وأما الطفل الذي يتأكد كثيراً لدى المحققين أنه القاتل فهو مختف منذ يومها والممرضة تدفع ثمن اختفائه. ضموا صوتكم إلى صوتي ولنسعى إلى تحرير هذه المدينة من الطغاة ،سأكون هنا مغرب كل يوم. إلى اللقاء".
وهطلت عليها الرسائل فور انتهائها من الإرسال فتقافزت عشرات الإطارات إلى الشاشة أمامها ،وغمرت المكان أصوات التنبيه تترى صوتاً بعد آخر ،واجتمع صوتين معاً. وعجزت أصابعها أن تعبر بسرعة عن مكنون فؤادها وفكرها وارتبكت على أثر الصوت السريع المستمر ،واسطاعت أن تتخير سؤالاً فترد عليه ،كان صاحبه يستفسر عن هويتها ،ثم يسخر من أسلوب المحاماة السخيف الذي اتبعته في كتابة طلبها ،قال:"ماذا تعتقدين بخصوص فرد يرفض الاعتراف؟ أو أنك ترمزين إلى شيء آخر! يظهر لي أنك صافية السريرة حتى تطلبين من الناس أن لا يؤذوا ثم تحمين الذين تأذوا..العالم الذي تطلبين غير مسموح له بالنشوء ،هل تريدين للمجرم أن يفر من عذابه؟ حجتك واهية ومناشدتك مردودة عليك. مرة أخرى من أنت؟؟".
إنها أرسلت رداً قاسياً قالت فيه:"لا تهتموا لهويتي سموني إن شئتم باحثة عن الحقيقة. أجزم أن الممرضة تتلقى العذاب الأليم بين معذبات صدورهن مليئة بالحقد ترفع أيديهن السياط بأمر خاص من لسان أعلى ،يقلب الناس على جانبيه كقطع الطعام.."
ثم قامت من مكتبها ولم ترجع ،وأرادت أن تفتح الباب فبادرها من الخارج الحامي ونكصت على عجل. صاح:"ما يجري هنا؟ سمعت أجراساً تتلاحق ،هل تراسلين أحداً؟"
- هل ذلك ممنوع.
- لا ولكن..كوني حذرة حتى لايتعقبك إلى هنا ،أنت مطلوبة. لقد وصل والدك.
فامتدت عينها تنظر إلى انعكاس صورة الأب فوق زجاج الشرفة الكبيرة ،فعبرت ممر الغرف بخفة وحلت قريباً إليه. كان عاكفاً على قراءة أوراق في يده وقال حين أبصرها أمامه:"مرحباً" فجلست قبالته ولم تتكلم ،وجلس الشاب قرب الشرفة ينظر إلى الخارج. ولم يمكث الثلاثة غير قليل إذ تعشوا وأووا إلى فرشهم ،واستيقظوا مع الفجر. ولم يكن طعام الصباح جاهزاً مما جعل الشاب والفتاة يعملان في المطبخ لجزء من الوقت ،وأقبل الجميع على وجبتهم بشهية كبيرة. قال الأب لابنته حين شاءا مغادرة المكان:"استمتعي بعطلتك مع هذا الشاب اللطيف..أو أنك تفضلين رجلاً آخراً!" وترك النفر مسكنهم في سيارة تنتظرهم ،فتولى الأب الطبيب إلى شغله وابتعد الاثنان يسلكان دروب المدينة ويستريحان في حدائقها المتناثرة. كان الشاب يتحرك طوعاً لأمر الفتاة الماشية أمامه وينظر طويلاً في كل شيء ،ثم إن أي حدث كان يلفت انتباهه ويجعله في حال من التحفز. ولقد حذر الفتاة لما وطأت بقدمها حيا للمتشردين فأبت أن تستمع له وقالت:"أنا هنا وهناك ليخرج إلي متقصدي فأُفهمه. سأبرز حضوري في كل زقاق وضيّق من شرق المدينة ،وغداً إنني في غربها..سأتكشف في كل مكان" وحطت قدماً على الرصيف فهوت بحجرين من مادته فترنحت وكادت ان تقع ،وهبّ الشاب إليها ناصحاً:"انتبهي ،السبل في هذه الأحياء رديئة". شكرته وانخفضت تلتقط أحد الحجرين ونظرت أسفله وأعلاه وقالت:"هل تصدق أن جسد الإنسان شبه من هذا" ثم ألقته من قرب إلى الأرض فلم يتبعثر إلى أجزائه ،والتقت بعمال الصباح الجالسين وبنساء يطعمنهم على عجل ،وبأطفال قذرين يركضون جوارها ويتسلقون المساكن الصغيرة على الجانبين ،وحدق الناس حولها بها وبالرجل الذي يتبعها بإصرار شديد ،وكان بوسع التابع أن يرى ارتعاش كتفيها في وضوح أمامه. وحين واصلت خطواتها التقدم نهاها آمراً إياها بالرجوع قائلاً:"هذا المكان يتقلب فيه أشباه الأموات ،لا يجدر بك أن تلجي إليه" فعارضته إذ دخلت وشاهدت أجساداً راقدة لها شهيق وزفير ،وانحنت تريد جلب شيء انزلق عن صاحبه الراقد في منحدرات الأرض غير الممهدة وقربته إليه. فحدقت بها أعين كليلة لرجل ضعيف ،قالت:"تفضل إنه لك" فلم يأخذه. فقهقه بقية الراقدين وهم يرددون:"مات ،قد مات قبل أن يأخذ حقنته!" ثم ألقى كل منهم إبرته بعيداً وفهمت الفتاة مطلبهم ،فلم تجب. وكان قفاها آخر صورة رأتها بعض العيون ،إذ لم تر بعدها أي شيء. قالت بحزن شديد لما آووا إلى أوراق شجرة معمرة يبتغون حرزاً من هبات الزمهرير المتلاحقة:"لا ريب أن ما رأيت من أسوأ ما صدقته عيناي في حياتي. أنفاس تختنق هناك تحت وخز الإبر الملوثة بوباء صنعته المدينة ونشرته بين أهل المدينة ،إن من بثه في دماء الناس يراقب من علو الآن ،ضاحكاً جالساً إلى كؤوسه" "لأي سبب يدفعون الناس إلى اليأس ،إلى حتوفهم. كأني به ينظر إلى تظالم خلقه من فوق السماء ويسمع ضجيجهم ،أفترى أن مجرماً هرب من غرب المدينة إلى مركزها فتوارى في الحشد أنه عالم به! ذلك أنه يعلم السر وأخفى".
ولم يكن الرجل يستمع لحديثها إذ تتحدث ،بل كان متوتراً تنطق لواحظه بالحذر الشديد. سألته لِما لاحظت من انشغاله وشرود صوابه:"أهنالك ما يقلق؟"
- لا شيء. يبدو شخص مريب يحوم حولنا الآن.
- أتعني صاحب السترة الرمادية..ذلك مراسل مأجور يتنقل بين مكاتب الصحف ،كان معنا لأسبوع سابق. يبدو من الشرق.
ثم جالا بعد الاستراحة القصيرة حول عدد من معالم المدينة بسيارة مستأجرة دفعا لصاحبها قبل أن يترجلا منها إلى تجمع للدارسين أمام جامعتهم ،وعبرت الفتاة بين الصفوف وهي تبتسم ناظرة إلى كل وجه ناظر أو لا ينظر إليها. والتابع يحدق في أثر الشر في وجوه بعضهم وأنوار الطيبة في غيرهم. واستقلا آخر ما فعلا سيارة أخرى أخذتهما إلى البيت. ولقد أوشك الوالد على الوصول لولا أن عزم البقاء ساعة الفصل بين الفترتين في مقر العمل ،ليقدم الحارس لاصطحابه في الثامنة بعد انتهاء ساعات المساء. فتولت الفتاة إلى مخدعها واستعد الشاب جانب الشرفة لأي طارئ تهجمي بالدفاع. ولقد أصابت الفتاة سنة من الغفلة وتيقظ وعيها على صوت رجل غريب ،عرفت في وجهه بعد ذلك المراسل في الحديقة ،وابتدرها السؤال فقال:"تبدين مطمئنة هنا" فوثبت من الكرسي وركنت إلى الحائط البارد وصرخت:"ماذا حل بحارسي؟" فابتعد الغريب جانباً وتمكنت من رؤية يده الممدودة من باب حجرتها الموارب ،فأصابها الفزع الشديد. صاح بها المقتحِم وهو يدوس على أقدامها ويتقرب بوجهه منها:"أين هو صاحب الشعر الأحمر..أين يختبئ..أخبريني بسرعة" وارتعش ظهرها المستند إلى بارد فانتفضت شفتاها تلفحهما سَموم فمه اللاهبة ،وانزلق عودها إلى الأرض إذ خانته الساقان وعجزت أن تحمله. وصرخ فيها ثانية أن تجيب ،فلم تفعل فغاص فوهة مسدسه في بطنها ،فنكأ الجرح الملتئم وساحت دماؤه ثانية راسمة قرصاً ثم أكبر ثم أكبر. صرح الرجل الغريب بصوته الصاخب قائلاً:"كانت لدينا فرصة واحدة للإطلاق على جذعك عوضاً عن رأسك الذي يتحرك كثيراً. لكن الآن يمكنني أن أطلق أكثر من مرة في كل عضو من بدنك ،وأستمع. عليك أن تلومي الرجل خلفك الذي جعلنا نميزك من علو الأمتار إذ ذهب ليقضي حاجته ،لكن هل تعلمين ،إن الحصول على ذلك المقعد لم يكن بالأمر الهين. شكراً لقاطع التذاكر". وابتغت السؤال في استهدافها بدلاً من صاحبها ،لكن لسانها لم يستطع حراكاً ،وسلاح الرجل يغوص في أحشائها من غير رصاصة. وأبى حلقها إلا صراخاً وارتج المأوى الصغير بنداء الاستغاثة العاجل ،وليس من قريب. ولقد وصلت إشارة الحارس إلى الشرطة بسرعة وأخذ طريق حضورهم دقائقاً هي قدرة الإنسان ،وحين اقتحامهم المكان ألقوا نظرة خاطفة على الجثة في الوصيد ،وشقوا طريقهم إلى غرفة الفتاة المضاءة. ركل أحدهم الباب بحذائه مفاجأة ففزعت الفتاة وصاحت:"لم..أفعل هذا.. صدقوني..أحدهم كان هنا..فعل هذا بقوة بالغة". كانت حروف الفتاة المتقطعة المندفعة من بين شفاهها القانية التي تحولت تدريجياً للأزرق غير مسموعة في قلوب الرجال ،فهناك عميقاً في القلوب خوف شديد. يستحيل على بشري أن يصنع هذا ذلك ما تردد في صدورهم ونظرات التعجب البازغة من عيونهم. كانت جثة مقسومة إلى نصفين أمامهم أيمانها شطراً منفرداً و أيسارها شطراً يرقد بعيداً عنه. ولقد حضر المفتش البليد الذي استجوبها وهي مريضة بعد رجاله بخمس من الساعة فاستقبله أحدهم حاملاً الفتاة فاقدة الوعي. قال بسرعة:"تحتاج لنقل دم ،يجب أن تعالج على عجل". فتجاوزه المفتش ونظر إلى داخل الغرفة فصرخ راعباً من هول ما أفجعته به عينيه ،ولم يقترب أكثر. وفي اليوم التالي لقد زار الشقة التي لم ترفع منها الجثتين المحققان العاملان على قضية واحدة ،وبادر علاء صاحبه سؤالاً:"أنت تعرف هذه الفتاة أكثر مني. هل ألمحت إليك بجماعة أو تنظيم يا ربيع؟". فأجاب المحقق فاحصاً بعينيه الشقين المتباعدين:"ألم ترعبك الجثة؟ لا تبدو القتلة بيد البشر" رد علاء برتابة:"قطعة صغيرة من المفجر تفعل هذا. لا أراه معجزة"
- أما تساويهما دون عرج أو عوج؟ كيف أمكن لقنبلة تفعل هذا؟ يا صاحب القلب القاسي.
- أخبرتك أن قلبك سبب فشلك..ألا تتعظ؟
فأطل المحقق ربيع في عيني صاحبه بغضب ثائر ،وتحدث مدير فرقة المختبر الجنائي قائلاً:"الملاحظات المبدئية ،أن الجثة فارقت الحياة قبل أن تقتل فعلياً..ربما من الخوف ترونه واضحاً في وجهها ،لهذا لا وجود لدمِ غير الفتاة المهاجمَة ،ولقد ساعدت برودة الجو في احتفاظ الجثتين ببعض خصائص خمس ساعات فائته وتطابقت بعض أبحاثي مع أبحاث الفريق الأول هنا الذي تولى رفع الأثر". سأل المحقق بسرعة:"شكراً أيها الرفيق ،أخبرني هل لقنبلة أن تفعل هذا؟ تمام النصفين من غير عوج؟".
- إني أجده غريباً..بالنسبة لسؤالك إن القنابل تلقي بالأشلاء في كل مكان. فما أراه هنا غير مألوف.
فاقترب منه المحقق وقال بصوت هادئ:
- ألا تبوح لي بمشاعرك؟
وتحرك علاء إلى نقطة أخرى ليفحصها وقد زم شفتيه في امتعاض شديد ،وزاد حين سماعه اعتراف رجل المختبر قائلاً:"يبدو مسرح الجريمة في غير أرض الناس".
أما الفتاة المصابة فقد اعترتها نوبة صراخ أجلت عمل المحققين ،وكانت تسقى في وريدها عشرات المهدئات في اليوم الواحد. وكان لجسدها السكون بعد أيام فأتى فوج للسؤال ومنع ،ولم يسمح إلا لرجال الشرطة بالدخول ،وبقي رجال الخبر في الأروقة والممرات ينتظرون إذنا بذلك. سأل المحقق في القضية أولاً ولم يتدخل علاء وصاحبه في الكلام بينهما لبعض الوقت.
- أريدك أن تسردي وقائع تلك الساعة بالتفصيل ،كل شيء ترينه حقيراً أذكريه ولا تؤاخَذي..كل شيء.
وأجابت الفتاة في صوت مرهق وظهر الهم جلياً في وجهها وهي تقول:"دخل الرجل مفاجأة فاستنكرت ،فمددت ببصري إلى حارسي فإذا هو قد قُدر عليه ،ففزعت. لقد غرس سلاحه في جسمي عميقاً..وكنت أتألم وأستنجد. أحدهم جاء إلي ،لم تقو عيني على رؤيته فإنني فقدت كثيراً من دمي. سمعت صوتاً هائلاً وخيل إلي أني الوحيدة التي تسمعه. ثم..رأيت اللص في الحال التي رأيتم..وعاد إلي بعض وعيي"
- حسنا يا آنسة هل طلب اللص منك شيئاً؟ ولماذا قصدك برأيك؟
أطرقت الفتاة تفكر ثم قالت بتردد:"لا أعلم يا سيدي..لم يطلب مني أي شيء"
- ألم تسمعي شجار الاثنين حين الاقتحام؟
- يبدو رجلاً محترفاً ،ربما فاجأ الحارس وقتله قبل أن ينطق.
- ولكن الحارس أرسل الإنذار إلى المركز.
- ربما فعل وفي يده بقية الحياة.
- حسناً ،ألم يلمح اللص بشيء عن راميك ذلك اليوم؟ أي كلمة من قريب أو بعيد.
- لا يا سيدي أخبرتك..لاشيء.
وتبدل وجهه البليد إلى نظرة غير معتادة من عينيه وهو يقول:"إن كنت تكذبين ،فسيتضح ذلك مباشرة إبان عملية التحليل..أستطيع أن أقول لك أنك تسترين بعض الحقيقة في عدد من إفاداتك..أتعلمين يا آنسة ذلك جلي جداً!". ثم نهض بتثاقل وهو يقول لرفيقيه:"اقتسما الوقت الباقي بالنصف ،لا يسمح لنا بتجاوز الساعة". فتقدم الاثنان إليها وجلس المحقق وظل الآخر واقفاً ،قال وهو يمد يده مصافحاً:"يؤسفني أن وجهي أول شيء ترينه بعد تماثلك للشفاء ،أعذريني" "لدي سؤال واحد فقط لماذا لم يقتلك اللص فور وصوله أو أنه انتظر منك أن تخبريه شيئاً؟". فبدا الارتباك في حركة أصابعها ولسانها ،ولم تفصح بشيء فقال:"سأغادر الآن ،يبدو أنك تواجهين صعوبة في الكذب أول مرة". وتبعه رفيقه فغادرا الغرفة ورحلا إلى الخارج. وتحدث المحقق إلى صاحبه علاء في شيء من التوتر:"يا لها من جريمة هادئة ،لا أحد قد سمع شيئاً". والتفت الاثنان على حين نداء العاملات وصراخ بعض الأشخاص فوجدا الفتاة تعدو من خلفها عجلات المغذي تصدر صريراً عالياً في بهو المكان الواسع. وصلت إليهما وسألت وهي تلهث:"متى ستقيمون جنازة المقتول؟ دلني على عائلته إذا سمحت" رد المحقق وعلامات الدهشة في محياه واضحة:"ليس لدي علم بهذا. لكن الرجل لا يملك مدخرات كافية لذا..أعتقد أنه سيرمى في قبره بثيابه فقط". وشهقت الفتاة وهي تقول:"لا..سأكرم الحارس الذي قتل في بيتي".
- حسناً إذن قدمي طلباً بهذا.
- بخصوص العائلة كيف هم؟
- لا أعلم عنهم مثقال ذرة.
وابتعد المحققان وهما يتحاوران قال علاء بصوته المتعالي:"ذلك الجندي الأحمر التقيته في وكر على الحدود ،مؤكد أن في المدينة معاونون"
- كيف فعلت هذا؟ أعني..لماذا بحثت هناك.
- إنها طريقتي في حل العقد. جميعنا نعلم أن أولئك يتجولون في المدينة وليس يمكننا أن نكمن لهم. من سوء الحظ لم يكن يسمع الجنود صوتي إن ناديت فقد فر الرجل من بين يدي.
- هل قوات الحدود بخير؟
- لم تكثف منذ ابتداء القضية ،سنرسل اقتراحاً بهذا.
- أعتقد أنني بدأت انسجم معك.
- ................................
إن ما قدمه علاء إلى مديره الأسمر كان زاخراً بالجديد على عكس ربيع ،فقد قدم ملفاً بصور الصبي المفقود مع المعلومات التي باتت تؤخر القضية التي تسير بسرعة الآن. ولم يهتم بمديح المدير لصاحبه والعلاوة التي حدثه عنها ،فقد أصبح ينظر لأكبر من هذا. يخبره قلبه اللين أن هناك شيء لم يعلمه ،ويجب أن يعلمه.
إلى الفصل الرابع عشر بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2012, 07:25 PM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحباً بكم بعد الغياب

عندما تجتمع الفصول الباقية سأجعلها بين أيديكم بإذن الله

ماتوقفت لأني توقفت

ولكن لأني أريد من الذي يقرأ فيها أشتاتاً أن يقرأها جميعاً

حينما تنتهي بإذن الله

شكراً لكل من دعمني حتى وصلت للذي وصلت

ممتنة للجميع

وانتظروني .............












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ

عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 18-03-2012, 11:47 PM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
جنون قلم
اللقب:
مشرفة على المنتديات العامة
جنون قلم
مشرفة على المنتديات العامة
 
الصورة الرمزية جنون قلم

 تاريخ التسجيل : Feb 2012
 رقم العضويـة : 6988
 مجموع المشاركات : 806
 بمعدل : 0.15 في اليوم
 معدل التقييم : 11
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
جنون قلم غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

ممكن تنزلي الفصول الأولى هنا لم تفتح معي الصفحة وأتمنى قرائت روايتك
تحياتي لك












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

يارب رضني وارضى عني

عرض البوم صور جنون قلم   رد مع اقتباس
قديم 19-03-2012, 01:53 AM   المشاركة رقم: 29
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

مرحباً بك جنون قلم

يسرني أن تقرئي الرواية ويشرفني رأيك فيها

وهذا طلبك


(الفصل الأول)


كان ليل المدينة مشرقاً كالنهار ،فقد أضيئت سبلها بمصابيح صفراء قوية ،وشرّعت متاجرها الأبواب لكل سائح ،وانتقل الناس الراكبون من أطرافها حتى الوسط ،واجتمعت أنفاسهم وأبواق سياراتهم في مكان واحد ،وارتفعت أصواتهم تصرخ وتبكي..وتغني وتضحك ،في ليلة الحشر الصغرى. كانت مقاييس الحرارة في سياراتهم تشير إلى درجة غير عادية ،عجزت أجهزة التكييف على تبديدها ،فخلع نفر منهم بعض ما يستر بدنه ،وركن أكثرهم مركبته جانباً ،وكان بوسع من رآهم أن يلحظ احمرار وجوههم والعرق الذي يغشى جباههم ،من خلف زجاج نوافذهم التي انعكست عليها أضواء الطريق الفاقعة. كانت السماء خالية من النجوم..ولم يكن القمر حاضراً أيضاً ،فكان البشر وحيدين في ليلتهم المظلمة ،التي صنعوا لها شمساً لم ترشد حيرتهم ،ولا ءانست وجودهم ,ولم تكن لترحمهم.
كان يعبر الشارع على قدميه ،شيخ كبير ،يحمل بين يديه نسخة وحيدة من كتاب عريق ،كان بطيء الخطى يترنح في مشيته ،ويتوكأ على عكاز ثخين ،وكانت مصابيح السيارات تسطع بشدة لتبيْن عظامه البالية ولحيته البيضاء الطويلة. كان شاذاً وشارداً عما حوله ،فرأسه وعيناه اللتان لاتبصران إلا قليلاً من معالم الطريق ،يحملان هماً تستثقله ساقاه الضعيفتان ،وفي لحظة ،هب إلى جانبه طفل يركض بسرعة ،ومن الرصيف المقابل كان أحدهم يركض بسرعة أيضاً ،وتم اللقاء ،فتناثرت دماء الصغير في كل بقعة ولوثت قطرات منها ثوب الشيخ الناصع. وثب صاحب السيارة إلى الأرض وهو ينتفض ،وجعل يستنجد بالناس الذين أحاطوا بجثة الصبي ،أنبأه أحدهم أن الأمر قد فات ،وأن الطفل قد مات ،وأنه إن كان ذا شرف فليضع ثوباً على وجهه ،ولينتظر قدوم ذويه. إن الرجل المسن لم يتبين شيئاً مما حصل ولم يكن له في حاله هذا من حيله ،لذا فقد ارتحل بهدوء تاركاً إياهم في الطريق يتناحرون ويتشاورون ويسلي بعضهم بعضاً.
طرق الشيخ الأرض الصلبة بعصاه وقال بانفعال:"إنهم لايعلمون ..إنهم لايعلمون". كان الرجل العجوز الأعمى يرى شيئاً لايراه الناس ،إذ كانوا غافلين ،جاهلين ،لايدركون شيئاً ،لقد زار ليل المدينة زائر ،لم يره أحد ،ولم يكرمه أحد.
سلك الشيخ الطريق الوحيد الموصل إلى منزله ،كان يمتلأ بالأشواك والغصون اليابسة ،كانت أحواض النباتات التي تحيط بالمسكن خالية من أية ورقة ،لم يكن هنالك إلا التراب ،وقد كان يقول حين يعبر بها أحياناً:"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى". ثم يضرب براحته على التراب ،ويحفر بإبهامه يلتمس الطين إن كان أصاب المكان وابل أو شيء من مطر ،فإن لم يكن ،كسائر الأيام في تلك المدينة ،فإنه يضرب التراب بيديه جميعاً حتى تتطاير حباته الجافة وتتشبث بلحيته ووجهه فيقول عندها:"سبحان من يحيي العظام وهي رميم..سبحان من يحيي العظام وهي رميم". ثم تهطل دموعه لتروي عطش ذلك المكان ،وتبعث الحياة الحقة - كما يراها الشيخ – في كل ميت. دفع الشيخ الباب بعصاه ،ثم ارتقى الدرجتين المنخفضتين فولج ،ولم يكن ليغلق الباب أبداً ،فكيف يمنع الخير عن سائله ،وكيف يعرض عن غوث عبد تقطعت به السبل !.. كان غرس العصا في الرخام الأغبر عمل شاق للغاية ،فهي تكاد أن تقع في كل مرة لتميد به في فناء المنزل الصغير ،بحثت أنامله المتعرجة بارتعاش بين المفاتيح في جيبه ،وقبضت أخيراً على مفتاح مفرد يدور بحرية في حلقة حديدية ملساء ،أسند عكازه على الحائط وأمسك أكرة الباب بيده اليسرى ،ثم أخذ يتلمس ثقب المفتاح بأصابع منهكة ،مضى على وقوفه أمام الباب دقائق عديدة قبل أن يتمكن من إدارة المفتاح في القفل وفتح الباب.
كان المنزل هادئاً كما سكنه أول مرة ،خالياً من الأثاث والبسط إلا من خزانة خشبية قديمة قد أتت عليها دودة الأرض فجعلتها خربة لاتصلح لشيء ،وبعض الفرش المهترئة التي ألقيت دون نظام في زوايا البيت ،لم يكن للبيت رائحة واضحة ،بل كان ملجأ موحشاً يفتقر لأركان الحياة. دخل الشيخ مخدعه ثم خلع نعليه وتوجه إلى سجادة منضّدة موضوعة على السرير ،بسطها باتجاه معين وأخذ يتلو كلاماً حلواً آسراً ،بلسان عربي مبين ، كان حين يفتح كتابه الكريم تنتشر في الجو رائحة مختارة من أجود طيب ،كتلك التي يجدها حين تلتصق جبهته بالأرض في سجادته الفاخرة ،أما منزله الموحش وحديقته المقفرة ،فقد وجد فيهما الأنس والحياة بصحبة رفيقه الكريم. ختم صلواته ،ورفع مصحفه إلى كوة في الجدار ،كانت هي الجزء الوحيد الخالي من الغبار في ذلك المأوى ،إذ أن الشيخ ينظفها بخرقة يحتفظ بها هناك. كان يرفع ذراعه بمشقة إليها فينظفها ثم يحط كتابه الجليل فيها ،ويخلد للنوم.
إن الرجل المسن لا يطيل النوم أبداً ،فقد كان يصحو قبل الفجر كل ليلة ليتم صلاته التي بدأها أول الظلام ،وكان يقول بصوت جهوري حين يواجه صعوبة في الاستيقاظ :"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً"..وما من ليلة لم يفلح فيها عمله هذا ،كان يؤمن بأن النوم إنما وجد لأجل تقوية الجسد وتصفية الذهن للقيام بالواجبات التي بعث لها. وكان الشيخ يقتص من ليلته ساعة يؤلف فيها الكتب التي يدفع فيها معرفته الزاخرة وخبرته الطويلة بين العلوم ،وحين تدق ساعته لتعلن موعد الفجر كان يقصد قبلته ويشرع في الصلاة. كان الشيخ يمتنع عن الطعام والشراب كل النهار ،يفعل ذلك أغلب الأيام ،فهو يؤمن أن الصوم عن الشهوات يقوي قلب المرء فيجعله متقنا لعمله الذي كلف به ،كان رجلاً لايعرف السعادة ولاتسيل دموعه تحت أي ظرف ،غير أنه يبكي في حجرته كبكاء الأطفال حين يبعثون إلى الحياة مادام قائماً يصلي ،هو امرؤ لم يغضب في حياته قط ،هو إنسان لم يكره لحظة قدره في أن يكون حياً ،هو رجل يكاد لايخطئ ،فهو يقيم الأمور بميزان الكتاب الحكيم ،ويرى الصواب فيما يراه ويرى الخطأ فيما يراه ،هو جسد طاهر لم يصب منكراً ولم يدنس بجريمة. هو قد شهد قرناً من الزمان ،لذا فلا أحد علم خبراً عنه في شبابه ،ولكن كهلاً في الحي كان يقول في وصف شباب الشيخ الذي لم يدركه :"هو رجل بمقدوري أن أعهد إليه بابنتي..وأمضي في رحلتي دون أن أشعر بالقلق".
هم عظيم كان يقبض على فؤاده هذا الصباح ،أخذ يخط بعصاه الأرض المغبرة ،كانت خطوطاً لاتتصل وليس لها أية نهاية ،كان جالساً على عتبة الباب حين كان يفعل هذا ،التزم الشيخ هذا السلوك دائماً حين كان يضطرب أو يشعر بالحيرة.
لم يمكث الشيخ على حاله إلا قليلاً ،حيث دخل عليه الدار غلام حسن الوجه ،يظهر عليه أنه معتاد على المجيء في هذا الوقت ،ألقى التحية على الشيخ وقبل رأسه ،ثم ساعده على النهوض ،وقال متعجباً:
- ماعساه يكون أصابك ياعم ؟هل كنت تنزف بالأمس ؟
أجاب الشيخ برزانة.
- لم يخلق الوقت للعبث يا إلياس.
- إنني جاد بشأن الأمر..توجد قطرات من الدم على قميصك.
تجمد ساعد الشيخ فوق كتف الفتى وبرقت عيناه وقال بسرعة:
- إن كان الأمر كذلك فأتني بغيره..ولا تكثر الكلام.
قفز الصبي بنشاط واتخذ سبيله إلى غرفة الشيخ ،ألقى نظرة قصيرة على الكتاب في الكوة ،ثم سحب ثوباً من المشجب خلف الباب. سن الشيخ الكبيرة لاتجعله يأبه لحرارة الجو ، فلم تعمل الكهرباء في منزله إلا نزاراً ،فمنزله يبدو من عصر مضى لولا جدرانه الإسمنتية الحديثة. نفض الفتى الثوب بقوة أمامه فاندفع الهواء يحرك شعره وردائه ،فعل ذلك كثيرا ثم ساعد الشيخ في ارتدائه.
بدأ الشيخ دروسه مع أول قادم ،ووبخ بقية الشباب الذين أضاعوا الوقت في كسل على الفراش. كان يعظهم بصوت صارم يخيف الفتيان ويجعل جلودهم تقشعر،حتى يأخذ كل منهم على نفسه عهداً أن يقدم مبكراً ولو اضطر للطيران. ثم تلين جلودهم من بعد ذلك حين يبشرهم معلمهم بالخير والفتح القريب ،وحين يهنئهم أن عاشوا هذا اليوم ،وحيوا بسلام عقب الموتة الصغرى – وكان يعني بها الكرى الذي قد غشيهم – ثم يقرأ عليهم ليطهرهم من رجز الشيطان ،ويوجه أفكارهم ،ويفسر لهم. إن أيا منهم لم يكن ندا للشيخ ،ولايحلم أحدهم أن يكون في المستقبل كمعلمه ،جميعهم تمنى فقط أن يعرف المجرم الذي يهدده ،والذي وعد بالدمار لكل واحد منهم ،كانوا يعتبرون المعلم كنه مجهول ،ولا يرونه كبشري مطلقا ،فهو يعرف كل شيء برأيهم ،ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ،لكن المعلم لم يدعهم في ضلالهم يعمهون ،بل قال بصوت مرتفع:
- إنه الله..إنه الله..هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء..
ثم بكى كالرضيع حتى بللت دموعه لحيته ،وقال بانكسار:
- أنا عبد ضعيف..أنا عبد ضعيف. حتى أشفق عليه تلاميذه ،وطرق الباب طارق عجول.
كان القادم رجلاً في منتصف العمر ،وقد كان يبدو أكبر من ذلك بعض الشيء ،حين رأى بياض الفتى وحسن ملامحه ،لم يكن بمقدوره أن يحتفظ بالغاية التي جاء من أجلها ،كان ثوب الغلام الأبيض يبدو متناغماً مع ثناياه اللؤلؤية التي تبرزها ابتسامته الدائمة ، وكان جبينه الأغر يظهر بتدرج من بين خصلات شعره السوداء الداكنة التي يرفعها الفتى بأصبعه بملل منتظراً بوح القادم عن سؤال أو هدف جاء به. كان الفتى يقف بالباب يرقب سيارة الضيف المتهالكة محاولاً أن يجيب السؤال بنفسه ،تأكد في سره أنه سائل يريد المال ،حياه بعد فوات وقت التحية وأخذه من يده إلى مجلس الشيخ. دخل الرجل والفتى إلى مجلس العلم المعقود ،فلم يلتفت أحد من الجالسين إليهم ،أجلس الشاب الضيف في بقعة على الأرض مقابل الشيخ ،وهمس إليه باحترام أن يكتم حاجته لحين انقضاء الدرس ،ثم أقبل بعد هنيهة يحمل بعض كؤوس زجاجية رصفت على لوح خشبي عريض ،وضعها الفتى على الأرض بطريقة استعراضية ،أثارت بعض الكؤوس فتمايلت على بعضها وتحدثت ،حتى اهتز حاجب الشيخ الكث الأبيض ،وكان هذا تحذيراً كافياً للفتى اللعوب.
أدرك الرجل الغريب أن الشخص الذي كان يسير إلى جانب طفله في ذلك الشارع لم يكن إلا شيخاً كبيراً ،وهكذا فلا توجد فرصة للظفر ببعض الحق في البحث حول رجل أشيب ،كان يتمنى وجود بعض خطأ يزج بالرجل الذي حدثوه عنه إلى الزنزانة. فكر باعتراض وهو يلحظ المعلم المسن بدءاً من شعره الأبيض ،ونزولاً إلى جبينه المتغضن وجسده الذاوي الضئيل ،فكر كم قد يكون شهد من السنين؟.. أيحق له أن يعمر سنة أخرى..وابنه بعد لم يعش سنته السابعة؟..لماذا لم يمت فداء لابنه؟.. لم يدرك المسكين أن قوة طفله قد جلبت له الموت!..وأن ساق الشيخ حمته من موت محدق!..
كان الرجل المعمر ذو حافظة فولاذية ،لم يخلق في شباب حاضره مثلها ،وربما ناظره رجل أو اثنان في زمن مضى ،حين لم تكن الروايات لتضبط ،ولم تكن الأحاديث لتتحد.
قد جعل الشيخ بعض الفتية يلمسون كتابه المبجل هذا اليوم ،تركهم يقلبون صفحاته بأيديهم العارية ،ويتسائلون عن ماهية كاتب هذه السطور ،ويتعجبون من فيض العلم الذي لم يعبر بهم يوماً من الأيام. كان التلامذة شغوفون بمعرفة كل جديد ،واكتشاف كل عجيب وفريد ،كانت ألسنتهم تعجز عن الجهر بما يقرؤون ،وحين يجربون ذلك يبدو حديثهم كحديث رجل ذو لسان كليل ،أو رجل أثقل العمر لسانة فإنه لايقدر على الفصح إلا قليلاً ،لقد صاروا إلى ذهول وهلع ،وارتجت أركانهم فبدوا كمحتضر يرى الموت قاب قوسين أو أدنى منه ،وما أفزعهم أكثر وأوقع بعضهم إلا صوت الشيخ المهيب حين تلا عليهم بعض ماوجدوه في الكتاب ،كان الشيخ يقرأ عليهم كلما عبروا آية بأبصارهم ،فيجدوه مطابقاً لما يقرؤون ،رغم أن معلمهم كان معرضاً بعينه عنهم ،فضلاً عن كونه أعمى ،فلا أحد منهم فسر الأمر ،ولا أحد يعلم كيف يحدث ذلك!.
انسحب الرجل الزائر بهدوء من المكان ،وانفض المجلس ،وتفرق الجميع. لم يغشى الزائر نوم في تلك الليلة ،وكان يتقلب في فراشه حتى الصباح. أقبل على زوجته حين كانت تعد بعض رقائق العجين في المطبخ ،قالت له بصوت يموجه الألم:"طاب صباحك".رد عليها بغير اهتمام حين كان يلوك قطعة خطفها مما تصنع ،ثم قال لها بصوت متعب :
- أين تعتقدين ابننا ذهب؟
نظرت إليه بحنان ،وأيقنت أنه لم يتجاوز محنته بعد. أجاب سؤله بنفسه فقال:
- إلى رمس تحت الأرض. ثم قال بعد مدة:
- على الأقل لا أزال أعتقد ذلك.
أجابته وهي تحل عقدة في حزام إزارها :
- هل رأيت مصيراً مخيفاً ليلة البارحة؟
- نعم رأيت شيئاً كذلك.
اقتربت منه وألقت كفيها على منكبيه وهمت بمعانقته ،لكنه أبعدها عنه وأدار جسدها حتى تحول قفاها إليه ،وشرع يحل الحزام وهو يردد:"لا أقسم بيوم القيامة ،ولا أقسم بالنفس اللوامة ،أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ،بلى قادرين على أن نسويّ بنانه".ثم اعتدل قائماً وقال لها.
- من تعتقدين قال هذا الكلام؟
قالت بسرعة وبدون تفكير:
- شاعر أو كاهن..ثم ما علمك هذا الكلام؟..أهي رؤياك العجيبة..أم هو خيالك الرحب؟
سكت ولم يعقب ،ثم أطلق زفيراً طويلاً ،وشد قوامه وتحرك خطوتين وقال بوثوق:"بل هو نبأ عظيم ،لايمكن لبشر أن يعلمه".
كان الزوجان يحسان بحزن عميق ،فالأب يقويه الغضب ،والأم يشد من أزرها صنع الرقائق وتقطيع الخضار ،والأهل والأقارب يتفوهون بكلمات العزاء التي لا تغير مجرى الأحداث ،ولاتعد بشي محدد ،كل الحقيقة أن الطفل الذي مازال في ثلاجة المستشفى غادر جسده شيء لن يعود.
إلى الفصل الثاني بإذن الله












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ


التعديل الأخير تم بواسطة حلم ينتظر ; 19-03-2012 الساعة 02:06 AM
عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
قديم 19-03-2012, 02:00 AM   المشاركة رقم: 30
المعلومات
الكاتب:
حلم ينتظر
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : Aug 2011
 رقم العضويـة : 6268
 مجموع المشاركات : 45
 بمعدل : 0.01 في اليوم
  العمر : 36
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حلم ينتظر غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حلم ينتظر المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

سأحلم بالرجوع معاً حماماً.....أمام الشمس في اليوم الجديدِ


التعديل الأخير تم بواسطة حلم ينتظر ; 19-03-2012 الساعة 02:12 AM
عرض البوم صور حلم ينتظر   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية